الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتُّونَ إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم
الحَدِيث الثَّانِي : عَن عمر - رَضي اللهُ عَنهُ - أَيْضا قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين . فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عمرَان الثَّعْلَبِيّ الْكُوفِي ، نَا زيد بن حبَان ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن ربيعَة بن يزِيد الدِّمَشْقِي ، عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ ، وَأبي عُثْمَان ، عَن عمر . . فَذكره .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده اضْطِرَاب ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي هَذَا الْبَاب كَبِير شَيْء قَالَ مُحَمَّد : وَأَبُو إِدْرِيس لم يسمع من عمر شَيْئا .
قلت : وَطَرِيق حَدِيث مُسلم الْمُتَقَدّمَة سَالِمَة من هَذَا الِاعْتِرَاض ؛
فَإِنَّهُ ذكرهَا عَن ربيعَة ، عَن أبي إِدْرِيس ، وَأبي عُثْمَان ، عَن جُبَير بن نفير ، عَن عقبَة . وَطَرِيق التِّرْمِذِيّ هَذِه معللة بالانقطاع بَين أبي إِدْرِيس وَعمر ، وَذكر الْحَافِظ عبد الْحق فِي " الْأَحْكَام " هَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان وَقَالَ : سكت عَنهُ مصححًا لَهُ وَهُوَ مُنْقَطع . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " علله " : سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ : هُوَ خطأ ، إِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن ربيعَة بن يزِيد ، عَن أبي إِدْرِيس ، عَن عقبَة ، عَن عمر وَمُعَاوِيَة ، عَن ربيعَة بن يزِيد ، عَن أبي عُثْمَان ، عَن جُبَير بن نفير ، عَن عمر . قَالَ : وَلَيْسَ لأبي إِدْرِيس سَماع من عمر . قلت : من أَبُو عُثْمَان هَذَا ؟ قَالَ : شيخ لم أعرفهُ . وَقد نَص التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " عَلَى أَن أَبَا إِدْرِيس لم يسمع من عمر ، وَالْقَوْل بِأَن أَبَا عُثْمَان لم يسمعهُ من عمر هُوَ لأجل إِدْخَال جُبَير بن نفير بَينهمَا .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : لمن صَححهُ أَن يَجْعَل رِوَايَة أبي إِدْرِيس وَأبي عُثْمَان عَن عمر مُرْسلَة ، وَيَأْخُذ بِالزِّيَادَةِ فِي إِثْبَات عقبَة
ابن عَامر بَين أبي إِدْرِيس وَعمر ، وَإِثْبَات جُبَير بن نفير بَين أبي عُثْمَان وَعمر ، فَإِن الْأَخْذ بِالزَّائِدِ أولَى . قَالَ : وَلما أخرجه ابْن مَنْدَه قَالَ : هَذَا حَدِيث مَشْهُور من طرق عَن عقبَة بن عَامر ، وَعَن عمر بن الْخطاب ، أخرجه مُسلم ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى رسم أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ ، وَفِيه زيادات .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : وَرويت الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة غير عمر .
الحَدِيث الثَّالِث : عَن ثَوْبَان - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله . فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " .
رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي "سنَنه" - كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" - قَالَ الْبَزَّار : لَا نعلمهُ يرْوَى عَن ثَوْبَان إِلَّا من هَذَا الْوَجْه .
قلت : ورأيته فِي أَوَائِل الْجُزْء الثَّانِي انتقاء الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ قَالَ عقبه : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، تفرد بِهِ أَبُو سعد الْبَقَّال سعيد بن الْمَرْزُبَان .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة
وَلَفظه : " من تَوَضَّأ فَقَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله . فتحت لَهُ أَبْوَاب الثَّمَانِية من الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " .
وَرَوَاهُ المستغفري فِي الدَّعْوَات بِلَفْظ : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين ..." الحَدِيث .
الحَدِيث الرَّابِع : عَن أنس بن مَالك - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ ثَلَاث مَرَّات : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله . فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة من أَيهَا شَاءَ دخل " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَابْن السّني فِي "عمل يَوْم وَلَيْلَة" وَفِي إِسْنَاده : زيد الْعمي ، وَقد تقدم أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ فِي الْبَاب .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" : وَأخرجه المستغفري فِي الدَّعْوَات وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حسن .
قلت : رَأَيْته فِيهِ ، وَأخرجه أَحْمد فِي "الْمسند" بالسند الْمَذْكُور وَأسْقط "أشهد" من الثَّانِيَة ، وَقَالَ : "فتح لَهُ من الْجنَّة ثَمَانِيَة أَبْوَاب من أَيهَا شَاءَ دخل" .
الحَدِيث الْخَامِس : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من تَوَضَّأ فَقَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ،
أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك . كتب فِي رق ثمَّ طبع بِطَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي "الْيَوْم وَاللَّيْلَة" هَكَذَا من حَدِيث يَحْيَى بن كثير أبي غَسَّان ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي هَاشم ، عَن أبي مجلز ، عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد . ثمَّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن بشار ، عَن مُحَمَّد ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي هَاشم قَالَ : سَمِعت أَبَا مجلز يحدث عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد قَالَ : "مَا من مُسلم يتَوَضَّأ وَيَقُول : سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك ..." ذكره مَوْقُوفا .
وَإسْنَاد هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ - أَعنِي المرفوعة والموقوفة - صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم لَا نعلم طَعنا فِي وَاحِد من رِجَاله ، بل هم أَئِمَّة أَعْلَام ثِقَات .
وَرَوَاهُ المستغفري فِي "دعواته" " من قَالَ إِذا تَوَضَّأ : بِسم الله . وَإِذا فرغ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، أستغفرك
وَأَتُوب إِلَيْك . طبع عَلَيْهَا بِطَابع ، وَوضعت تَحت الْعَرْش ، فَلَا تكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي سعيد مَوْقُوفَة " من تَوَضَّأ ففرغ من وضوئِهِ فَقَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ، أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك . ختم عَلَيْهَا بِخَاتم ثمَّ وضعت تَحت الْعَرْش فَلَا يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث رَفعه قيس وَوَقفه سُفْيَان الثَّوْريّ . وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط معاجمه" بعد أَن رَوَاهُ : لم يروه مَرْفُوعا عَن شُعْبَة إِلَّا يَحْيَى بن كثير . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْخَبَر الأول من فَوَائِد أبي إِسْحَاق الْمُزَكي من حَدِيث عِيسَى بن شُعَيْب ، عَن روح بن الْقَاسِم ، عَن أبي هَاشم مَرْفُوعا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَهُوَ غَرِيب عَن روح بن الْقَاسِم ، تفرد بِهِ عِيسَى بن شُعَيْب . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب " : هَذَا حَدِيث حسن . وَقَالَ الْحَازِمِي : إِسْنَاده حسن ثَابت وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا ، وَرَفعه ضَعِيف .
قلت : حكمه عَلَى رِوَايَة الرّفْع بالضعف خطأ ، وَكَذَلِكَ قَول ابْن الصّلاح فِيهِ : " رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد لَيْسَ بِالْقَوِيّ " لَيْسَ بجيد مِنْهُ ،
وَكَذَلِكَ حكم النَّوَوِيّ فِي " الْأَذْكَار " و" الْخُلَاصَة " عَلَيْهِ بالضعف لَا يقبل ، وَأغْرب من ذَلِك قَوْله فِي " شرح الْمُهَذّب " : رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي "عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة" بِإِسْنَاد غَرِيب ضَعِيف ، رَوَاهُ مَرْفُوعا وموقوفًا عَلَى أبي سعيد ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيف الْإِسْنَاد . هَذَا لَفظه ، وواعجباه ؛ كَيفَ يكون إِسْنَاده غَرِيبا أَو ضَعِيفا ؟ ! فرجاله أَئِمَّة أَعْلَام ثِقَات ، وهاك سبر أَحْوَالهم لنقضي الْعجب من هَذِه المقالات ونثلج إِلَى قَلْبك الْيَقِين .
أما يَحْيَى بن كثير أَبُو غَسَّان فَأخْرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة وَهُوَ ثِقَة . وَأما شُعْبَة فَهُوَ ابْن الْحجَّاج الْعَتكِي الْحَافِظ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث أخرج لَهُ السِّتَّة أَيْضا . وَأما أَبُو هَاشم فَهُوَ الرماني الوَاسِطِيّ اسْمه : يَحْيَى ، وَقيل : نَافِع ، ثِقَة أخرج لَهُ السِّتَّة أَيْضا . وأما أَبُو مجلز فاسمه لَاحق بن حميد السدُوسِي ثِقَة أخرج لَهُ السِّتَّة أَيْضا . وَأما قيس بن عباد فَهُوَ الْقَيْسِي أَبُو عبد الله ثِقَة مُتَألِّه ، أخرجُوا لَهُ ماعدا التِّرْمِذِيّ .
هَذَا حَال رِوَايَة الرّفْع ، وَأما رِوَايَة الْوَقْف فمحمد بن بشار هُوَ الْحَافِظ ، أخرج لَهُ السِّتَّة وَبَاقِي الْإِسْنَاد مثل الأول فَهَذَا الْإِسْنَاد من
طريقيه كَالشَّمْسِ لَا جرم أخرجه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي ذكر فَضَائِل سور وآي مُتَفَرِّقَة عَن أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن عُثْمَان الْمُقْرِئ ، نَا أَبُو قلَابَة عبد الْملك بن مُحَمَّد ، ثَنَا يَحْيَى بن كثير ، نَا شُعْبَة ، عَن أبي هَاشم ، عَن أبي مجلز ، عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف كَمَا أنزلت كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة من مقَامه إِلَى مَكَّة ، وَمن قَرَأَ عشر آيَات من آخرهَا ثمَّ خرج الدَّجَّال لم يُسَلط عَلَيْهِ ، وَمن تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك . كتب برق ثمَّ طبع بِطَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ : سُفْيَان الثَّوْريّ رَوَاهُ عَن أبي هَاشم فَوَقفهُ . ثمَّ أخرجه عَن الْقطيعِي ، عَن عبد الله بن أَحْمد ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن مهْدي ، عَن سُفْيَان ، عَن أبي هَاشم ، عَن أبي مجلز ، عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد قَالَ : "من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف ..." فَذكر نَحوه .
وَرَأَيْت فِي " علل الدَّارَقُطْنِيّ " أَن وقف هَذَا الحَدِيث هُوَ الصَّوَاب .
وَعَن النَّسَائِيّ أَن رَفعه خطأ وَأَن الصَّوَاب وَقفه ، وَلَك أَن
تَقول : أَي دَلِيل عَلَى صَوَاب رِوَايَة الْوَقْف وَخطأ رِوَايَة الرّفْع ، ورواة هَذِه هم رُوَاة هَذِه ؟ وَالْحق - إِن شَاءَ الله - الَّذِي لَا يَتَّضِح غَيره أَن رِوَايَة الرّفْع صَرِيحَة صَحِيحَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ .
"الطابع" الْمَذْكُور فِي الحَدِيث : بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا لُغَتَانِ فصيحتان ، وَهُوَ الْخَاتم ، وَمَعْنى طبع : ختم . و"الرَق" الْمَذْكُور فِيهِ مَفْتُوح الرَّاء .
وَقَوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : "فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" مَعْنَاهُ لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إبِْطَال وإحباط .