حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث الثَّالِث لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عَصَب

الحَدِيث الثَّالِث قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عَصَب . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَهُوَ (عَن) عبد الله بن عكيم قَالَ : أَتَانَا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل مَوته بِشَهْر : ألآَّ تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . رَوَاهُ الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي فِي سنَن حَرْمَلَة)) ، وَأحمد فِي مُسْنده ، وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، فِي (سُنَنهمْ) وَلم يذكر مِنْهُم الْمدَّة غير الشَّافِعِي ، وَأحمد ، وَأبي دَاوُد .

وَفِي رِوَايَة أَحْمد : بِشَهْر أَو بشهرين . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . قَالَ : وَسمعت أَحْمد بن (الْحسن ) يَقُول : كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يذهب إِلَى حَدِيث ابْن عكيم (هَذَا) ، لقَوْله : قبل وَفَاته بشهرين .

وَكَانَ يَقُول : هَذَا آخر الْأَمر . قَالَ : ثمَّ ترك أَحْمد بن حَنْبَل هَذَا الحَدِيث لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَاده ، حَيْثُ رَوَى بَعضهم ، فَقَالَ : عَن عبد الله بن عكيم ، عَن أَشْيَاخ من جُهَيْنَة . ( وَرَوَاهُ) أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، من طَرِيقين ، من رِوَايَة : عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى عَن (ابْن) عكيم ، وَفِي إِحْدَاهمَا : كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. .

(وذَكَر الْمدَّة ، وَفِي الْأُخْرَى : قُرئ علينا كتاب رَسُول الله) ، من غير ذكرهَا . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق ثَالِث عَن (ابْن) أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بن عكيم ، قَالَ : حَدَّثَنَا مشيخة لنا من جُهَيْنَة : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إِلَيْهِم : أَن لَا تستمتعوا من الْميتَة بِشَيْء . قَالَ : وَهَذِه اللَّفْظَة وَهِي : حَدَّثَنَا مشيخة لنا من جُهَيْنَة أوهمت عَالما من النَّاس أَن الْخَبَر لَيْسَ بِمُتَّصِل .

قَالَ : وَهَذَا مِمَّا نقُول فِي (كتَابنَا) : أنَّ الصَّحَابِيّ قد يشْهد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيسمع مِنْهُ شَيْئا ، ثمَّ يسمع ذَلِك الشَّيْء مِمَّن هُوَ أعظم خطرًا (مِنْهُ) ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمرَّة يخبر عمَّا شَاهده ، وَمرَّة يروي عَمَّن سمع . أَلا ترَى أَن ابْن عمر شهد سُؤال جِبْرِيل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن الإِيمان ، وسَمعه من عمر بن الْخطاب ، فَمرَّة أخبر بِمَا شَاهد ، وَمرَّة رَوَى عَن أَبِيه مَا سمع ، فَكَذَلِك عبد الله بن عكيم ، شهد كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قُرئ عَلَيْهِم فِي جُهَيْنَة ، وَسمع مَشَايِخ جُهَيْنَة يَقُولُونَ ذَلِك ، فأدّى مرّة مَا شهد ، وَأُخْرَى مَا سمع ، من غير أَن يكون فِي الْخَبَر انْقِطَاع . هَذَا آخر كَلَامه فِي صَحِيحه .

( وَقَالَ) فِي كتاب الثِّقَات : عبد الله بن عكيم ، الْجُهَنِيّ أَبُو معبد أدْرك (زمن) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا كتب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ إِلَى جُهَيْنَة ] قبل مَوته بِشَهْر : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كِتَابه) معرفَة السّنَن والْآثَار ، وَغَيره من الْحفاظ : ( هَذَا الحَدِيث مُرْسل ، وَابْن عكيم لَيْسَ بصحابي . وَقَالَ الخَطَّابي ) : مَذْهَب عَامَّة الْعلمَاء جَوَاز الدّباغ ، وَوَهَّنُوا هَذَا الحَدِيث ، لِأَن ابْن عكيم (لم يَلْقَ) النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن (كتاب) .

وعَلَّلوه أَيْضا : بِأَنَّهُ مُضْطَرب ، وَعَن مشيخة مجهولين ، لم تثبتْ صحبتهم . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : رَوَى دَاوُد بن عَلّي : أَن ابْن معِين ضَعَّفه ، وَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْء . وَابْن عكيم لَيست لَهُ صُحْبَة ، (قَالَه) الرازيان .

و (عَدَّه) أَبُو نعيم مِنْهُم ، وَذكر لَهُ حَدِيثا آخر . وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه ، وَقَالَ : لَا يُعْرف لَهُ سَماع (صَحِيح) من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : اخْتُلف فِي سَمَاعه من رَسُول الله من حَدِيثه من عَلَّق شَيْئا وُكِلَ إِلَيْهِ .

وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ من أَصْحَابنَا ، عَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ قولة غَرِيبَة : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ ولعَبْد الله بن عكيم سنة . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي ( علله ) : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : لم يسمع عبد الله بن (عكيم) من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابه . وَقَالَ ابْن شاهين : هَذَا (الحَدِيث) مَشْهُور بِعَبْد الله بن عكيم ، وَلَيْسَ لَهُ لِقَاء لهَذَا الحَدِيث ، وَكَذَا جزم الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند بذلك فَقَالَ : فِي هَذَا الحَدِيث إرْسَال .

وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن ، عَلّي بن الْفضل (الْمَقْدِسِي ) : قد اعْتمد الْأَصْحَاب عَلَى هَذَا الحَدِيث وَهُوَ ضَعِيف فِي إِسْنَاده ، (قَابل التَّأْوِيل فِي مُرَاده) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام : قَوْله : (ضَعِيف) (فِي) إِسْنَاده . لَا يُحمل عَلَى (الطعْن) فِي الرِّجَال ، فإنَّهم ثِقَات إِلَى عبد الله بن عكيم ، وإنَّما يَنْبَغِي أَن يُحمل عَلَى الضعْف بِسَبَب الِاضْطِرَاب ، كَمَا نُقل عَن الإِمام أَحْمد .

وَكَذَا قَالَ فِي (كِتَابه الإِمام) : الَّذِي يعتل بِهِ (فِي) هَذَا الحَدِيث الِاخْتِلَاف ، فروَى (عَن الحكم) عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبد الله ابن عكيم ، قَالَ : قُرئ علينا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي عمر الضَّرِير ، نَا أَبُو شيبَة ، وَإِبْرَاهِيم بن (عُثْمَان) ، عَن الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بن عكيم ، قَالَ : أَتَانَا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى (أَرض) جُهَيْنَة ، قبل وَفَاته بشهرين : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . ثمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِه عَن أبي شيبَة إلاَّ : أَبُو عمر الضَّرِير ، وَأَبُو شيبَة تكلمُوا فِيهِ ، وَقيل : مَتْرُوك .

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، من جِهَة (خَالِد) ، عَن الحكم ، (عَن عبد الرَّحْمَن) : أَنه انْطلق هُوَ وأناس إِلَى عبد الله بن عكيم ، فَدَخَلُوا ، وَقَعَدت عَلَى الْبَاب ، فَخَرجُوا إليَّ ، فَأَخْبرُونِي أَن عبد الله بن عكيم أخْبرهُم .. . الحَدِيث . فَفِي هَذِه الرِّوَايَة : أَنه سَمعه من النَّاس الداخلين (عَلَيْهِ) (عَنهُ) ، وهم مَجْهُولُونَ .

رَوَاهُ ابْن عدي ، من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن أبي سعيد (الْبَصْرِيّ) - وَهُوَ شبيب بن سعيد - عَن (شُعْبَة) ، عَن الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن ابْن عكيم ، قَالَ : جَاءَنَا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنحن بجهينة .. . الحَدِيث . قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : شبيب ثِقَة ، وتَكَلَّم فِيهِ ابْن عدي .

وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ - أَيْضا - فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط : من حَدِيث فضَالة بن الْمفضل (بن فضَالة) ، عَن أَبِيه ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب ، كَمَا تَقَدَّم ، ثمَّ قَالَ : لم يَرْوِه عَن أبي سعيد إلاَّ يَحْيَى ، تفرَّد بِهِ فضَالة عَن أَبِيه . قُلْتُ : قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لم يكن فضَالة بِأَهْل أَن يُكْتَبَ عَنهُ الْعلم . وَاعْلَم : أَن متن (حَدِيث) عبد الله بن عكيم قد رُوي من غير طَرِيقه ، ذكره (الْحفاظ) : ابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي (كِتَابَيْهِمَا) (نَاسخ) الحَدِيث ومنسوخه ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام بأسانيدهم ، من حَدِيث ابْن عمر ، قَالَ : ( نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن يُنْتَفَع من الْميتَة بعصبٍ أَو إهَاب .

(وَفِيه) - خَلا رِوَايَة ابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ - عَدِي بن الْفضل ، وَكَأَنَّهُ أَبُو حَاتِم الْبَصْرِيّ ، مولَّى بني (تيم) ابْن مرّة ، وَهُوَ ضَعِيف جدا ، وَلم يعقها الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بِشَيْء ، (وَكَأَنَّهُ) ترك التَّنْصِيص عَلَى ذَلِك لوضوحه . وَرَوَاهُ الْأَوَّلَانِ - أَيْضا - فِي (كِتَابَيْهِمَا) الْمَذْكُورين من حَدِيث جَابر بن عبد الله رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُنْتفع (من الْميتَة) بِشَيْء . لَا أعلم بِإِسْنَادِهِ بَأْسا ، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ، بعد أَن عزاهُ إِلَى رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلَفظه : لَا تنتفعوا بدل : لَا ينْتَفع ، وَفِي نُسْخَة مِنْهُ : رَوَاهُ أَصْحَابنَا .

وَقَالَ صَاحب الْمُغنِي : رَوَاهُ أَبُو بكر الشَّافِعِي ، بِإِسْنَادِهِ ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، وَإِسْنَاده حسن . وَقد رَوَاهُ ابْن وهب فِي مُسْنده ، عَن زَمعَة بن صَالح ، عَن أبي الزبير بِهِ . وَزَمعَة مُخْتَلف فِيهِ .

فَتَلخَّص مِمَّا ذَكرْنَاهُ : أَن للحفَّاظ فِي حَدِيث ابْن عكيم هَذَا مقالتان - بعد تَسْلِيم الإِرسال - : إِحْدَاهمَا : الِاضْطِرَاب ، (وَلَهُم فِي ذَلِك مقامان : أَحدهمَا : أَنه قَادِح ، كَمَا تقدم عَن الإِمام أَحْمد ) ؛ وَالثَّانِي : أَنه لَيْسَ بقادح ، بل يُمكن الْجمع ، (وَلَا اضْطِرَاب) ، كَمَا تقدم عَن الْحَافِظ أبي حَاتِم بن حبَان ، وَهَذَا فِي رِوَايَة (صَحِيحه) كَمَا قَرَّره ، وَأما فِي (ضعيفه) كَمَا تقدم فَلَا . وَالثَّانيَِة : الضعْف ، كَمَا تَقَدَّم (عَن ابْن معِين ) ، وَأبي الْحسن الْمَقْدِسِي ، وفيهَا النّظر الْمُتَقَدّم . ثمَّ لَهُم بعد ذَلِك نظران : أَحدهمَا : أَنه عَلَى تَقْدِير صِحَّته ، مَحْمُول عَلَى مَا قبل الدّباغ ، قَالَه أَبُو مُحَمَّد ابْن حزم فِي كِتَابه الْمُحَلَّى ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَهَذَا لَفظه : مَعْنَى خبر عبد الله بن عكيم : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب ، يُرِيد قبل الدّباغ ، (قَالَ) وَالدَّلِيل عَلَى صِحَة ذَلِك ، قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر .

اهـ . الثَّانِي : أَنه نَاسخ ، أَو مَنْسُوخ ، قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم : هَذَا الحَدِيث نَاسخ لما قبله ، أَلا ترَاهُ يَقُول : قبل مَوته بِشَهْر . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بِحَدِيث مَيْمُونَة .

وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدَّين ابْن تَيْمِية فِي الْأَحْكَام : أَكثر أهل الْعلم عَلَى أَن الدّباغ مُطَهِّر فِي الْجُمْلَة ، لصِحَّة النُّصُوص بِهِ ، وَخبر ابْن عكيم (لَا يقاربها) فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة لينسخها . وَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي (كِتَابيه) : النَّاسِخ والمنسوخ ، [ و ] الْإِعْلَام [ مَا ] مُخْتَصره : حَدِيث ابْن عكيم مُضْطَرب جدا ، لَا يُقَاوم حَدِيث مَيْمُونَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ . زَاد فِي الْإِعْلَام : وَقَالَ قوم : يجوز أَن تكون أَحَادِيث الْإِبَاحَة قبل مَوته بِيَوْم أَو بيومين .

قَالَ : وَأجَاب آخَرُونَ عَنهُ : (بِأَنَّهُ) قد رَوَى فِي بعض أَلْفَاظه : كنت رَخَّصت لكم فِي جُلُود الْميتَة ، فَدَلَّ عَلَى تَقْدِيم أَحَادِيث الإِباحة ، وصحَّ النّسخ . قَالَ : وَهَذِه اللَّفْظَة بعيدَة الثُّبُوت . قَالَ : ثمَّ يحْتَمل أَن يكون رخص فِي ذَلِك ، ثمَّ نهَى ، ثمَّ رخص .

وَلَقَد أَجَاد الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي ، فِي كِتَابه النَّاسِخ والمنسوخ - وَهُوَ كتاب لَا نَظِير لَهُ فِي بَابه ، فِي غَايَة التَّحْقِيق والنفاسة - فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : حَدِيث ابْن عكيم هَذَا حسن ، عَلَى شَرط أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، أَخْرجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا من عدَّة طرق ، وَقد رُوِيَ عَن الحكم من غير وَجه ، (وفيهَا) اخْتِلَاف أَلْفَاظ . قَالَ : وَمن ذهب إِلَى هَذَا الحَدِيث قَالَ : الْمصير إِلَى هَذَا الحَدِيث أَوْلَى ، لِأَن فِيهِ دلَالَة النّسخ ، أَلا ترَى أَن حَدِيث سَلمَة بن المحبق - يَعْنِي الْآتِي قَرِيبا - يدل (عَلَى) أَن الرُّخْصَة كَانَت يَوْم تَبُوك ، وَهَذَا قبل مَوته بِشَهْر ، فَهُوَ بعد الأول بِمدَّة . وَلِأَن فِي حَدِيث سَوْدَة : حَتَّى تخرقت ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : كُنَّا (ننبذ) فِيهِ حتَّى صَار شَنًّا) .

وَلَا تتخرق الْقرْبَة وَلَا تصير شَنًّا فِي شهر . قَالَ : وَفِي بعض الرِّوَايَات ، عَن الحكم بن (عتيبة) ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى : أَنه انْطلق وناس مَعَه إِلَى عبد الله بن عكيم .. . نَحوا (مِمَّا) ذكرنَا .

قَالَ خَالِد : أما أَنه قد حَدَّثَنَي : أَنه كتب إِلَيْهِم قبل هَذَا الْكتاب بِكِتَاب آخر . قُلْتُ : فِي تَحْلِيله ؟ [ قَالَ ] : مَا تصنع بِهِ ؟ هَذَا بعده . كَذَا رَوَاهُ الدَّارمِيّ ، وَقَالَ : فِي قَول (خَالِد) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِم فِي ذَلِك تَحْلِيل قبل التَّشْدِيد ، وأنَّ التَّشْدِيد كَانَ بعد .

قَالَ الْحَازِمِي : وَلَو اشْتهر حَدِيث ابْن عكيم ، بِلَا مقَال فِيهِ - كَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الرُّخْصَة - لَكَانَ حَدِيثا أَوْلَى أَن يُؤخذ بِهِ ، وَلَكِن فِي إِسْنَاده اخْتِلَاف : رَوَاهُ الحكم مرّة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن ابْن عكيم . وَرَوَاهُ عَنهُ الْقَاسِم بن مخيمرة ، عَن خَالِد ، عَن الحكم . وَقَالَ : إِنَّه لم يسمعهُ من ابْن عكيم ، وَلَكِن من أنَاس دخلُوا عَلَيْهِ ، ثمَّ خَرجُوا فأخبروه بِهِ .

قَالَ : وَلَوْلَا هَذِه الْعِلَل ، لَكَانَ أولَى (الْحَدِيثين) أَن يُؤْخَذ بِهِ : حَدِيث ابْن عكيم ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْخَذ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالآخِر فالآخِر ، والأحدث فالأحدث . عَلَى أَن جمَاعَة أخذُوا بِهِ ، وَذهب إِلَيْهِ من الصَّحَابَة : عمر بن الْخطاب ، وَابْنه عبد الله ، وَعَائِشَة . ثمَّ رَوَى الْحَازِمِي بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الشَّيْخ الْحَافِظ ، أَنه (قَالَ) : حُكِي أنَّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه نَاظر الشَّافِعِي - وَأحمد بن حَنْبَل حَاضر - فِي جُلُود الْميتَة إِذا دُبغت ، فَقَالَ الشَّافِعِي : دباغها طهورها .

فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق : مَا الدَّلِيل ؟ فَقَالَ : حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، [ عَن ] ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : (هلا) انتفعتم بإهابها ؟ . فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق : حَدِيث ابْن عكيم : كتب إِلَيْنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل مَوته بِشَهْر : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب ، فَهَذَا يشبه أَن يكون نَاسِخا لحَدِيث مَيْمُونَة ، لِأَنَّهُ قبل مَوته بِشَهْر . فَقَالَ الشَّافِعِي : فَهَذَا كتاب ، وَذَاكَ سَماع .

فَقَالَ إِسْحَاق : فإنَّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر ، (فَكَانَت) حجَّة بَينهم عِنْد الله . فَسكت الشَّافِعِي . فَلَمَّا سمع (ذَلِك) أَحْمد ذهب إِلَى حَدِيث (ابْن) عكيم ، وأَفتى بِهِ ، وَرجع إِسْحَاق إِلَى حَدِيث الشَّافِعِي .

قَالَ الْحَازِمِي : وَقد حَكَى الخلاَّل فِي كِتَابه عَن أَحْمد ، أَنه توقف فِي حَدِيث ابْن عكيم ، لَمَّا رَأَى تزلزل (الروَاة) فِيهِ ، وَقَالَ بَعضهم : رَجَعَ عَنهُ . قَالَ الْحَازِمِي : وَطَرِيق الإِنصاف فِيهِ أَن يُقال : إِن حَدِيث ابْن عكيم ظَاهر الدّلَالَة فِي النّسخ لَو صَحَّ ، وَلكنه كثير الِاضْطِرَاب ، ثمَّ لَا يُقَاوم حَدِيث مَيْمُونَة فِي الصِّحَّة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : أصحّ مَا فِي هَذَا الْبَاب ، فِي جُلُود الْميتَة إِذا دُبغت : حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن [ عبيد الله بن عبد الله ، عَن ] ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة .

وَقَالَ الْحَازِمِي : وروينا عَن الدوري أَنه قَالَ : قيل ليحيى بن معِين : أيُّما أعجب إِلَيْك من هذَيْن الْحَدِيثين : لَا ينْتَفع من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب أَو : دباغها طهورها ؟ (فَقَالَ : دباغها طهورها) أعجب إليَّ . قَالَ الْحَازِمِي : فَإِذا تَعَذّر ذَلِك ، فالمصير إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس أَوْلَى ، لوجوه من الترجيحات ، ويُحمل حَدِيث ابْن عكيم عَلَى منع الِانْتِفَاع (بِهِ) قبل الدّباغ ، وحينئذٍ يُسمَّى : (إهابًا) . وَبعد الدّباغ يُسمَّى جلدا ، وَلَا يُسمى إهابًا ، وَهَذَا مَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة ليَكُون جمعا بَين (الْحكمَيْنِ) .

وَهَذَا هُوَ الطَّرِيق فِي نفي التضاد عَن الْأَخْبَار . هَذَا آخر كَلَامه - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - مَا أَشد تَحْقِيقه . وتَلَخَّص (لَك مِنْهُ) وَمِمَّا تقدم ، أَن للحفاظ فِيهِ سِتّ مقالات - بعد تَسْلِيم الإِرسال - : أَولهَا : أَنه مُضْطَرب قَادِح .

ثَانِيهَا : أَنه مُضْطَرب غير قَادِح . ثَالِثهَا : أَنه ضَعِيف . رَابِعهَا : أَنه مؤول .

خَامِسهَا : أَنه نَاسخ . سادسها : أَنه مَنْسُوخ . وَالله أعلم بِالصَّوَابِ من ذَلِك ، وَالَّذِي يظْهر - وَالْحَالة هَذِه - مَا قَالَه الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي (أخيرًا) .

فَائِدَة : ذكر أَحْمد لعبد الله بن عكيم حَدِيثا آخر ، وَهُوَ : من (تعلق) شَيْئا وُكِلَ إِلَيْهِ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
يُخرِّج هذا المحتوى7 أحاديث
موقع حَـدِيث