الحَدِيث الأول إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ
بَاب الْوضُوء ذكر فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - من الْأَحَادِيث (وَاحِدًا) وَسِتِّينَ حَدِيثا . الحَدِيث الأول أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى . وَفِي رِوَايَة : وَلكُل امْرِئ مَا نَوى .
هَذَا الحَدِيث أحد أَرْكَان الإِسلام وقواعد الإِيمان . وَهُوَ صَحِيح جليل مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، مجمع عَلَى عظم موقعه وجلالته وثبوته من حَدِيث الإِمام أبي سعيد يَحْيَى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ ، رَوَاهُ عَنهُ حفاظ الإِسلام وأعلام الْأَئِمَّة : إِمَام دَار الْهِجْرَة ، أَبُو عبد الله مَالك بن أنس ، وَشعْبَة بن الْحجَّاج ، والحمادان : حَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة ، والسفيانان : (سُفْيَان) الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وَاللَّيْث بن سعد ، وَيَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَعبد الله بن الْمُبَارك ، وَيزِيد بن هَارُون ، وَأَبُو (عمر) حَفْص بن غياث ، وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، وخلائق لَا يُحصونَ كَثِيرَة . قَالَ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَلّي الخشاب الْحَافِظ : رَوَى هَذَا (الحَدِيث) عَن يَحْيَى بن سعيد نَحْو من مِائَتَيْنِ وَخمسين رجلا .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ : سَمِعت الْحَافِظ أَبَا مَسْعُود عبد الْجَلِيل بن أَحْمد يَقُول فِي المذاكرة : قَالَ الإِمام عبد الله الْأنْصَارِيّ : كتبت هَذَا الحَدِيث عَن سَبْعمِائة نفر من أَصْحَاب يَحْيَى بن سعيد . أخرجه الْأَئِمَّة : أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس فِي مُخْتَصر الْبُوَيْطِيّ ، وَأحمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده ، وَأَبُو عبد الله البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي سَبْعَة مَوَاضِع مِنْهُ ، فَرَوَاهُ فِي أول كِتَابه ، ثمَّ فِي الْإِيمَان ، ثمَّ فِي الْعتْق ، ثمَّ فِي الْهِجْرَة ، ثمَّ فِي النِّكَاح ، ثمَّ فِي النذور ، ثمَّ فِي ترك الْحِيَل . وَرَوَاهُ مُسلم فِي كتاب الْجِهَاد من طرق (عدَّة) .
وَأخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي الطَّلَاق ، وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فِي الْحُدُود ، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان وَالطَّهَارَة وَالرَّقَائِق وَالطَّلَاق ، وَأَبُو عبد الله ابن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي سنَنه فِي الزّهْد ، ثمَّ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنَيْهِمَا) ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَلم يبْق من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا من لم يُخرجهُ سُوَى مَالك فَإِنَّهُ لم يُخرجهُ فِي الْمُوَطَّأ ، نعم رَوَاهُ (خَارِجهَا) كَمَا سَيَأْتِي بَيَان طَرِيقه . وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث مَالك . وَلَفظ روايتهم : عَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات وَإنِّمَا (لكل اِمْرِئٍ) مَا نَوى .
فَمن كَانَت هجرتهُ إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله ، وَمن كَانَت هجرته لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ . وَلَفظ مُسلم : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة وَإنِّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوى ، الحَدِيث . وللبخاري : العَمَلُ بِالنِّيَّةِ .
وَله : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، كَمَا سبق . وَله : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة . وَله : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة ، كَلَفْظِ مُسلم .
وَله : يَا أَيُّهَا النَّاسِ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة . وَأما الَّذِي وَقع فِي أول كتاب الشهَاب للقضاعي : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات ، فَجمع الْأَعْمَال والنيات ، وَحذف إِنَّمَا . فَنقل النَّوَوِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ببستان العارفين وإملائه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يكملهما ، عَن الْحَافِظ أبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ أَنه قَالَ : لَا يَصح إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، وَأقرهُ عَلَيْهِ .
وَفِيمَا قَالَه نظر ، فقد أخرجه كَذَلِك حَافِظَانِ وَحكما بِصِحَّتِهِ . أَحدهمَا : أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أوردهُ فِي صَحِيحه عَن عَلّي بن مُحَمَّد (القبابي) ، ثَنَا عبد الله بن هَاشم الطوسي ، [ حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ] ، ثَنَا يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ، عَن عَلْقَمَة بن وَقاص ، عَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات ، الحَدِيث بِطُولِهِ . الثَّانِي : الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَإِنَّهُ أوردهُ فِي كتاب الْأَرْبَعين فِي شعار أهل الحَدِيث ، عَن أبي بكر بن خُزَيْمَة ، ثَنَا أَبُو مُسلم ، ثَنَا القعْنبِي ، ثَنَا مَالك ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، كَمَا ذكره ابْن حبَان سَوَاء ثمَّ حكم بِصِحَّتِهِ .
وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، بِلَفْظ آخر وَهُوَ : إِنَّ الأَعْمَال بِالنِّيَّة وَإنَّ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهجرَته إِلَى (مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا ، أَوْ اِمْرَأةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلىَ مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ . تَنْبِيهَات مهمة : أَحدهَا : هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير عمر بن الْخطاب من الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَحْو عشْرين صحابيًا ، وَإِن كَانَ الْبَزَّار قَالَ : لَا نعلم يروي هَذَا الْكَلَام إلاَّ عَن عمر بن الْخطاب عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الإِسناد . وَكَذَا ابْن السكن فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ب السّنَن الصِّحَاح ، حَيْثُ قَالَ : وَلم (يروه) عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَاد غير عمر بن الْخطاب .
ذكر الْحَافِظ أَبُو يعْلى الْقزْوِينِي فِي كِتَابه الإِرشاد من رِوَايَة مَالك ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ عَن زيد بن أسلم (بِوَجْه) ، فَهَذَا مِمَّا أَخطَأ فِيهِ الثِّقَة عَن الثِّقَة . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي أَحَادِيث مَالك الَّتِي لَيست فِي الْمُوَطَّأ وَلَفظه : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى ، إِلَى آخِره . ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ (عبد الْمجِيد عَن) مَالك وَلَا نعلم حدَّث بِهِ عَن عبد الْمجِيد غير نوح بن حبيب وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد العتيقي .
وَقَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ فِي جمعه لطرق هَذَا الحَدِيث : رَوَاهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير عمر : سعد بن أبي وَقاص ، وَعلي بن أبي طَالب ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَعبد الله بن مَسْعُود ، وَعبد الله بن عمر ، وَأنس ، وَابْن عَبَّاس ، وَمُعَاوِيَة ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَعبادَة بن الصَّامِت ، وَعتبَة بن عبد السّلمِيّ ، وهلال بن سُوَيْد ، وَعقبَة بن عَامر ، وَجَابِر بن عبد الله ، وَأَبُو ذَر ، وَعتبَة بن النُّدَّر ، وَعقبَة بن مُسلم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . قُلْتُ : وَله شَاهِدَانِ (أَيْضا) صَحِيحَانِ : حَدِيث : وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنَيِةٌ ؛ وَحَدِيث : يُبْعَثُونَ عَلَى نِيِّاتِهِم . الثَّانِي : هَذَا الحَدِيث فَرد غَرِيب باعتبارٍ ، مَشْهُور باعتبارٍ آخر وَلَيْسَ بمتواتر ، بِخِلَاف مَا يَظُنّهُ بعض النَّاس ، فإنَّ مَدَاره عَلَى يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ كَمَا سلف .
قَالَ الْحفاظ : لَا يَصح هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلاَّ من جِهَة عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَلَا عَن عمر إلاَّ من جِهَة عَلْقَمَة ، وَلَا عَن عَلْقَمَة إلاَّ من جِهَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ، وَلَا عَن مُحَمَّد إِلَّا من جِهَة يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، وَعَن يَحْيَى اشْتهر ، فَرَوَاهُ جماعات لَا يُحصونَ فَوق الْمِائَتَيْنِ كَمَا أسلفته ، وَأَكْثَرهم أَئِمَّة معروفون . نَبَّه عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَنَّهُ قد يخْفَى عَلَى بعض من لَا يعاني الحَدِيث ، فيتوهم أَنه متواتر لشدَّة شهرته وَعدم مَعْرفَته بفقد شَرط التَّوَاتُر (فِي أَوله) . قُلْتُ : وَقد توبع عَلْقَمَة والتيمي وَيَحْيَى بن سعيد عَلَى روايتهم .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن عمر غير عَلْقَمَة : ابْنه عبد الله ، وَجَابِر ، وَأَبُو جُحَيْفَة ، وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة ، وَذُو الكلاع ، وَعَطَاء بن يسَار ، و (نَاشِرَة بن سمي) ، وواصل بن (عَمْرو) الجذامي ، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر . وَرَوَاهُ عَن عَلْقَمَة غير التَّيْمِيّ : سعيد بن الْمسيب ، وَنَافِع مولَى ابْن عمر . وتابع يَحْيَى بن سعيد عَلَى رِوَايَته (عَن التَّيْمِيّ) مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة أَبُو الْحسن اللَّيْثِيّ ، وَدَاوُد ابن أبي الْفُرَات ، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن يسَار ، وحجاج بن أَرْطَاة وَغَيرهم .
الثَّالِث : هَذَا الحَدِيث اسْتحبَّ الْعلمَاء أَن تستفتح بِهِ المصنفات وَمِمَّنْ ابْتَدَأَ بِهِ : إِمَام الحَدِيث بِلَا مدافعة أَبُو عبد الله البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَنقل جماعات من السّلف (أَنهم) كَانُوا يستحبون افْتِتَاح الْكتب بِهَذَا الحَدِيث تَنْبِيها للطَّالِب عَلَى تَصْحِيح النِّيَّة . وَقَالَ الإِمام أَبُو سعيد عبد الرَّحْمَن بن مهْدي : من أَرَادَ أَن يصنف كتابا فليبدأ بِهَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : لَو صنفت كتابا لبدأت فِي كل بَاب مِنْهُ بِهَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْخطابِيّ : كَانَ المتقدمون من شُيُوخنَا يستحبون تَقْدِيم هَذَا الحَدِيث أَمَام كل شَيْء (يُنشأ ويُبتدأ) من أُمُور الدَّين لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهِ فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا .
الرَّابِع : هَذَا الحَدِيث أحد الْأَحَادِيث الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الإِسلام ، وَقد اخْتلف فِي عَدِّها . فَقيل ثَلَاثَة : هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يعْنِيهِ ، وَحَدِيث الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ . قَالَ الْحَافِظ حَمْزَة بن مُحَمَّد الْكِنَانِي : سَمِعت أهل الْعلم يَقُولُونَ : هَذِه الثَّلَاثَة أَحَادِيث هِيَ الإِسلام .
وكل حَدِيث مِنْهَا ثلث الإِسلام ، وَقيل أَرْبَعَة قَالَه أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا ، بِزِيَادَة (حَدِيث) : ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبكَ اللهُ . وَقيل اثْنَان ، وَقيل وَاحِد . وَقَالَ أَبُو بكر الْخفاف من قدماء أَصْحَابنَا : رُوِيَ عَن الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : مدَار الإِسلام عَلَى أَرْبَعمِائَة حَدِيث .
ثمَّ نقل عَن ابْن الْمَدِينِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي أَن مَدَاره عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، و لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَث ، و بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ، و البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ . ثمَّ نقل عَن إِسْحَاق أَنه قَالَ : مَدَاره عَلَى ثَلَاثَة : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات ، وَحَدِيث عَائِشَة : مَنْ أَدْخَلَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهْوَ رَدٌّ ، وَحَدِيث النُّعْمَان : الحَلاَل بَيِّنٌ . نقلت ذَلِكَ كُله من كتاب : الْأَقْسَام والخصال ، وَلم أرَ لغيره تعرضًا لذَلِك ، فاستفده .
قَالَ الشَّافِعِي : يدْخل هَذَا الحَدِيث - (أَعنِي حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بالنيَّات ) - فِي سبعين بَابا من الْفِقْه . وَقَالَ أَيْضا : هُوَ ثلث الْعلم . وَكَذَا قَالَه الإِمام أَحْمد وَغَيره .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : سَببه أَن كسب العَبْد بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه ، فالنية أحد أقسامها الثَّلَاثَة وأرجحها لِأَنَّهَا تكون عبَادَة بانفرادها بِخِلَاف الْقسمَيْنِ الْأَخيرينِ . وَلِهَذَا كَانَ نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله ، وَلِأَن القَوْل وَالْعَمَل يدخلهما الْفساد بالرياء ، بِخِلَاف النِّيَّة . وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي : يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي ثَلَاثِينَ بَابا من (الإِرادات والنيات) .
وَقَالَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ : أُمَّهَات الحَدِيث أَرْبَعَة ، هَذَا أَحدهَا . وَقَالَ أَبُو عبيد : لَيْسَ من أَخْبَار النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيث أجمع وَأكْثر فَائِدَة وأبلغ من هَذَا الحَدِيث . الْخَامِس : لَفْظَة إِنَّمَا مَوْضُوعَة للحصر تثبت الْمَذْكُور وتنفي مَا سواهُ ، هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من أهل اللُّغَة وَالْأُصُول وَغَيرهم .
قَالَ الْعلمَاء : وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ أَنه لَا يكون الْعَمَل (شَرْعِيًّا) يتَعَلَّق بِهِ عِقَاب ، وَلَا ثَوَاب إلاَّ بِالنِّيَّةِ . قَالَ الْخطابِيّ : وَأفَاد قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى ، فَائِدَة لم تحصل بقوله : إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (وَهِي) : أَن تعْيين الْعِبَادَة المنوية شرطٌ لصحتها . وَقَالَ غَيره : مَعْنَى الحَدِيث : لَا يَصح عمل من غير نِيَّة ، فَإِن صورته تُوجد من غير نِيَّة .
فنفى الحكم وأكده بقوله : وَإنِّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوى . السَّادِس : أصل الْهِجْرَة التّرْك . وَالْمرَاد بهَا ترك الوطن والانتقال إِلَى غَيره .
وَهَذَا الحَدِيث ورد عَلَى سَبَب . وَهُوَ أَن امْرَأَة كَانَت بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهَا أم قيس . وَيُقَال أَن اسْمهَا قيلة ، فَهَاجَرَ بَعضهم إِلَى الْمَدِينَة بنية (التَّزَوُّج) بهَا ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ذَلِكَ) ، فَسُمي مهَاجر أم قيس .
السَّابِع : قَوْله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - : إِلَى دُنْيَا هُوَ مَقْصُور غير منون عَلَى الْمَشْهُور ، وَيجوز فِي لُغَة غَرِيبَة تنوينها . (وَفِي) حَقِيقَة الدُّنْيَا قَولَانِ لِأَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمين : أَحدهمَا : مَا عَلَى الأَرْض مَعَ الْهَوَاء والجو . وَالثَّانِي : كل الْمَخْلُوقَات من الْجَوَاهِر والأعراض الْمَوْجُودَة قبل الدَّار الْآخِرَة .
وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر . هَاهُنَا سُؤال مَشْهُور ، وَهُوَ : كَيفَ ذكرت الْمَرْأَة مَعَ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا دَاخِلَة (فِيهَا) ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه : أَحدهَا : أَنه لَا يلْزم دُخُولهَا فِي هَذِه الصِّيغَة ؛ لِأَن لَفْظَة دنيا نكرَة وَهِي لَا تعم فِي الْإِثْبَات ، فَلَا يلْزم دُخُول الْمَرْأَة فِيهَا . الثَّانِي : أَن هَذَا الحَدِيث قد ورد عَلَى سَبَب كَمَا مر فَذكرت الْمَرْأَة لأجل تَبْيِين السَّبَب .
الثَّالِث : أَنه للتّنْبِيه عَلَى زِيَادَة التحذير من الْمَرْأَة ، وَقد جَاءَ ذكر الْخَاص بعد الْعَام تَنْبِيها عَلَى مزيته فِي عدَّة آيَات من الْقُرْآن . مِنْهَا قَوْله - تَعَالَى - : ( حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى ) . وَمِنْهَا قَوْله - تَعَالَى - : ( وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح ) الْآيَة .
وَمِنْهَا قَوْله - تَعَالَى - : ( من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله ) . وَلَيْسَ من هَذَا قَوْله - تَعَالَى - : ( ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان ﴾) وَإِن كَانَ بعض النَّاس يغلط فيعده مِنْهُ ، لِأَنَّهُ نكرَة فِي سِيَاق الإِثبات ، فَلَا عُمُوم فِيهَا ، فَلَا يلْزم أَن يكون النّخل وَالرُّمَّان (داخلين) فِي الْفَاكِهَة . لَكِن قد يُقَال إِنَّهَا ذكرت فِي معرض الْمِنَّة (فَيعم) .
وَقد جَاءَ أَيْضا فِي الْقُرْآن عكس هَذَا ، وَهُوَ ذكر الْعَام بعد الْخَاص . كَقَوْلِه تَعَالَى إِخْبَارًا عَن إِبْرَاهِيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - : ( رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ ) . وَقَوله - تَعَالَى - إِخْبَارًا عَن نوح : ( رب اغْفِر لي ولوالدي وَلمن دخل بَيْتِي مُؤمنا وَلِلْمُؤْمنِينَ ) .
فَهَذِهِ أحرف مختصرة من الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث وَقد نبهنا بِمَا ذكرنَا عَلَى مَا أهملنا ، وَلَوْلَا خوف الإِطالة وَخُرُوج الْكتاب عَن مَوْضُوعه لذكرنا هُنَا نفائس ، وَهَذَا الْقدر فِي هَذَا (التصنيف) كافٍ - إِن شَاءَ الله - وَقد أوضحته أحسن إِيضَاح فِي كتابي الْمُسَمَّى ب الإِعلام (بفوائد) عُمْدَة الْأَحْكَام ، (وَهُوَ كتاب جليل أعَان الله عَلَى إكماله وَقد فعل) ، وَكَذَا فِي شرح البُخَارِيّ أعَان الله عَلَى إكماله وَقد فعل .