الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ مسح الرَّقَبَة أَمَان من الغل
الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مسح الرَّقَبَة أَمَان من الغل . هَذَا الحَدِيث غَرِيب جدًّا لَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَأوردهُ المُصَنّف تبعا للغزالي فِي وسيطه فَإِنَّهُ كَذَلِك أوردهُ ، وَالْغَزالِيّ تبع فِي إِيرَاده القَاضِي حُسَيْنًا ، فَإِنَّهُ كَذَا أوردهُ بعد أَن قَالَ : إِن مسح الْعُنُق لم يرد فِيهِ سنة . وَكَذَا قَالَ الفوراني من أَصْحَابنَا : إِنَّه لم يرد فِيهِ خبر بعد أَن قَالَ : إِنَّه يسْتَحبّ بِمَاء جَدِيد .
وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ حَكَى عَن شَيْخه أَنه كَانَ يَحْكِي وَجْهَيْن فِي أَنه سنة أَو أدب ، وَأَنه كَانَ يروي أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مسح الرَّقَبَة أَمَان من الغل لكنه كَانَ يَقُول : لم ترتض أَئِمَّة الحَدِيث إِسْنَاده ، وَإِن سَبَب التَّرَدُّد هَذَا . قَالَ الإِمَام : لست أرَى لهَذَا التَّرَدُّد حَاصِلا وَلم يجر مثله فِي غير هَذَا - يَعْنِي : لم يجر للأصحاب تردد فِي حكم مَعَ تَضْعِيف الحَدِيث الَّذِي يدل عَلَيْهِ - فَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا . وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب : لم ترد فِيهِ سنة ثَابِتَة .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا الحَدِيث هُوَ غير مَعْرُوف عِنْد أهل الحَدِيث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَهُوَ من قَول بعض السّلف . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَيْسَ من كَلَام رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا حَدِيث بَاطِل مَوْضُوع ، إِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض السّلف .
قَالَ : وَلم يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي مسح الرَّقَبَة شَيْء ، وَلَيْسَ هُوَ سنة ؛ بل هُوَ بِدعَة ، وَلم يذكرهُ الشَّافِعِي وَلَا جُمْهُور الْأَصْحَاب ، وَإِنَّمَا قَالَه ابْن الْقَاص وَطَائِفَة يسيرَة ، وَهُوَ غلط لقَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَمن زَاد عَلَى هَذَا فقد أَسَاءَ وظلم . قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب : الْبَغَوِيّ من أَئِمَّة الحَدِيث ، وَقد قَالَ باستحبابه وَلَا مَأْخَذ لاستحبابه إِلَّا خبر أَو أثر ؛ لِأَن هَذَا لَا مجَال للْقِيَاس فِيهِ ، وَإِن كَانَ مَا أوردهُ الْغَزالِيّ من الْخَبَر مَوْضُوع ، فَهُوَ أثر عَن بعض السّلف كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح ، وَهَذَا الحَدِيث وَصفه المتقدمون بأنهم ارتضوا إِسْنَاده دون الْوَضع . قَالَ : وَالْأَشْبَه عِنْدِي إِن لم يكن سنة فَهُوَ مُسْتَحبّ ، وَصَاحب التَّتِمَّة و التَّهْذِيب عَلَّلَاهُ بتطويل الْغرَّة .
قَالَ : فيقوي الْخَبَر الْمَذْكُور ؛ إِذْ الْحِلْية الْمَطْلُوبَة وَالْغسْل لَا يَجْتَمِعَانِ فِي غسل وَاحِد فِي الْقيمَة .