الحَدِيث التَّاسِع الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة
الحَدِيث التَّاسِع أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، إنَّما يُجَرْجِرُ فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، (مرويّ) من طرق : أَحدهَا : عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي آنِية الْفضة ، إنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالْبُخَارِيّ ، وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا .
قَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ : وَإِسْنَاده مجمع عَلَى صِحَّته . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : إنَّ الَّذِي يأكلُ ، (أَو) يشربُ فِي آنِية الْفضة ، وَالذَّهَب . وَفِي رِوَايَة لَهُ : من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة ، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم .
وَفِي رِوَايَة للطبراني : إلاَّ أَن يَتُوب . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن (أبي) وَائِل ، قَالَ : غزوتُ مَعَ عمر الشَّام ، فَنزل منزلا ، فجَاء دُِهْقَانٌ يسْتَدلّ عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ حتَّى أَتَاهُ ، فَلَمَّا رَأَى الدهْقَان عمر سَجَد ، فَقَالَ عمر : مَا هَذَا السُّجُود ؟ فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعل بالملوك . فَقَالَ عمر : اسجد لِرَبِّك الَّذِي خلقك .
فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِنِّي قد صنعت لَك طَعَاما فأتني . (قَالَ) : فَقَالَ عمر : هَل فِي بَيْتك من تصاوير الْعَجم ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : لَا حَاجَة لي فِي بَيْتك ، وَلَكِن انْطلق ، فَابْعَثْ لنا بلون (من الطَّعَام) ، وَلَا (تزدنا) عَلَيْهِ .
قَالَ : فَانْطَلق ، فَبعث إِلَيْهِ بِطَعَام ، فَأكل مِنْهُ ، ثمَّ قَالَ عمر لغلامه : هَل فِي إداوتك شَيْء من ذَلِك النَّبِيذ ؟ قَالَ : نعم . فَأَتَاهُ [ فَصَبَّهُ فِي إِنَاء ، ثمَّ شَمَّه ، فَوَجَدَهُ مُنكر الرّيح ، فصب عَلَيْهِ مَاء ، ثمَّ شمه ، فَوَجَدَهُ مُنكر الرّيح ] ، فصب عَلَيْهِ المَاء ثَلَاث مَرَّات ، ثمَّ شربه ، ثمَّ قَالَ : إِذا رَابَكُم من شرابكم (شَيْء) فافعلوا بِهِ هَكَذَا . ثمَّ قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا تلبسوا الديباج وَالْحَرِير ، وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، (فإنَّها) لَهُم فِي الدُّنْيَا ، وَلكم فِي الْآخِرَة .
رَوَاهُ الْحَاكِم ، أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك فِي تَرْجَمَة عمر بن الْخطاب ، عَن أبي بكر ، عَن ابْن الْمثنى ، عَن مُسَدّد ، عَن أبي الْأَحْوَص ، عَن مُسلم الْأَعْوَر ، عَن أبي وَائِل ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد ، وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله - وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ ، حَيْثُ رُوِيَ عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن (أبي) وَائِل ، وَعَن مُسلم الْأَعْوَر ، عَن أبي وَائِل ، وَعَن مُسلم الْأَعْوَر ، عَن رجل من قومه ، عَن عمر ، قَالَ : وَمُسلم ضَعِيف - : هَذَا الحَدِيث يرويهِ الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل ، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا ، وَهُوَ أولَى بِالصَّوَابِ . وَهَذَا الحَدِيث هُوَ بِنَحْوِ من لفظ الرَّافِعِيّ ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، لَكِن من طَرِيق حُذَيْفَة ، فَقَالَ : بَاب الْأكل فِي إِنَاء مفضض .
نَا أَبُو نعيم ، حَدَّثَنَا سيف بن (أبي) سُلَيْمَان ، سَمِعت مُجَاهدًا يَقُول : حَدَّثَنَي عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى : أَنهم كَانُوا عِنْد حُذَيْفَة ، فَاسْتَسْقَى ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيّ ، فلمَّا وضع الْقدح فِي يَده ، (رَمَاه) بِهِ ، وَقَالَ : (لَوْلَا) أَنِّي (نهيته) غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ - كَأَنَّهُ يَقُول : لم أفعل هَذَا - وَلَكِنِّي سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا تلبسوا الْحَرِير ، و (لَا) الديباج ، وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، (وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها) ، فإنَّها لَهُم فِي الدُّنْيَا ، (وَلكم) فِي الْآخِرَة . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن شُعْبَة ، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم ، عَن نَافِع ، عَن امْرَأَة ابْن عمر ، عَن عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي إِنَاء الْفضة - أَو إِنَاء من فضَّة - إِنَّمَا (يجرجر فِي) بَطْنه نَارا . رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ خصيف ، وَهِشَام بن (الغازِ) - وَهُوَ بالغين وَالزَّاي المعجمتين - عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : من شرب فِي آنِية الْفضة ، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم .
قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي خطأ لَا شكّ فِيهِ ، لم يَرْوِ (ابْن) عمر هَذَا الحَدِيث قطّ ، وَلَا رَوَاهُ نَافِع عَن ابْن عمر ، وَلَو رَوَاهُ عَن ابْن عمر ، مَا احْتَاجَ أَن يُحَدِّث بِهِ عَن [ ثَلَاثَة ] ، وَأما إِسْنَاد شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث ، فَيحْتَمل أَن يكون إِسْنَادًا (آخر) ، وَيحْتَمل أَن يكون خطأ ، وَهُوَ الْأَغْلَب . هَذَا آخر كَلَامه . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر من طَرِيق آخر ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، من حَدِيث : برد بن سِنَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، مَرْفُوعا : من شرب فِي إِنَاء من ذهب ، أَو إِنَاء من فضَّة ، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِه (عَن) برد إلاَّ ابْنه الْعَلَاء . وَطَرِيق (آخر) سَيَأْتِي فِي آخر هَذَا الْبَاب بِزِيَادَة فِيهِ . لَكِن وَافق الْحَافِظ أَبَا عمر بن عبد الْبر عَلَى كَون رِوَايَة ابْن عمر خطأ : أَبُو حَاتِم ، وَأَبُو زرْعَة .
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : قَالَ أَبُو زرْعَة : حَدِيث ابْن عمر هَذَا (خطأ) ، إنَّما هُوَ عَن أم سَلمَة مَرْفُوعا . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة (عَنهُ) ، فَقَالَا مثل ذَلِك ، قَالَا : وَالوهم فِيهِ من حَمَّاد . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ شُعْبَة عَن امْرَأَة ابْن عمر ، وَقَالَ (الثَّوْريّ) : عَن صَفِيَّة - وَهِي امْرَأَة ابْن عمر - مَرْفُوعا ، و (خالفهما) مسعر ، فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ، من حَدِيث نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا ، (وَوهم) فِي قَوْله : ابْن عمر .
وَإِنَّمَا هُوَ عَن امْرَأَة ابْن عمر . قَالَ : وَرُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى عَائِشَة أَيْضا ، من حَدِيث نَافِع عَنْهَا . (قَالَ : وَرُوِيَ) عَن نَافِع ، عَن صَفِيَّة ، عَن عَائِشَة ، وَرُوِيَ عَن سَالم ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا وَالصَّحِيح مَا قَالَ شُعْبَة ، وَالثَّوْري .
(قَالَ) : وَرُوِيَ عَن نَافِع ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ، عَن عَائِشَة - أَو أم سَلمَة ، أَو أم حَبِيبَة - وَهُوَ وهم . وَرَوَاهُ الثَّوْريّ عَن [ عبيد ] الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَوهم فِيهِ . وَالصَّحِيح عَن [ عبيد ] الله بن عمر عَن زيد بن عبد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ، عَن أم سَلمَة .
وَقَالَ جرير بن حَازِم : عَن نَافِع (قَالَ) : قَالَت أم سَلمَة . وَقَالَ عبد الْعَزِيز بن أبي رواد : عَن نَافِع ، عَن أبي هُرَيْرَة ، (وَوهم) فِي ذكر أبي هُرَيْرَة . هَذَا ملخص مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله ، وَفِيه رد عَلَى قَول أبي عمر بن عبد الْبر : إِنَّه يحْتَمل أَن يكون إِسْنَاد شُعْبَة خطأ ، وَأَنه الْأَغْلَب .
فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه الصَّحِيح . الطَّرِيق الرَّابِع : (عَن عِكْرِمَة) ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُ ، أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : إِن الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . رَوَاهُ الحافظان : الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابيه : من وَافَقت كنيته اسْم أَبِيه ، و تَلْخِيص الْمُتَشَابه .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوه عَن (النَّضر) بن عَرَبِيّ ، إلاَّ سَلِيم بن مُسلم الخَشَّاب ، تَفَرَّد بِهِ مُحَمَّد بن بَحر (الهُجَيْمِي) الْبَصْرِيّ . الطَّرِيق الْخَامِس : عَن أبي بردة ، قَالَ : انْطَلَقت أَنا وَأبي (إِلَى) عَلّي بن أبي طَالب - كَرَّم الله وَجهه - فَقَالَ لنا : إنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَن آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة (أَن يُشْرَبَ (فِيهَا)) ، أَو أَن يُؤْكَل فِيهَا ، وَنَهَى عَن القسي والمِيثرة ، وَعَن ثِيَاب الْحَرِير ، وَخَاتم الذَّهَب . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَاد جيد .
الطَّرِيق السَّادِس : عَن أنس بن سِيرِين ، عَن أنس بن مَالك ، قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن الْأكل وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، من جِهَة قطن بن نُسَيْر - بِضَم النُّون ، ثمَّ سين مُهْملَة مَفْتُوحَة - عَن حَفْص بن عبد الله ، عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن الْحجَّاج (بن الْحجَّاج) عَن أنس بِهِ . وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة صَحِيحَة بالِاتِّفَاقِ ، كَانَت (جديرة) بالتقدم ، وَهِي : مَا رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب رَضِي اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَمَرَنا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسبع ، ونهانا عَن (سبع) : أمرنَا بعيادة الْمَرِيض ، وَاتِّبَاع الْجِنَازَة ، وتشميت الْعَاطِس ، وَإجَابَة الدَّاعِي ، وإفشاء السَّلَام ، ونصرة الْمَظْلُوم ، وإبرار الْقسم .
ونهانا : عَن خَوَاتِيم الذَّهَب ، وَعَن الشّرْب فِي الْفضة - أَو قَالَ : آنِية الْفضة - وَعَن المياثر ، والقسي ، وَعَن لبس الْحَرِير والديباج ، والإِستبرق . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : وإنشاد الضَّالة بدل : وإبرار الْقسم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : وَعَن الشّرْب فِي الْفضة ، فإنَّه من شرب فِيهَا فِي الدُّنْيَا لم (يشرب فِيهَا) فِي الْآخِرَة .
وَفِي رِوَايَة لَهما : رد السَّلَام بدل : وإفشاء السَّلَام . وَحين فَرغْنَا من إِيرَاد طرق هَذَا الحَدِيث ، فلنذكر مَا يتَعَلَّق بهَا : من الْغَرِيب ، وتوضيح الْمُشكل ، فَنَقُول : الْآنِية : جمع إِنَاء ، والعامة (يرَوْنَ) أَنَّهَا وَاحِدَة ، وَهُوَ خطأ ، كَمَا يُقَال : إِزَار وآزرة ، وحمار وأحمرة ويوضحه قَوْله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - فِي صفة الْحَوْض : آنيته مثل نُجُوم السَّمَاء . قَالَ ذَلِك عبد الْحق .
وَقَوله (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ) : يجرجر فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم . فِي نَار رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهمَا : نصب الرَّاء ، حَكَاهُ الْخطابِيّ عَن بعض أهل الْعلم باللغة . قَالَ ابْن بري : و (هَذَا) هُوَ الْمَشْهُور .
كَذَا قَالَه النَّوَوِيّ وَزَاد : وَأَن بِهِ جزم الْمُحَقِّقُونَ ، وَاخْتَارَهُ الزجَّاج ، والخطابي ، وَالْأَكْثَرُونَ ، وَلم يذكر الْأَزْهَرِي ، وَآخَرُونَ غَيره ، وَهُوَ الصَّحِيح . الرِّوَايَة الثَّانِيَة : رَفعهَا . قَالَ ابْن السَّيِّد فِي الاقتضاب : من رفع الرَّاء فعلَى خبر إِن ، وَيجْعَل مَا بِمَعْنى الَّذِي ، كَأَنَّهُ قَالَ : الَّذِي يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم وَمن نصب النَّار ، جعل مَا صلَة ل إِن وَهِي الَّتِي تكف إِن عَن الْعَمَل ، وَنصب النَّار ب يجرجر ، وَنَظِيره قَوْله - تَعَالَى - : ( إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر ) ، فقرئ بِرَفْع الكيد ونصبه على الوجهين .
وَيجب إِذا جعلت (مَا) بِمَعْنى الَّذِي أَن تُكتب (مُنْفَصِلَة) من إِن . وَكَذَا قَالَه ابْن بري أَيْضا . وَقَالَ غَيرهمَا : من نصب ، جعل الجرجرة (بِمَعْنى الصبِّ) ، أَي : إِنَّمَا يصب فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم ، وَمن رَفعهَا ، جعلهَا بِمَعْنى الصَّوْت ، أَي : إِنَّمَا يُصَوِّت (فِي) بَطْنه نَار جَهَنَّم .
والجرجرة : الصَّوْت المتردد فِي الْحلق . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : وَقد يَصح النصب عَلَى هَذَا أَيْضا ، إِذا تَعَدَّى الْفِعْل ، قَالَ : وَمِمَّا يرجح النصب ، رِوَايَة مُسلم : نَارا من جَهَنَّم . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب .
قَالَ : ورويناه فِي مُسْند أبي عوَانَة و الجعديات (من) رِوَايَة عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي الْفضة إنَّما يجرجر فِي جَوْفه نَارا ، هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول : (نَارا) (بِالْألف) ، من غير ذكر جَهَنَّم . قَالَ : وَأما مَعْنَاهُ : فعلَى رِوَايَة النصب ، الْفَاعِل هُوَ الشَّارِب مُضْمر فِي يجرجر : أَي يلقيها فِي بَطْنه بجرع متتابع يُسمع (لَهُ صَوت) ، لتردده فِي حلقه ، وَعَلَى رِوَايَة الرّفْع : تكون النَّار فاعلة ، مَعْنَاهُ : أَن النَّار تُصَوِّت فِي جَوْفه ، وسُمِّي المشروب نَارا : لِأَنَّهُ (يؤول إِلَيْهَا) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا ) . وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدَّين (ابْن) الفركاح (فِي) الإقليد : يرْوَى : يجرجر مبنيًّا للْفَاعِل ، ومبنيًّا للْمَفْعُول ، وَعَلَى الأول : يُروى النَّار بِالنّصب ، على أن الْفَاعِل : الشَّارِب ، وبالرفع عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِل .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : اتّفق الْعلمَاء ، من أهل الحَدِيث ، واللغة ، و (الْغَرِيب) ، وَغَيرهم عَلَى كسر الْجِيم الثَّانِيَة من يجرجر ، وَاخْتلفُوا فِي الرَّاء من قَوْله : نَار جَهَنَّم فَذكر مَا تقدم . وجهنم - عافنا الله مِنْهَا ، وَمن كل بلَاء - قَالَ الواحدي : قَالَ يُونُس ، وَأكْثر النَّحْوِيين : هِيَ عجمية لَا تَنْصَرِف للعجمة والتعريف ، وَقَالَ آخَرُونَ : (عَرَبِيَّة) لَا تَنْصَرِف للتأنيث والتعريف . وسُمِّيَت بذلك لبعد قعرها ، يُقَال : بِئْر جهنام ، إِذا كَانَت عميقة القعر .
وَقَالَ بعض اللغويين : مُشْتَقَّة من (الجهومة) ، وَهِي : الغلظ ، سميت بذلك لغلظ أمرهَا فِي الْعَذَاب . و المِيثرة : بِكَسْر الْمِيم ، أَصْلهَا : موثرة ، من الشَّيْء الوثير : أَي اللِّين ، وَلَكِن (لَمَّا) كَانَ قبل الْوَاو الساكنة كسرة ، قُلبت يَاء . قَالَ ابْن سَيّده : هِيَ كهنة المرفقة تتَّخذ للسرج كالصفة وَهِي المياثر (والمواثر) عَلَى (المعاقبة) .
و القَسِّي : بِفَتْح الْقَاف ، و (كسر) السِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة . وَذكر أَبُو عبيد : أَن أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ : القِسي بِكَسْر الْقَاف . وعَدَّه جمَاعَة من تصحيفاتهم .
(وَهِي) ثِيَاب يُؤْتَى بهَا من بلدنا مصر ، فِيهَا حَرِير .