الحَدِيث الْخَامِس أَلَيْسَ فِي الشَّبِّ والقرظ وَالْمَاء مَا يُطَهِّره
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَيْسَ فِي (الشَّبِّ) ، والقرظ ، وَالْمَاء مَا يُطَهِّره ؟ . هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِذكر الشَّبِّ فِيهِ ، لَا أعلم من خَرَّجه بِهِ ، وَلَعَلَّ الإِمام الرَّافِعِيّ قَلَّد فِيهِ الإِمام ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي نهايته : إِنَّه جَاءَ فِي رِوَايَة : أَلَيْسَ فِي الشَّبِّ والقرظ مَا يطهره ؟ ؛ وَالْمَاوَرْدِيّ فإنَّه قَالَ فِي حاويه : جَاءَ فِي الحَدِيث النَّص عَلَى الشث (والقرظ) . وَالْمَاوَرْدِيّ والإِمام (قلَّدا) الْأَصْحَاب (فِي ذَلِك) ، فقد قَالَ الشَّيْخ (أَبُو حَامِد ) فِي تَعْلِيقه : رُوي أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَيْسَ فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها ؟ .
قَالَ : وَهَذَا الَّذِي أعرفهُ مرويًّا . قَالَ : وأصحابنا يَرْوُونَهُ (الشب والقرظ) ، وَلَيْسَ بِشَيْء . فَهَذَا شيخ الْأَصْحَاب ، قد نَصَّ عَلَى (أَن) هَذِه الرِّوَايَة لَيست بِشَيْء .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة : هُوَ بِهَذَا اللَّفْظ بَاطِل ، لَا أصل لَهُ . وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : لَيْسَ للشَّبِّ ذِكْر فِي هَذَا الحَدِيث ، وإنَّما هُوَ من كَلَام الشَّافِعِي ، فإنَّه قَالَ : والدباغ بِمَا كَانَت الْعَرَب تدبغ بِهِ ، وَهُوَ الشب والقرظ . وَاخْتلف فِي الشب فِي كَلَام الشَّافِعِي ، هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة ، (أم بالثاء الْمُثَلَّثَة ، فَقَالَ الْأَزْهَرِي : هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة) ، وَهُوَ من الْجَوَاهِر الَّتِي جعلهَا الله فِي الأَرْض ، يُدْبَغ بِهِ يشبه الزاج .
قَالَ : وَالسَّمَاع فِيهِ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَقد صَحَّفَه بَعضهم ، فَقَالَ بِالْمُثَلثَةِ ، (وَهُوَ شجر مُرّ الطّعْم ، لَا أَدْرِي أَيُدبغ بِهِ أَمْ لَا ؟ . وَفِي الصِّحَاح : الشث - بِالْمُثَلثَةِ) - : نبت طيب الرَّائِحَة ، (مر) الطّعْم ، يدبغ بِهِ . ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة ، فِي أول بَاب الشين مَعَ (الثَّاء) : (أَنه مَرَّ بِشَاة [ ميتَة ] ، فَقَالَ [ عَن جلدهَا ] : أَلَيْسَ فِي الشث والقرظ مَا يطهره ؟) .
فَإِذا عرفت ذَلِك ، فَاعْلَم : أَن الْمَعْرُوف من متن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي كتب الحَدِيث أَلَيْسَ فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها ؟ ، كَمَا أوردهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد ، كَذَلِك ورد من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُما قَالَ : مَرَّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاة ميتَة ، فَقَالَ : هلا انتفعتهم بإهابها ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله إِنَّهَا ميتَة ! قَالَ : إنَّما حَرُم أكلهَا ، أَوَلَيْس فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها ؟ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أوليس فِي الدّباغ وَالْمَاء مَا يطهرها ؟ . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا فِي سنَنه .
وإسنادهما حسن . قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث حسن ، وَرِجَاله ثِقَات ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، ثمَّ ذكر بعده أَحَادِيث من مَعْنَاهُ ، وَقَالَ : هَذِه أَسَانِيد صِحَاح ، قَالَ : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فإنَّه رَوَاهُ عَن الإِمام أبي بكر النَّيْسَابُورِي - وشهرته تغني عَن ذكره - عَن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ - وَقد كتب عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ، وَكَانَ ثِقَة (صَدُوقًا) - عَن عَمْرو بن الرّبيع - وَهُوَ ابْن طَارق ، كتب عَنهُ أَبُو حَاتِم (الرَّازِيّ) وَالِد عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم وسُئِل عَنهُ ، فَقَالَ : صَدُوق عَن يَحْيَى بن أَيُّوب - وَهُوَ : (أَبُو) الْعَبَّاس الْمصْرِيّ ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مستشهدًا بِهِ ، وَمُسلم محتجًا (بِهِ) - عَن عقيل - وَهُوَ : ابْن خَالِد الْأَيْلِي - عَن الزُّهْرِيّ - وَهُوَ : مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ - عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة - وكل مِنْهُم ثِقَة ثَبت ، مخرج (حَدِيثه) فِي الصَّحِيحَيْنِ - عَن (عبد الله) بن عَبَّاس . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن الْعَالِيَة بنت سُبيع ، عَن مَيْمُونَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، حدثتها : أَنه مَرَّ برَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (رجالٌ) يَجُرُّون شَاة لَهُم مثل الْحمار ، فَقَالَ (لَهُم) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَو أَخَذْتُم إهابها ؟ فَقَالُوا : إنَّها ميتَة ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (فَإِنَّهَا) يُطَهِّرُها المَاء والقرظ .
رَوَاهُ : أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَكَذَا ابْن السكن فِي صحاحه ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن . وَاعْلَم : أَن الْوَاقِع فِي (رِوَايَة) هذَيْن الْحَدِيثين : يطهرها بهاء التَّأْنِيث ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق - وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ عَلَى ذَلِك - : يطهره وَهُوَ تَحْرِيف لَفْظِي ، وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا . وَأما الحَدِيث الْوَارِد عَن عَائِشَة (مَرْفُوعا) : اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا هِيَ دُبغت ، بِتُرَاب ، أَو ملح ، أَو رماد ، أَو مَا كَانَ بعد أَن يرد صَلَاحه : فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَغَيره ، ضَعَّفه ابْن عدي ، وَآخَرُونَ ، وإنْ ذكره ابْن السكن فِي صحاحه .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُتنبه لَهُ : أَن الْقرظ يكْتب بالظاء ، لَا بالضاد ، (وَهُوَ) وَإِن كَانَ وَاضحا ، فَلَا يضر التَّنْبِيه عَلَيْهِ ، فقد صُحِّف . والقرظ : ورق شجر السَّلَم - بِفَتْح السِّين وَاللَّام - وَمِنْه : أَدِيم مقروظ : أَي مدبوغ (بالقرظ) ، والقرظ : نبت بنواحي تهَامَة .