الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ مسح رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأسه مرَّتَيْنِ
فصل اعْلَم أنَّ مدَار هَذَا الحَدِيث بِطرقِهِ عَلَى عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل - وَقد أَثْنَى عَلَيْهِ قوم وَتكلم فِيهِ آخَرُونَ - فلنذكر فِي هَذَا الْموضع مقالات الْحفاظ فِيهِ ليحال مَا يَقع بعده عَلَيْهِ ، فَنَقُول : هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل بن أبي طَالب أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي الْهَاشِمِي التَّابِعِيّ ، رَوَى عَن جماعات من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ، وَرَوَى عَنهُ الْأَئِمَّة . قَالَ الْحَاكِم : كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَإِسْحَاق يحتجان بحَديثه ، وَلَيْسَ بالمتين عِنْدهم . وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد : كَانَ كثير الْعلم ، وَكَانَ مُنكر الحَدِيث لَا يحْتَج بحَديثه .
وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : هُوَ ضَعِيف الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ضَعِيف . وَضَعفه أَيْضا : ابْن عُيَيْنَة ، وَأَبُو حَاتِم ، وَأَبُو زرْعَة ، وَابْن خُزَيْمَة .
وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ رَدِيء الْحِفْظ ، يحدث عَلَى التَّوَهُّم فَيَجِيء بالْخبر عَلَى غير سنَنه ، فلمَّا كثر ذَلِكَ فِي أخباره وَجب مجانبتها والاحتجاج بغَيْرهَا . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي التَّذْكِرَة : هُوَ ضَعِيف جدًّا . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ صَدُوق ، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الْعلم من قبل حفظه .
قَالَ : وَسمعت البُخَارِيّ يَقُول : كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ، والْحميدِي يحتجون بحَديثه . قَالَ البُخَارِيّ : وَهُوَ مقارب الحَدِيث - يَعْنِي : بِكَسْر الرَّاء ، وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا ، وَهُوَ مَحْمُول عِنْدهم عَلَى مقاربة الصِّحَّة . قَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ : رُوِيَ مقارب - بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا - وَبِفَتْحِهَا قرأته ؛ فَمن فتح أَرَادَ أَن غَيره يُقَارِبه فِي الْحِفْظ ، وَمن كسر أَرَادَ أَنه يُقَارب غَيره ، فَهُوَ فِي الأوَّل مفعول ، وَفِي الثَّانِي فَاعل ، وَالْمعْنَى وَاحِد .
قلت : فكلاهما تَوْثِيق لَهُ لَكِن الْفَتْح أشدّ توثيقًا . وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : هُوَ مُسْتَقِيم فِي الحَدِيث مقدم فِي الشّرف . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب لَا يتَطَهَّر بِالْمُسْتَعْملِ : أهل الْعلم مُخْتَلفُونَ فِي جَوَاز الِاحْتِجَاج بِرِوَايَاتِهِ .
وَقَالَ فِي بَاب الدَّلِيل عَلَى أنَّه يَأْخُذ لكلّ عُضْو مَاء جَدِيدا : لم يكن بِالْحَافِظِ . وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر : شرِيف عَالم لَا يطعن عَلَيْهِ إِلَّا مُتَحَامِل ، وَهُوَ أَقْوَى من كلِّ من ضعفه وَأفضل . قلت : وَالتِّرْمِذِيّ - كَمَا نرَى - تَارَة يحسن حَدِيثه وَتارَة يُصَحِّحهُ ، كَمَا تقدم .
وَقد ذكر لَهُ أَيْضا حَدِيثا فِي أَبْوَاب الْفَرَائِض وحكم عَلَيْهِ بالْحسنِ وَالصِّحَّة . وَذكر لَهُ حَدِيث حمْنَة فِي الِاسْتِحَاضَة وَفعل فِيهِ كَمَا فعل فِي هَذَا . وَحَكَى عَن البُخَارِيّ أنَّه حسنه ، وَعَن أَحْمد أنَّه صَححهُ .
وَقَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شرح الْمُهَذّب : اخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بِمُحَمد بن عقيل . قَالَ : واحتجَّ بِهِ الْأَكْثَرُونَ ، وَحسن التِّرْمِذِيّ أَحَادِيث من رِوَايَته .