الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أمسك سبابتيه وإبهاميه عَن الرَّأْس لمسح الْأُذُنَيْنِ
﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمسك سبابتيه وإبهاميه عَن الرَّأْس لمسح الْأُذُنَيْنِ ، فَمسح بسبابتيه باطنهما وبإبهاميه ظاهرهما . هَذَا الحَدِيث هَكَذَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي الْمُهَذّب وَلَفظه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسح بِرَأْسِهِ وَأمْسك بمسبحتيه لأذنيه . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب : إِن هَذَا الحَدِيث لَا يُعرف وَلَا يثبت .
قَالَ : وتوهم أَبُو بكر الْحَازِمِي - من حفاظ الْعَصْر - فِيمَا خرجه من أَحَادِيث الْمُهَذّب أَن مَعْنَاهُ مَوْجُود فِي حَدِيث الرّبيع بنت معوذ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهَا قَالَت : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فَمسح مقدم رَأسه ومؤخره وصدغيه ، ثمَّ أَدخل أصبعيه السبابتين ، فَمسح أُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما . قَالَ : وَهَذَا وهم من الْحَازِمِي ؛ فَإِنَّهُ لَا دلَالَة فِي هَذَا عَلَى مَا أوردهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق من أَنه مسح الْأُذُنَيْنِ بِغَيْر المَاء الَّذِي مسح بِهِ رَأسه قَالَ : وَهَاهُنَا نُكْتَة خفيت عَلَى أهل الْعِنَايَة بالمهذب ، وَهِي أَن مُصَنفه رَجَعَ عَن الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث وأسقطه من الْمُهَذّب فَلم يفد ذَلِك بعد انتشار الْكتاب . قَالَ : وَوجدت بِخَط بعض تلامذته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من تَعْلِيقه عَلَى الْحَاشِيَة عِنْد استدلاله بِهَذَا الحَدِيث قَالَ الشَّيْخ : لَيْسَ لَهُ أصل فِي السّنَن ، فَيجب أَن تضربوا عَلَيْهِ فِي الْمُهَذّب فَإِنِّي صنفته من عشر سِنِين ، وَمَا عَرفته .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَبَلغنِي أَن هَذَا الحَدِيث مَضْرُوب عَلَيْهِ فِي أصل المُصَنّف الَّذِي هُوَ بِخَطِّهِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث مَوْجُود فِي بعض نسخ الْمُهَذّب الْمَشْهُورَة وَلَيْسَ مَوْجُودا فِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة . قَالَ : وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَو بَاطِل لَا يعرف .
وَجزم فِي الْخُلَاصَة بضعفه . قلت : ورد من حَدِيث ابْن عَبَّاس من طرق عَنهُ مَا ظَاهرهَا لما رده هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَلّي بن أَحْمد ابن عَبْدَانِ الْأَهْوَازِي ، أَنا أَحْمد بن عبيد الصفار ، نَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق ، ثَنَا عَلّي بن الْمَدِينِيّ ، نَا عبد الله بن إِدْرِيس ، نَا مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهما - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فغرف غرفَة ؛ فَمَضْمض واستنشق .. . وَذكر الحَدِيث وَقَالَ : ثمَّ أَخذ شَيْئا من مَاء فَمسح بِهِ رَأسه ، وَقَالَ : بالوسطيين من أَصَابِعه فِي بَاطِن أُذُنَيْهِ والإبهامين من وَرَاء أُذُنَيْهِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ أَصْحَابنَا : فَكَأَنَّهُ كَانَ يعْزل من كل يَد أصبعين ؛ فَإِذا فرغ من مسح الرَّأْس مسح بهما أُذُنَيْهِ قَالَ : وَقد رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث مسح أُذُنَيْهِ داخلهما بالسبابتين وَخَالف بإبهاميه فَمسح باطنهما وظاهرهما . قلت : وَهَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه وَمن جِهَته أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فَإِنَّهُ أخرجه عَن أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى ، نَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، نَا ابْن إِدْرِيس ، عَن ابْن عجلَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فغرف غرفَة فَغسل وَجهه ، ثمَّ غرف غرفَة فَغسل يَده الْيُمْنَى ثمَّ غرف غرفَة فَغسل يَده الْيُسْرَى ثمَّ غرف غرفَة فَمسح بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ داخلهما بالسبابتين ، وَخَالف بإبهاميه إِلَى ظَاهر أُذُنَيْهِ فَمسح ظاهرهما وباطنهما ، ثمَّ غرف غرفَة فَغسل رجله الْيُمْنَى ، ثمَّ غرف غرفَة فَغسل رجله الْيُسْرَى . وَرَوَاهُ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ أَيْضا من حَدِيث ابْن إِدْرِيس أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فَمسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ .. .
فَقَالَ : بالوسطى من أَصَابِعه فأبطن بأذنيه . وَقَالَ : بالإبهامين من وَرَاء أُذُنَيْهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، وَلَفظه : ثمَّ مسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : ابْن عجلَان أخرج لَهُ مُسلم ، وَبَاقِي إِسْنَاده لَا يسْأَل عَنهُ . وَقد أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، وَلَفظه عَن ابْن عَبَّاس رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتَوَضَّأ .. . فَذكر الحَدِيث وَفِيه وغرف غرفَة فَمسح رَأسه وباطن أُذُنَيْهِ وظاهرهما ، وَأدْخل أصبعيه فيهمَا .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : قَالَ ابْن مَنْدَه : لَا يعرف مسح الْأُذُنَيْنِ من وَجه يثبت إِلَّا من هَذِه الطَّرِيق . قلت : فَهَذِهِ الطّرق الصَّحِيحَة ظَاهِرَة فِيمَا قصدناه ، وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب عقب كَلَام ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ : وَأَنا أَقُول الْخَبَر إِن لم يكن بِهَذَا اللَّفْظ مَذْكُورا فِي كتب الحَدِيث فَفِيهَا مَا ينطبق ظَاهره عَلَى مَعْنَاهُ . ثمَّ سَاق حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب ، وَهُوَ الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ الْمُتَقَدّم ، وَقد قدمْنَاهُ أَيْضا فِي الحَدِيث الَّذِي قبله أَنه صَحَّ عَنهُ أَنه أَخذ لأذنيه مَاء جَدِيدا .