الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ أنَّ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فَمسح رَأسه ثَلَاثًا
الطَّرِيق الثَّامِن : عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر ، عَن أبي عَلْقَمَة مولَى ابْن عَبَّاس ، عَن عُثْمَان " أنَّه دَعَا بِوضُوء وَعِنْده نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأفرغ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وغسلهما ثَلَاثًا ، ومضمض ثَلَاثًا ، واستنشق ثَلَاثًا ، وَغسل وَجهه ثَلَاثًا ، وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثَلَاثًا ، ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ وَغسل رجلَيْهِ فأنقاهما ، ثمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ مثل هَذَا الْوضُوء " .
رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا ، عَن مُحَمَّد بن مَرْزُوق ، ثَنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي ، ثَنَا عبيد الله بن أبي زِيَاد القداح ، أَخْبرنِي عبد الله بِهِ .
فتلخص من هَذَا كُله أنَّ حَدِيث عُثْمَان - رَضي اللهُ عَنهُ - الَّذِي أوردهُ الإِمام الرَّافِعِيّ لَهُ طرق عشر وَفِي بَعْضهَا ضعف يسير ، فَلَا تقدح فِيمَا حسناه مِنْهَا ؛ بل تِلْكَ جابرة لَهَا ، كَيفَ وأئمة هَذَا الْفَنّ يَقُولُونَ أَن الحَدِيث الضَّعِيف إِذا رُوِيَ من طرق يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا .
قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي " شرح الْمُهَذّب " : حَدِيث عُثْمَان هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد حسن . قَالَ : وَذكر أَيْضا الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح أَنه حَدِيث حسن ، وَرُبمَا ارْتَفع من الْحسن إِلَى الصِّحَّة بشواهده وَكَثْرَة طرقه . قَالَ : فَإِن الْبَيْهَقِيّ وَغَيره رَوَوْهُ من طرق كَثِيرَة غير طَرِيق أبي دَاوُد . انْتَهَى مَا نَقله النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ .
فَإِن قلت : يقْدَح فِيمَا قَرّرته أَيهَا المُصَنّف من حسن هَذَا الحَدِيث قَول أبي دَاوُد فِي "سنَنه" : أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح كلهَا تدل عَلَى مسح الرَّأْس أنَّه مرّة ؛ فَإِنَّهُم ذكرُوا الْوضُوء ثَلَاثًا قَالُوا فِيهَا "وَمسح رَأسه" لم يذكرُوا عددا كَمَا ذكرُوا فِي غَيره .
وَقَول الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن الْكَبِير " : وَرُوِيَ من أوجه غَرِيبَة ، عَن عُثْمَان وفيهَا مسح الرَّأْس ثَلَاثًا إِلَّا أَنَّهَا مَعَ خلاف الْحفاظ الثِّقَات لَيست بِحجَّة عِنْد أهل الْمعرفَة ، وَإِن كَانَ بعض أَصْحَابنَا يحْتَج بهَا .
قلت : لَا تنَافِي بَين قَوْلنَا وَقَول أبي دَاوُد ؛ لأَنا قَررنَا حسن الحَدِيث ، وَأَبُو دَاوُد قَالَ : أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح ، فَأَبُو دَاوُد - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم ينفِ حسنه ؛ وإنَّما نَفَى صِحَّته . بل لَو ادعيت صِحَّته من طريقيه الْأَوَّلين لم أبعد ؛ بل هُوَ - إِن شَاءَ الله - كَمَا قَرّرته ، عَلَى أَن أَحَادِيث الصِّحَاح لَيْسَ فِيهَا نفي الْعدَد ، وَحَدِيثه هَذَا من جَمِيع طرقه فِيهَا إثْبَاته ؛ فَقدم عَلَى الأوَّل ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" : مَا رُوِيَ فِي حَدِيث عُثْمَان وَغَيره من الْمسْح مرّة وَاحِدَة فَلَيْسَ فِيهِ نفي عدد ، وَفِيمَا رَوَيْنَاهُ إثْبَاته سنة ، وَالْأولَى بِنَا الْجمع بَين الْخَبَرَيْنِ .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه "التَّحْقِيق" : وأمّا من رَوَى عَن عُثْمَان أنَّه لم يذكر فِي الْمسْح عددا فَلَا حجَّة فِي ذَلِكَ ، من
ذكر الْعدَد مقدم القَوْل . وأمَّا قولة الْبَيْهَقِيّ فيعارضها بِأَنَّهُ ذكر من تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي " خلافياته " حديثين محتجًا بهما ، وهما : حَدِيث عَامر عَن شَقِيق بن سَلمَة ، وَقَالَ : إِسْنَاده قد احتجا بِجَمِيعِ رُوَاته غير عَامر بن شَقِيق . ثمَّ ذكر قولة الْحَاكِم الْمُتَقَدّمَة فِي عَامر .
والْحَدِيث الثَّانِي : حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن حمْرَان الْمُتَقَدّم فَلَعَلَّهُ يكون قَالَ ذَلِكَ قبل تصنيفه "الخلافيات" جمعا بَين كلاميه .
عَلَى أَن ذكر مسح الرَّأْس ثَلَاثًا قد ورد فِي غير مَا حَدِيث غير حَدِيث عُثْمَان مِنْهَا : حَدِيث عَلّي - رَضي اللهُ عَنهُ - وَقد تقدم ذكر اخْتِلَاف طرقه فِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين من هَذَا الْبَاب ، وَأَن الإِمام أَبَا حنيفَة رَوَى التَّثْلِيث فِي مسح الرَّأْس وَرَوَاهُ غَيره أَيْضا .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : خَالفه جمَاعَة من الْحفاظ الثِّقَات فَقَالُوا فِيهِ : "وَمسح رَأسه مرّة" . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَكثر الروَاة رَوَوْهُ عَن عَلّي دون ذكر التّكْرَار . قَالَ : وَأحسن مَا رُوِيَ عَن عَلّي فِيهِ مَا رَوَاهُ عَنهُ ابْنه الْحسن بن عَلّي ... فَذكره بِإِسْنَادِهِ عَنهُ ، وَذكر مسح الرَّأْس ثَلَاثًا
وَقَالَ : هَكَذَا رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ . وَإِسْنَاده حسن ، وَمِنْهَا : حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهما - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من تَوَضَّأ فَغسل كفيه ثَلَاثًا واستنثر ثَلَاثًا وَغسل وَجهه وَيَديه ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَمسح رَأسه ثَلَاثًا ، وَغسل رجلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قبل أَن يتكلَّم غفر لَهُ مَا بَين الوضوءين " .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" وَتقدم الْكَلَام فِي ابْن الْبَيْلَمَانِي وَأَبِيهِ .
وَمِنْهَا : حَدِيث ابْن عَبَّاس " أنَّه وصف وضوء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَمسح رَأسه ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ سَائِر أَعْضَائِهِ " .
رَوَاهُ الْبَزَّار فِي "مُسْنده" من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة بن ركَانَة ، عَن عبيد الله الْخَولَانِيّ ، عَن ابْن عَبَّاس ، ثمَّ قَالَ : لَا نعلمهُ يرْوَى هَكَذَا إِلَّا بِهَذَا الإِسناد . والخولاني لَا نعلم أنَّ أحدا يروي عَنهُ غير مُحَمَّد بن طَلْحَة . قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : وَمِنْهَا حَدِيث أبي رَافع ، وَابْن أبي أَوْفَى " أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ ، فَمسح رَأسه ثَلَاثًا " . قَالَ : وَاعْتمد الإِمام الشَّافِعِي فِي اسْتِحْبَاب التَّثْلِيث فِي الْمسْح : حَدِيث عُثْمَان الثَّابِت فِي مُسلم وَغَيره من الْأَحَادِيث الْمُتَقَدّمَة "أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - توضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا" ، وَوجه الدّلَالَة مِنْهُ أنَّ قَوْله : تَوَضَّأ يَشْمَل الْغسْل
وَالْمسح . وَمنع الْبَيْهَقِيّ وَغَيره الدّلَالَة من هَذَا ؛ لأنَّها رِوَايَة مُطلقَة ، وَجَاءَت الرِّوَايَات الثَّابِتَة فِي الصَّحِيح مصرحة بأنَّه غسل الْأَعْضَاء ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمسح الرَّأْس مرّة . وَاعْترض ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" عَلَى الْقَائِل بِهَذَا فَقَالَ : قَول من ذكر الْعدَد مقدم عَلَى من لم يذكرهُ قَالَ . وَعَلَى تَقْدِير التَّصْرِيح بالمرة ، فَيحمل عَلَى بَيَان الْجَوَاز . ثمَّ قَالَ : فَإِن قلت : التَّثْلِيث يُصَيِّر الْمسْح غسلا ، وَالْمسح مَبْنِيّ عَلَى التَّخْفِيف فَيخرج عَن مَوْضُوعه . قلت : هَذِه عبَادَة لَا يعقل مَعْنَاهَا .
وَقد رَوَى أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ ، ثَنَا ربيعَة بن عتبَة الْكِنَانِي ، عَن الْمنْهَال بن عَمْرو ، عَن زر بن حُبَيْش قَالَ : " مسح عَلّي - رَضي اللهُ عَنهُ - رَأسه فِي الْوضُوء حَتَّى أَرَادَ أَن يقطر ، وَقَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَكَذَا يتَوَضَّأ " .
قَالَ أَحْمد : وثنا عَلّي بن بَحر ، نَا الْوَلِيد بن مُسلم ، عَن عبد الله بن الْعَلَاء ، عَن أبي الْأَزْهَر ، عَن مُعَاوِيَة " أنَّه ذكر لَهُم وضوء النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وأنَّه مسح بغرفة من مَاء حَتَّى يقطر المَاء عَن رَأسه أَو كَاد يقطر " .
قلت : وَفِي رِوَايَة للبزار "ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ حَتَّى كَاد يقطر"
وَإسْنَاد الأوَّل صَحِيح ، وَالثَّانِي فِي حسنه وَقْفَة ؛ لعنعنة الْوَلِيد ، وَقد عرف تدليسه وتسويته .
قَالَ النَّووي فِي " كَلَامه عَلَى أبي دَاوُد " فِي الأوَّل : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح كلّ رِجَاله فِي الصَّحِيح مَشْهُور إِلَّا ربيعَة بن عتبَة الْكِنَانِي ، وَقد وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَلم يجرحه غَيره . فَالْحَدِيث صَحِيح .
كَذَا قَالَ النَّووي ، وادَّعى ابْن الْقطَّان أَن البُخَارِيّ أخرج لِرَبِيعَة هَذَا ، وَهُوَ غلط مِنْهُ ؛ بل لم يخرج لَهُ أحد من "الْكتب السِّتَّة" غير أبي دَاوُد . قَالَ : وَلَا أعلم لَهُ عِلّة إِلَّا الْمنْهَال ؛ فَإِن ابْن حزم قد قَالَ فِيهِ : لَا يقبل فِي باقة بقل . قَالَ : وَالرجل قد وَثَّقَهُ جماعات : ابْن معِين وَغَيره . فَافْهَم مَا قَرَّرْنَاهُ لَك أيَّها النَّاظر فِي هَذَا الْموضع ؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ يرحل إِلَيْهِ ، جعل الله ذَلِكَ خَالِصا لوجهه بِمُحَمد وَآله .