الحَدِيث السَّابِع نَهَانَا رَسُول الله أَن نستقبل الْقبْلَة بفروجنا
الحَدِيث السَّابِع عَن جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : نَهَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستقبل الْقبْلَة بفروجنا ، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وخلافياته وَفِي لفظ بَعضهم زِيَادَة : أَو تستدبر بعد وَأَن نستقبل الْقبْلَة . وَلَفظ ابْن حبَان كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينهانا أَن نستقبل الْقبْلَة ونستدبرها بفروجنا إِذا أهرقنا المَاء ، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام يَبُول مُسْتَقْبل الْقبْلَة .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الخلافيات : قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : حَدِيث صَحِيح . وَكَذَا نقل هَذِه الْمقَالة عَن البُخَارِيّ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام ، وَقَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم يرْوَى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد .
وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَفِي كَونه عَلَى شَرطه نظر ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده : ابْن إِسْحَاق ، وَلم يحْتَج بِهِ مُسلم إِنَّمَا أخرج لَهُ مُتَابعَة ، وَقَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن أبان ، وَابْن إِسْحَاق مُدَلّس ، والمدلس إِذا قَالَ : عَن لَا يحْتَج بِهِ ، فَكيف حسنه التِّرْمِذِيّ ؟ ! وَأجَاب عَن هَذَا بِأَن قَالَ : لَعَلَّه اعتضدا وَعلم أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بطرِيق آخر أَن ابْن إِسْحَاق سَمعه من أبان . قلت : زَالَ هَذَا الْإِشْكَال والتَّمَنِّي بِأَن أَحْمد فِي الْمسند ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالُوا كلهم فِي روايتهم لهَذَا الحَدِيث : عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، حَدثنِي أبان فارتفعت وصمة التَّدْلِيس .
وَزعم ابْن عبد الْبر أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح ؛ لضعف أبان بن صَالح ، وَهَذَا تَعْلِيل سَاقِط ؛ فَإِن أبان هَذَا لم يُضعفهُ أحد ، وَهُوَ أبان بن صَالح بن عُمَيْر الْقرشِي مَوْلَاهُم أَبُو بكر الْمدنِي ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي التَّهْذِيب : أخرج لَهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَأَبُو حَاتِم ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَثَّقَهُ المزكون يَحْيَى بن معِين ، وَأَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم الرازيان .
وَقَالَ ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم - : لم يجرح أَبَانَا هَذَا أحد فِيمَا أعلم . وَفِي هَذَا رد عَلَى قَول أبي مُحَمَّد بن حزم أَيْضا حَيْثُ قَالَ : أبان هَذَا لَيْسَ بالمشهور . قلت : فتلخص من هَذَا كُله أَن الحَدِيث صَحِيح مَعْمُول بِهِ ، وَأما قَول ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم - : إِن الحَدِيث غير صَحِيح ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق ، وَلَيْسَ هُوَ عندنَا مِمَّن يحْتَج بحَديثه .
فَلَا يقبل مِنْهُ ؛ لِأَن الْمَحْذُور الَّذِي يخَاف من ابْن إِسْحَاق زَالَ فِي هَذَا الحَدِيث .