الحَدِيث التَّاسِع لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجرى ثمَّ يغْتَسل فِيهِ . وَقَالَ مُسلم : يغْتَسل مِنْهُ .
وَله : لَا يغْتَسل أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَهُوَ جنب . قَالَ : كَيفَ يفعل يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ قَالَ : يتَنَاوَلهُ تناولاً . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن حبَان : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَلَا يغْتَسل فِيهِ من الْجَنَابَة .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يشرب . قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الراكد . قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة ، رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، عَن ابْن عجلَان ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء .
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - بِزِيَادَة : ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ . وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يبال فِي المَاء الراكد . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من هَذِه الطَّرِيق ، وَلَفظه : زجر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبال فِي المَاء الراكد وَهُوَ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن أبي الزبير عَنهُ .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : نهَى - أَو نُهي - أَن يَبُول الرجل فِي المَاء الدَّائِم أَو الراكد ، ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يغْتَسل مِنْهُ . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يجوده عَن ابْن عون غير أبي عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ . قلت : وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة أُخْرَى رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى ، نَا مُحَمَّد بن الْمُبَارك ، ثَنَا يَحْيَى بن حَمْزَة ، ثَنَا ابْن أبي فَرْوَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الناقع .
وَطَرِيقَة أُخْرَى رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث الْحَارِث بن يزِيد الْجُهَنِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينْهَى أَن يبال فِي المَاء الْمُجْتَمع والمستنقع . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ ثمَّ يغْتَسل فِيهِ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم : الرِّوَايَة يغْتَسل مَرْفُوع ؛ أَي : لَا تبل ثمَّ أَنْت تَغْتَسِل مِنْهُ . وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه الْمُفْهم أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة : يغتسلُ مَرْفُوع اللَّام .
قَالَ النَّوَوِيّ : وَذكر شَيخنَا أَبُو عبد الله بن مَالك أَنه يجوز أَيْضا جزمه عطفا عَلَى يبولن ، ونصبه بإضمار أَن وَإِعْطَاء ثمَّ حكم وَاو الْجمع . قَالَ : فَأمر الْجَزْم فَظَاهر ، وَأما النصب فَلَا يجوز ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن الْمنْهِي عَنهُ الْجمع بَينهمَا دون إِفْرَاد أَحدهمَا ، وَهَذَا لم يقلهُ أحد ؛ بل الْبَوْل فِيهِ مَنْهِيّ عَنهُ سَوَاء أَرَادَ الِاغْتِسَال فِيهِ أَو مِنْهُ أم لَا . انْتَهَى كَلَام النَّوَوِيّ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يجوز النصب إِذْ لَا ينْتَصب بإضمار أَن بعد ثمَّ . قَالَ : والجزم لَيْسَ بِشَيْء إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ : ثمَّ لَا يغتسلن ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك يكون عطف فعل عَلَى فعل لَا عطف جملَة عَلَى جملَة وَحِينَئِذٍ يكون الأَصْل مُسَاوَاة الْفِعْلَيْنِ فِي النَّهْي عَنْهُمَا ، وتأكيدهما بالنُّون الشَّدِيدَة ، فَإِن الْمحل الَّذِي توارد عَلَيْهِ شَيْء وَاحِد وَهُوَ المَاء فعدوله عَن ثمَّ لَا يغتسلن دَلِيل عَلَى أَنه لم يرد الْعَطف ، وَإِنَّمَا جَاءَ ثمَّ يغْتَسل عَلَى التَّنْبِيه عَلَى حَال الْحَال ، وَمَعْنَاهُ : أَنه إِذا بَال فِيهِ قد يحْتَاج إِلَيْهِ فَيمْتَنع عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله لما أوقع فِيهِ من الْبَوْل ، انْتَهَى كَلَام الْقُرْطُبِيّ . قَالَ شَيخنَا فتح الدَّين : وَالتَّعْلِيل الَّذِي علل بِهِ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ امْتنَاع النصب ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من كَون هَذَا الحَدِيث لَا يتَنَاوَل النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد مفرده ، وَلَيْسَ يلْزم أَن يدل عَلَى الْأَحْكَام المتعددة بِلَفْظ وَاحِد فَيُؤْخَذ النَّهْي عَن الْجمع من هَذَا الحَدِيث وَالنَّهْي عَن الْإِفْرَاد من حَدِيث آخر .