الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ رَأَيْت النَّبِي يفصل بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ وَهُوَ يجمع سِتَّة أَحَادِيث ، وَكَلَام الإِمام الرَّافِعِيّ فِيهِ مُرْتَبِط بعضه بِبَعْض ، وَفِيه تكْرَار فِي الْأَحَادِيث ، فَالْوَجْه أَن نذْكر عبارَة الرَّافِعِيّ برمتها ثمَّ نشفعها بِمَا وَقع فِيهَا من الْأَحَادِيث فَنَقُول : قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ : أصل اسْتِحْبَاب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق يتَأَدَّى بإيصال المَاء إِلَى الْفَم وَالْأنف ، سَوَاء كَانَ بغرفة وَاحِدَة أَو بِأَكْثَرَ ، لَكِن اخْتلفُوا فِي الْكَيْفِيَّة الَّتِي هِيَ أفضل عَلَى طَرِيقين : أصَحهمَا : أَن فِيهِ قَوْلَيْنِ : أصَحهمَا : أَن الْفَصْل بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق أفضل ؛ لما رُوِيَ عَن طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يفصل بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَيُقَال : إِن عُثْمَان وعليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - كَذَلِك روياه ، ولأنَّه أقرب إِلَى النَّظافة . وَالثَّانِي : الْجمع بَينهمَا أفضل ؛ لما رُوِيَ عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فِي وصف وضوء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أنَّه تمضمض مَعَ الِاسْتِنْشَاق بِمَاء وَاحِد . وَنقل مثله عَن وصف عبد الله بن زيد ، وَالرِّوَايَة عَنهُ وَعَن عَلّي وَعُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فِي الْبَاب مُخْتَلفَة .
وَالطَّرِيق الثَّانِي : أَن الْفَصْل أفضل بِلَا خلاف ، وَحَيْثُ ذكر الْجمع أَرَادَ بَيَان الْجَوَاز ، فَإِن قُلْنَا بِالْفَصْلِ فَفِي كيفيته وَجْهَان : أصَحهمَا : أنَّه يَأْخُذ غرفَة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ، وغرفة أُخْرَى يستنشق مِنْهَا ثَلَاثًا ؛ لأنَّ عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَذَلِك رَوَاهُ . وَالثَّانِي : أنَّه يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة وَثَلَاثًا للاستنشاق ؛ لأنَّه أقرب إِلَى النَّظافة وأيسر ، وَعَلَى هَذَا القَوْل تقدم الْمَضْمَضَة عَلَى الِاسْتِنْشَاق ، وَهَذَا التَّقْدِيم مُسْتَحقّ فِي أظهر الْوَجْهَيْنِ ؛ لأنَّهما عضوان فيتعيَّن التَّرْتِيب بَينهمَا كَسَائِر الْأَعْضَاء . وَالثَّانِي : أنَّه مُسْتَحبّ ؛ لأنَّهما لتقاربهما بِمَنْزِلَة الْعُضْو الْوَاحِد كاليمين مَعَ الْيَسَار .
وَإِن قُلْنَا بِالْجمعِ فَفِي كيفيته وَجْهَان أَيْضا : أظهرهمَا : أنَّه يَأْخُذ غرفَة يتمضمض مِنْهَا ، ثمَّ يستنشق ، ثمَّ يَأْخُذ غرفَة أُخْرَى يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق ، ثمَّ يَأْخُذ غرفَة ثَالِثَة يفعل بهَا مثل ذَلِكَ ، كَذَلِك رُوِيَ عَن وصف عبد الله بن زيد . وَالثَّانِي : أنَّه يَأْخُذ غرفَة وَاحِدَة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ، ويستنشق ثَلَاثًا ، رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَيْضا . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ برمّته ، وَقد اشْتَمَل عَلَى سِتَّة أَحَادِيث كَمَا أسلفناها .
أَحدهَا : حَدِيث طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جده . وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن شَيْخه حميد بن مسْعدَة ، نَا مُعْتَمر ، قَالَ : سَمِعت ليثًا يذكر عَن طَلْحَة عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : دخلت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ يتوضَّأ وَالْمَاء يسيل من وَجهه ولحيته عَلَى صَدره ، فرأيته يفصل بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق . وهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لأنَّ لَيْث بن أبي سليم ضَعِيف عِنْد الْجُمْهُور ، وَقَالَ الإِمام أَحْمد : هُوَ مُضْطَرب الحَدِيث ، وَلَكِن قد حدث عَنهُ النَّاس .
وَضَعفه أَيْضا ابْن عُيَيْنَة وَالنَّسَائِيّ . وَقَالَ السَّعْدِيّ : يضعف حَدِيثه . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان : لَا يشْتَغل بِهِ هُوَ مُضْطَرب الحَدِيث .
وَقَالَ ابْن حبَان : اخْتَلَط فِي آخر عمره ، وَكَانَ يقلب الْأَسَانِيد وَيرْفَع الْمَرَاسِيل ، وَيَأْتِي عَن الثِّقَات بِمَا لَيْسَ من حَدِيثهمْ ، تَركه يَحْيَى الْقطَّان وَيَحْيَى بن معِين وَابْن مهْدي وَأحمد . وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا . وَقَالَ صَاحب الْكَمَال : أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ .
وَفِي معرفَة الرِّجَال للبلخي قَالَ صَدَقَة بن الْفضل : هُوَ أَضْعَف الْعَالمين . وسُئل وَكِيع عَنهُ ، فَقَالَ : لَيْث لَيْث . وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : صَدُوق ضَعِيف الحَدِيث .
وَفِي الموضوعات لِابْنِ الْجَوْزِيّ : هُوَ عِنْدهم فِي غَايَة الضعْف . وَنقل النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي التَّهْذِيب وَكَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد اتِّفَاق الْعلمَاء عَلَى ضعفه واضطراب حَدِيثه واختلال ضَبطه . قُلْتُ : قد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَقه : كَانَ صَاحب سنة يخرج حَدِيثه إنَّما أَنْكَرُوا عَلَيْهِ الْجمع بَين عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد حسب .
وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز الحَدِيث وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الضُّعَفَاء : هُوَ حسن الحَدِيث وإنَّما ضعفه الِاخْتِلَاط بِأخرَة . وَقَالَ الْبَزَّار : هُوَ أحد الْعباد إلاَّ أنَّه كَانَ قد أَصَابَهُ اخْتِلَاط فاضطرب فِي حَدِيثه ، وإنَّما تكلم فِيهِ أهل الْعلم بِهَذَا ، وَإِلَّا فَلَا نعلم أحدا ترك حَدِيثه . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله الْكَبِير : قَالَ مُحَمَّد - يَعْنِي : البُخَارِيّ - : هُوَ عِنْدِي صَدُوق ذكره بعد نَقله أنَّ أَحْمد قَالَ فِيهِ : لَا يفرح بحَديثه .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : هُوَ أعلم أهل الْمَدِينَة بالمناسك . قَالَ : وَسَأَلت يَحْيَى عَنهُ فَقَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ السَّاجِي : صَدُوق فِيهِ ضعف ، كَانَ سيئ الْحِفْظ ، كثير الْغَلَط .
وَقَالَ ابْن شاهين : قَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة : هُوَ ثِقَة صَدُوق ، وَلَيْسَ بحجَّة . وَقد ضعفه بَعضهم من وَجه آخر وَهُوَ أَن جدّ طَلْحَة لم ير النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وليعلم أَن هَذَا الْأَمر قد اخْتلف فِيهِ . فَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث آخر لليث بن أبي سليم عَن طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جده فِي الْوضُوء ، قَالَ مُسَدّد : فَحدثت بِهِ يَحْيَى - يَعْنِي : الْقطَّان - فَأنكرهُ .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَسمعت أَحْمد يَقُول : ابْن عُيَيْنَة زَعَمُوا كَانَ يُنكره ، وَيَقُول : أيش هَذَا طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جدِّه ؟ . وَقَالَ عَبَّاس الدوري - فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْأَصَم عَنهُ - : قُلْتُ ليحيى بن معِين : طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جده رَأَى جده النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقَالَ يَحْيَى : المحدثون يَقُولُونَ هَذَا وَأهل بَيت طَلْحَة يَقُولُونَ : لَيست لَهُ صُحْبَة . وَهَذَا يُخَالِفهُ مَا ذكره الْخلال ، عَن أبي دَاوُد : سَمِعت رجلا من ولد طَلْحَة بن مصرف يذكر أنَّ جده لَهُ صُحْبَة ، وَقَالَ : رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
وَرَوَى الْحَاكِم أَيْضا عَن الطرائفي ، قَالَ : سَمِعت الدَّارمِيّ يَقُول : سَمِعت عَلّي بن الْمَدِينِيّ يَقُول : قُلْتُ لِسُفْيَان : إِن ليثًا رَوَى عَن طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جده أنَّه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ .. . فَأنْكر ذَلِكَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وَسَأَلت عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي : ابْن مهْدي - عَن نسب جد طَلْحَة ؟ فَقَالَ : عَمْرو بن كَعْب - أَو كَعْب بن عَمْرو - وَكَانَت لَهُ صُحْبَة . وَقَالَ غَيره : عَمْرو بن كَعْب .
لم يشك فِيهِ ، ذكر ذَلِكَ الْبَيْهَقِيّ . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَلم يُثبتهُ ، وَقَالَ : طَلْحَة هَذَا يُقَال إنَّه رجل من الْأَنْصَار ، وَمِنْهُم من يَقُول : هُوَ طَلْحَة بن مصرف . قَالَ : وَلَو كَانَ طَلْحَة بن مصرف لم يخْتَلف فِيهِ .
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الحقّ فِي الْأَحْكَام : طَلْحَة هَذَا يُقَال : هُوَ رجل من الْأَنْصَار ؛ وَيُقَال : هُوَ طَلْحَة بن مصرف ، وَلَا نَعْرِف لجده صُحْبَة . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا التَّرَدُّد من عبد الحقِّ فِيهِ نظر ؛ فإنَّه الثَّانِي بِلَا شكّ ، وَهُوَ قد تَابع ابْن أبي حَاتِم فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَعلة الْخَبَر عِنْدِي : الْجَهْل بِحَال مصرف بن عَمْرو وَالِد طَلْحَة بن مصرف .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا إِسْنَاد لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يحتجّ بِهِ . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَة : ضَعِيف . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَخَالف فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب فَقَالَ : هُوَ حَدِيث حسن ، عَلَى أنَّ بعض الأئمَّة أنكرهُ . وَفِي تَهْذِيب الْمزي : طَلْحَة ، عَن أَبِيه ، عَن جده فِي مسح الرَّأْس ، وَعنهُ لَيْث بن أبي سليم ، قيل : إِنَّه ابْن مصرف . وَقيل : غَيره ، وَهُوَ الْأَشْبَه بالصَّواب .
هَذَا لَفظه ، وَهُوَ مُخَالف لما سلف إِنَّه ابْن مصرف بِلَا شكّ . وَلما ذكر الْبَغَوِيّ تَرْجَمَة عَمْرو بن كَعْب جد طَلْحَة بن مصرف سَاقه . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : سمَّاه بَعضهم طَلْحَة بن مصرف .
وَكَذَا صرح بِهِ أنَّه ابْن مصرف : ابْن السكن فِي كِتَابه الْحُرُوف وَابْن مرْدَوَيْه فِي أَوْلَاد الْمُحدثين ، والعسكري ، وَيَعْقُوب بن سُفْيَان ، وَأحمد فِي مُسْنده ، وَابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه ، وَابْن الْمُقْرِئ فِي مُعْجَمه ، وَالْبَزَّار فِي أَمَالِيهِ ، وَأَبُو نعيم الْحَافِظ من رِوَايَة عبد الْوَارِث . زَاد رَوَاهُ الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان وَحَفْص بن غياث ، وَإِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا ، عَن لَيْث ، عَن طَلْحَة بن مصرف بِنَحْوِهِ . وَفِي كتاب الزّهْد لِأَحْمَد : أخْبرت عَن ابْن عُيَيْنَة أنَّه قيل لَهُ : إنَّ ليثًا يحدث عَن طَلْحَة بن مصرف ، عَن أَبِيه ، عَن جدّه أنَّه رَأَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأنْكر سُفْيَان أَن يكون لَهُ صُحْبَة .