الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم
ولنختم الْبَاب بخاتمتين مهمتين : أَحدهمَا : قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : من السّنَن أَن يحافظ عَلَى الدَّعْوَات الْوَارِدَة فِي الْوضُوء فَيَقُول فِي غسل الْوَجْه : اللَّهُمَّ بيض
وَجْهي يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه . وَعند غسل الْيَد الْيُمْنَى : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني وحاسبني حسابا يَسِيرا . وَعند غسل الْيَد الْيُسْرَى : اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي وَلَا من وَرَاء ظَهْري . وَعند مسح الرَّأْس : اللَّهُمَّ حرم شعري وبشري من النَّار - وَرُوِيَ : اللَّهُمَّ احفظ رَأْسِي وَمَا حوى وبطني وَمَا وعى . وَفِي "الْإِحْيَاء" يَقُول : اللَّهُمَّ غشني بِرَحْمَتك وَأنزل عليَّ من بركاتك ، وأظلني تَحت عرشك يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظلك - وَعند مسح الْأُذُنَيْنِ : اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه . وَعند غسل الرجلَيْن : اللَّهُمَّ ثَبت قدمي عَلَى الصِّرَاط يَوْم تزل فِيهِ الْأَقْدَام . قَالَ الرَّافِعِيّ : ورد بهَا الْأَثر عَن السّلف الصَّالِحين . انْتَهَى مَا أوردهُ الرَّافِعِيّ .
وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ : يَقُول عِنْد غسل الْيَدَيْنِ : اللَّهُمَّ احفظ يَدي من مَعَاصِيك كلهَا . وَيَقُول عِنْد الْمَضْمَضَة : اللَّهُمَّ أجر عَلَى لساني الصدْق وَالصَّوَاب وَمَا ينفع النَّاس - وَقَالَ صَاحب "الْإِحْيَاء" : يَقُول : اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَى تِلَاوَة كتابك وَكَثْرَة الذّكر لَك . وَقَالَ غَيرهمَا : يَقُول : اللَّهُمَّ اسْقِنِي من حَوْض نبيك كأسًا لَا أظمأ بعده أبدا وَيَقُول عِنْد الِاسْتِنْشَاق : اللَّهُمَّ لَا تحرمني رَائِحَة نعيمك وجناتك ، اللَّهُمَّ أوجدني رَائِحَة الْجنَّة وَأَنت عني رَاض . وَعند الاستنثار : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من رَوَائِح النَّار وَسُوء الدَّار . وَيَقُول عِنْد مسح الْعُنُق : اللَّهُمَّ فك رقبتي من
النَّار وَأَعُوذ بك من السلَاسِل والأغلال . إِذا تقرر ذَلِك قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي " الرَّوْضَة " : وَهَذَا الدُّعَاء لَا أصل لَهُ ، وَلم يذكرهُ الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور . وَقَالَ فِي " شرح الْمُهَذّب " : هَذَا الدُّعَاء لَا أصل لَهُ ، وَذكره كَثِيرُونَ من الْأَصْحَاب وَلم يذكرهُ المتقدمون ، وَزَاد فِيهِ الْمَاوَرْدِيّ فَقَالَ : "يَقُول عِنْد الْمَضْمَضَة : اللَّهُمَّ اسْقِنِي من حَوْض نبيك كأسًا لَا أظمأ بعده . وَعند الِاسْتِنْشَاق : اللَّهُمَّ لَا تحرمني رَائِحَة نعيمك وجناتك" وَكَذَا قَالَ فِي غَيرهمَا من كتبه أَن هَذَا الدُّعَاء لَا أصل لَهُ .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي " كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب " : الدُّعَاء عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء لم يَصح فِيهِ حَدِيث . وَقَالَ فِي " كَلَامه عَلَى الْوَسِيط " بعد قَول الْغَزالِيّ : "أَنه ورد فِي ذَلِك أَخْبَار دَالَّة عَلَى كَثْرَة فَضِيلَة الْأَدْعِيَة عَلَى الْأَعْضَاء" : لَا يَصح فِيهَا حَدِيث .
وَاعْلَم - رحمنا الله وَإِيَّاك وهدانا لطاعته - أَنه ورد فِي الدُّعَاء عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء عدَّة أَحَادِيث :
أَحدهَا : عَن عَلّي بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه - وَله طرق
أَحدهَا : عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي رَفعه إِلَى عَلّي بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه - قَالَ : " عَلمنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَلِمَات أقولهن عِنْد الْوضُوء فَلم أنسهن ، كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أُتِي بِمَاء فَغسل كفيه ثمَّ قَالَ : بِسم الله الْعَظِيم ، وَالْحَمْد لله عَلَى الْإِسْلَام ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين ، واجعلني من الَّذين إِذا أَعطيتهم شكروا ، وَإِذا ابتليتهم
صَبَرُوا . فَإِذا غسل فرجه قَالَ : اللَّهُمَّ حصن فَرجي ثَلَاثًا وَإِذا تمضمض قَالَ : اللَّهُمَّ أَعنِي عَلَى تِلَاوَة كتابك وذكرك . وَإِذا استنشق قَالَ : اللَّهُمَّ أرحني رَائِحَة الْجنَّة . وَإِذا غسل وَجهه قَالَ : اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه . وَإِذا غسل يَمِينه قَالَ : اللَّهُمَّ آتني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يَسِيرا . وَإِذا غسل شِمَاله قَالَ : اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي وَلَا من وَرَاء ظَهْري . وَإِذا مسح رَأسه قَالَ : اللَّهُمَّ غشني بِرَحْمَتك . وَإِذا مسح أُذُنَيْهِ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه . وَإِذا غسل رجلَيْهِ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ سعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا وتجارة لن تبور . ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : الْحَمد لله الَّذِي رَفعهَا بِغَيْر عمد . قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : وَالْملك قَائِم عَلَى رَأسه يكْتب مَا يَقُول فِي ورقة ثمَّ يختمه ، فيرفعه فيضعه تَحت الْعَرْش فَلَا يفك خَاتمه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
ذكر هَذِه الطَّرِيق الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " فَقَالَ : عَن أبي الْفضل مُحَمَّد بن نعيم بن عَلّي البُخَارِيّ ، نَا أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن حم الصفار اللَّخْمِيّ ، ثَنَا أَبُو مقَاتل سُلَيْمَان بن الْفضل ، ثَنَا
أَحْمد بن مُصعب الْمروزِي ، ثَنَا حبيب بن أبي حبيب الشَّيْبَانِيّ ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاق السبيعِي فَذكره .
قَالَ الشَّيْخ : وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَن عَلّي مُنْقَطع ، وَفِي إِسْنَاده غير وَاحِد يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته والكشف عَن حَاله .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن عَلّي بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه - قَالَ : "عَلمنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَوَاب الْوضُوء فَقَالَ : يَا عَلّي ، إِذا قربت وضوءك فَقل : بِسم الله الْعَظِيم ..." مثل الطَّرِيق الَّتِي قبله إِلَّا أَنه لم يقل فِيهَا "واجعلني من التوابين" وَقَالَ : " إِذا غسلت رجليك فَقل : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ سعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا وَعَملا متقبلاً ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين المتطهرين ، وَالْملك قَائِم عَلَى رَأسه يكْتب مَا يَقُول ، ثمَّ يختمه بِخَاتم ، ثمَّ يعرج بِهِ إِلَى السَّمَاء ، فيضعه تَحت عرش الرَّحْمَن ، فَلَا يفك ذَلِك الْخَاتم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
ذكره أَبُو الْعَبَّاس الْحَافِظ جَعْفَر بن مُحَمَّد المستغفري فِي كِتَابه "الدَّعْوَات" - كَمَا أَفَادَهُ صَاحب "الإِمَام" ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِيهِ - من حَدِيث القَاضِي أبي سعيد الْخَلِيل بن أَحْمد ، أبنا أَبُو عَمْرو التمار مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ، ثَنَا الْحُسَيْن بن حميد ، ثَنَا الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي ، نَا المغيث بن بديل ، عَن خَارِجَة ، عَن يُونُس ،
عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ، عَن عَلّي .
وَرَوَاهُ المستغفري أَيْضا عَن الْحسن بن عبد الله بن عمر ، عَن أَحْمد بن أحيد ، عَن صَالح بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ ، عَن عُثْمَان بن غياث ، عَن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس ، عَن المغيث ، عَن خَارِجَة بِإِسْنَادِهِ نَحوه .
قلت : وَهَذَا مُرْسل أَيْضا ؛ لِأَن عليًّا - رَضي اللهُ عَنهُ - خرج إِلَى الْعرَاق عقب بيعَته ، وَأقَام الْحسن الْبَصْرِيّ بِالْمَدِينَةِ فَلم يلقه بعد ذَلِك . قَالَه أَبُو زرْعَة وَغَيره .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ : " دخلت عَلَى وَالِدي عَلّي بن أبي طَالب وَإِذا عَن يَمِينه إِنَاء من مَاء ، فَسَمَّى ثمَّ سكب عَلَى يَمِينه ، ثمَّ استنجى وقَالَ : اللَّهُمَّ حصن فَرجي ، واستر عورتي ، وَلَا تشمت بِي الْأَعْدَاء . ثمَّ تمضمض واستنشق وَقَالَ : اللَّهُمَّ لقني حجتي وَلَا تحرمني رَائِحَة الْجنَّة . ثمَّ غسل وَجهه وَقَالَ : اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تسود الْوُجُوه وَلَا تسود وَجْهي يَوْم تبيض الْوُجُوه . ثمَّ سكب عَلَى يَمِينه وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني والخلد بشمالي ، ثمَّ سكب عَلَى شِمَاله وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي ، وَلَا تجعلها مغلولة إِلَى عنقِي . ثمَّ مسح رَأسه وَقَالَ : اللَّهُمَّ غَشنَا بِرَحْمَتك ؛ فَإنَّا نخشى عذابك ، اللَّهُمَّ لَا تجمع بَين نواصينا وأقدامنا . ثمَّ مسح عُنُقه وَقَالَ : اللَّهُمَّ
نجنا من مفظعات النيرَان وأغلالها . ثمَّ غسل قَدَمَيْهِ ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ثَبت قدمي عَلَى الصِّرَاط يَوْم تزل فِيهِ الْأَقْدَام . ثمَّ اسْتَوَى قَائِما ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ كَمَا طهرتنا بِالْمَاءِ فطهرنا من الذُّنُوب . ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا يقطر المَاء من أنامله ، ثمَّ قَالَ : يَا بني ، افْعَل كفعلي هَذَا ؛ فَإِنَّهُ مَا من قَطْرَة تقطر من أناملك إِلَّا خلق الله مِنْهَا ملكا يسْتَغْفر الله لَك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون تَسْبِيح ذَلِك الْملك لَك يَوْم الْقِيَامَة يَا بني ، من فعل كفعلي هَذَا تساقطت عَنهُ الذُّنُوب كَمَا يتساقط الْوَرق من الشّجر يَوْم الرّيح العاصف " .
رَوَاهُ حَافظ الشَّام ومؤرخها أَبُو الْقَاسِم عَلّي بن الْحسن بن هبة الله الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن عَسَاكِر فِي "أَمَالِيهِ" من حَدِيث أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن مَنْصُور بن يزِيد الْمُقْرِئ ، نَا دَاوُد بن سُلَيْمَان ، عَن شيخ من أهل الْبَصْرَة يكنى أَبَا الْحسن ، عَن أَصْرَم بن حَوْشَب الهمذاني ، عَن أبي عَمْرو بن قُرَّة ، عَن أبي جَعْفَر الْمرَادِي ، عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ... فَذكره عَنهُ .
وَذكره عَنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" وَسكت عَلَيْهِ ، وَذكره أَيْضا الْحَافِظ قطب الدَّين بن الْقُسْطَلَانِيّ فِي كِتَابه الموسوم "بالأدوية الشافية فِي الْأَدْعِيَة الكافية" .
قلت : لَكِن أَصْرَم بن حَوْشَب الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ قَاضِي همذان وَهُوَ هَالك . قَالَ يَحْيَى : كَذَّاب خَبِيث . وَقَالَ خَ ، م ، س : مَتْرُوك .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ السَّعْدِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات . وَقَالَ الفلاس : مَتْرُوك يُرْمَى بالإرجاء .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن عَلّي - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : يَا عَلّي ، إِذا تَوَضَّأت فَقل : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك تَمام الْوضُوء وَتَمام مغفرتك ورضوانك " .
ذكره الْحَافِظ قطب الدَّين بن الْقُسْطَلَانِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، وَفِي رِوَايَة لَهُ " يَا عَلّي إِذا تَوَضَّأت فَقل : بِسم الله وَالصَّلَاة عَلَى رَسُول الله " .
ورأيته بعد من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن الْحسن بن عَلّي ، عَن عَلّي قَالَ : "أَوْصَانِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِوَصِيَّة ... ." فَذكرهَا بِطُولِهَا ، وَذكر هَذَا فِي آخرهَا .
الحَدِيث الثَّانِي : عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : " دخلت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَبَين يَدَيْهِ إِنَاء من مَاء فَقَالَ لي : يَا أنس ، ادن مني أعلمك مقادير الْوضُوء . فدنوت من رَسُول الله ، فَلَمَّا أَن غسل يَدَيْهِ قَالَ : بِسم الله وَالْحَمْد لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم فَلَمَّا استنجى قَالَ : اللَّهُمَّ حصن فَرجي ﴿وَيسر لي أَمْرِي ﴾. فَلَمَّا أَن تمضمض واستنشق قَالَ : اللَّهُمَّ لقني حجتي وَلَا تحرمني رَائِحَة الْجنَّة . فَلَمَّا أَن غسل وَجهه قَالَ : اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض الْوُجُوه . فَلَمَّا أَن غسل ذِرَاعَيْهِ قَالَ : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني . فَلَمَّا أَن مسح يَدَيْهِ عَلَى رَأسه قَالَ : اللَّهُمَّ غَشنَا بِرَحْمَتك وجنبنا عذابك . فَلَمَّا أَن غسل قَدَمَيْهِ قَالَ : اللَّهُمَّ ثَبت قدمي يَوْم تَزُول
فِيهِ الْأَقْدَام . ثمَّ قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نبيًّا مَا من عبد قَالَهَا عِنْد وضوئِهِ لم يقطر من خلل أَصَابِعه قَطْرَة إِلَّا خلق الله مِنْهَا ملكا يسبح الله - عَزَّ وجَلَّ - بسبعين لِسَانا ، يكون ثَوَاب ذَلِك التَّسْبِيح لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "تَارِيخ الضُّعَفَاء" عَن يَعْقُوب بن إِسْحَاق ، ثَنَا أَحْمد بن هَاشم الْخَوَارِزْمِيّ ، ثَنَا عباد بن صُهَيْب ، عَن حميد الطَّوِيل ، عَن أنس ... فَذكره . وَذكره أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه " الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة " عَن ابْن خيرون ، عَن الْجَوْهَرِي ، عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، عَن ابْن حبَان بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَقد اتهمَ بِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان عباد بن صُهَيْب ، واتهم بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ أَحْمد بن هَاشم .
فَأَما عباد بن صُهَيْب ، فَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : ذهب حَدِيثه . وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير حَتَّى إِذا سَمعهَا الْمُبْتَدِئ شهد لَهَا بِالْوَضْعِ . قلت : لَكِن قَالَ أَبُو دَاوُد : صَدُوق قدري . وَقَالَ أَحْمد : مَا كَانَ بِصَاحِب كذب . وَأما أَحْمد بن هَاشم : فَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : يَكْفِيهِ اتهام الدَّارَقُطْنِيّ . قلت : وَثَّقَهُ الْحَاكِم .
الحَدِيث الثَّالِث : عَن الْبَراء بن عَازِب - رَضي اللهُ عَنهُ - عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : " مَا من عبد يَقُول حِين يتَوَضَّأ : بِسم الله ، ثمَّ يَقُول لكل عُضْو : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله . ثمَّ يَقُول حِين يفرغ : اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين . إِلَّا فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب من الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ ؛ فَإِن قَامَ من فوره ذَلِك فَصَلى رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فيهمَا وَيعلم مَا يَقُول انْفَتَلَ من صلَاته كَيَوْم وَلدته أمه ، ثمَّ يُقَال لَهُ : اسْتَأْنف الْعَمَل " .
أخرجه المستغفري - كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" ثمَّ رَأَيْته بعد فِيهِ - عَن أبي الْعَبَّاس جَعْفَر بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ، عَن أبي بكر مُحَمَّد بن حَامِد بن حَفْص البيكندي ، عَن أبي مُحَمَّد إِسْحَاق بن حَمْزَة بن يُوسُف بن فروخ ، عَن عِيسَى بن مُوسَى غُنْجَار ، عَن أبي حَمْزَة عبد الله بن مُسلم ، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد ، عَن الْبَراء . ثمَّ قَالَ المستغفري : حَدِيث حسن غَرِيب .
الحَدِيث الرَّابِع : عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : " أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِوضُوء فَتَوَضَّأ فَسَمعته يَدْعُو يَقُول : اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي ، ووسع لي فِي دَاري ، وَبَارك لي فِي رِزْقِي . فَقلت : يَا نَبِي الله ، لقد سَمِعتك تَدْعُو بِكَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : وَهل تراهن تركن من شَيْء " .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَاحبه ابْن السّني فِي كِتَابَيْهِمَا "عمل الْيَوْم
وَاللَّيْلَة" قَالَ النَّوَوِيّ فِي " الْأَذْكَار " : وَإِسْنَاده صَحِيح . وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِن رِجَاله رجال الصَّحِيح خلا عباد بن عباد بن عَلْقَمَة ، وَهُوَ ثِقَة كَمَا قَالَه أَبُو دَاوُد وَيَحْيَى بن معِين ، وَذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي " ثقاته " .
وَهَذَا الذّكر يحْتَمل أَن يكون قَالَه بَين ظهراني وضوئِهِ أَو بعده ، وَقد بوّب الْحفاظ لَهُ عَلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا .
وَفِي "المعجم الصَّغِير للطبراني" من حَدِيث عَلّي بن ثَابت ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " يَا أَبَا هُرَيْرَة ، إِذا تَوَضَّأت فَقل : بِسم الله وَالْحَمْد لله ؛ فَإِن حفظتك لَا تستريح ، تكْتب لَك الْحَسَنَات حَتَّى تحدث من ذَلِك الْوضُوء " .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يروه عَن عَلّي بن ثَابت أخي عزْرَة بن ثَابت إِلَّا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ تفرد بِهِ عَمْرو بن أبي سَلمَة .
وَفِي "التَّلْخِيص" لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب ، عَن أنس بن مَالك قَالَ : " من قَرَأَ "قل هُوَ الله أحد" مِائَتي مرّة عَلَى وضوئِهِ فِيمَا بَينه وَبَين
نَفسه ، يعلم قلبه أَن الَّذِي يَقُوله حق ، وَيبدأ بِفَاتِحَة الْكتاب يغْفر لَهُ ذَنْب خمسين سنة ، إِلَّا الدِّمَاء وَالْأَمْوَال ، وَيرْفَع لَهُ من عمله يَوْمئِذٍ عمل الصّديق ، وَله بِكُل مرّة مِنْهَا بَيت فِي الْجنَّة عرضه فَرسَخ وَطوله فِي السَّمَاء ميل " .
فَهَذِهِ أَحَادِيث وَارِدَة عَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَعْضهَا ضَعِيف ، وَبَعضهَا شهد لَهُ بالْحسنِ المستغفري ، وَبَعضهَا لَا أعلم بِهِ بَأْسا ، فَكيف يَقُول الشَّيْخ محيي الدَّين - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا أصل لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقد أَتَى بِعِبَارَة فِي كتاب "الْأَذْكَار" يزِيد فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فَقَالَ : الدُّعَاء الْوَارِد عَلَى أَعْضَاء الْوضُوء لم يَجِئ فِيهِ شَيْء عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد قَالَ الْفُقَهَاء : يسْتَحبّ فِيهِ دعوات جَاءَت عَن السّلف . هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ - سامحنا الله وإياه - وَقد نَص الْعلمَاء - رَضي اللهُ عَنهم - عَلَى أَنه يتَسَامَح فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فَضَائِل الْأَعْمَال . ذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي كِتَابه "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" فِي أول كتاب الدُّعَاء بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ : إِذا روينَا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَحْكَام شددنا فِي الْأَسَانِيد وانتقدنا الرِّجَال ، وَإِذا روينَا فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب والمباحات والدعوات تساهلنا فِي الْأَسَانِيد .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح : نقاد أهل الحَدِيث يتسامحون فِي أَسَانِيد الرغائب والفضائل . وَالْعجب أَن النَّوَوِيّ مِمَّن نقل ذَلِك عَن
الْعلمَاء ؛ فَقَالَ فِي كتاب "الْأَذْكَار" - وَغَيره من كتبه - : قَالَ الْعلمَاء من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم : يجوز وَيسْتَحب الْعَمَل فِي الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف مَا لم يكن مَوْضُوعا ، وَأما الْأَحْكَام كالحلال وَالْحرَام وَالْبيع وَالنِّكَاح وَالطَّلَاق وَغير ذَلِك ؛ فَلَا يعْمل فِيهَا إِلَّا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح أَو الْحسن إِلَّا أَن يكون فِي الِاحْتِيَاط شَيْء من ذَلِك ، كَمَا إِذا ورد حَدِيث ضَعِيف بِكَرَاهَة بعض الْبيُوع أَو الْأَنْكِحَة ؛ فَإِن الْمُسْتَحبّ أَن يتنزه عَنهُ ولَكِن لَا يجب .
هَذَا لَفظه برمتِهِ فِي كِتَابه الْأَذْكَار ، وَيُمكن أَن يُجَاب عَن كَلَامه الْمُتَقَدّم بِأَن هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي أوردناها غَرِيبَة عزيزة فِي خبايا وزوايا ، وَلَيْسَت فِي كتب السّنَن وَالْمَسَانِيد الْمَشْهُورَة ؛ فلأجل ذَلِك قَالَ مَا قَالَ ، رحمنا الله وإياه .