الحَدِيث الْخَامِس عشر كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، الأول والأخير فِي هَذَا الْبَاب والثَّانِي فِي اللبَاس وَالثَّالِث فِي الزِّينَة ، من رِوَايَة أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيحه وتضعيفه فضعفه جمَاعَة ، قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَإِنَّمَا يُعرف عَن ابْن جريج ، عَن زِيَاد بن سعد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اتخذ خَاتمًا من وَرِقٍ ثمَّ أَلْقَاهُ وَالوهم فِيهِ من همام ، وَلم يروه إِلَّا همام . وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث يروه هَكَذَا همام عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس مَرْفُوعا ، رَوَاهُ عَنهُ كَذَلِك سعيد بن عَامر ، وهدبة بن خَالِد ، وَخَالَفَهُمَا عَمْرو بن عَاصِم ؛ فَرَوَاهُ عَن همام ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس مَرْفُوعا ، وَلم يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَرَوَاهُ جماعات عَن ابْن جريج ، عَن زِيَاد بن سعد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَنه رَأَى فِي يَد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَاتمًا من ذهب فَرَمَى بِهِ وَقَالَ : وَالله لَا ألبسهُ أبدا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ وَهُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ الْمَشْهُور عَن ابْن جريج دون حَدِيث همام .
وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح وَقَالَ : هُوَ وهم وَقَالَ الْحَازِمِي : لم يرو هَذَا الحَدِيث بِهَذَا السِّيَاق إِلَّا همام . وَوهم فِي ذَلِك . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث ضعفه أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَخَالفهُم التِّرْمِذِيّ فصححه .
وقَالَ فِي الْخُلَاصَة : وَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ . انْتَهَى من ضعفه . وَالصَّوَاب أَنه حَدِيث صَحِيح بِلَا شكّ وَلَا مرية ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب عِنْدِي ؛ فَإِن رُوَاته كلهم ثِقَات أثبات .
وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد : همام هَذَا هُوَ أَبُو عبد الله همام بن يَحْيَى بن دِينَار الْأَزْدِيّ العوذي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ ، وَإِن كَانَ قد تكلم فِيهِ بَعضهم فقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَى الِاحْتِجَاج بحَديثه ، وَقَالَ يزِيد بن هَارُون : همام قوي فِي الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة صَالح . وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ .
وَقَالَ ابْن عدي الْجِرْجَانِيّ : همام أشهر وأصدق من أَن يذكر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، أَو لَهُ حَدِيث مُنكر ؟ ! وَأَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة عَن قَتَادَة ، وَهُوَ مقدم أَيْضا فِي يَحْيَى بن أبي كثير ، وَعَامة مَا يرويهِ مُسْتَقِيم . قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد وَهُوَ الْمُنْذِرِيّ : فَإِذا كَانَ حَال همام كَذَلِك فيترجح مَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وتفرده بِهِ لَا يوهن الحَدِيث ، وَإِنَّمَا يكون غَرِيبا كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ . قلت : لم يتفرد همام بِهِ ، وَكَأن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ تبع فِي ذَلِك مقَالَة أبي دَاوُد الَّتِي قدمناها عَنهُ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : تَابعه عَلَيْهِ يَحْيَى بن الضريس ، عَن ابْن جريج .
وَيَحْيَى بن الضريس ثِقَة ، وَتَابعه أَيْضا يَحْيَى بن المتَوَكل وَهُوَ ثِقَة - كَمَا سَيَأْتِي - فعلَى هَذَا انْتَفَى دَعْوَى التِّرْمِذِيّ غرابته . ويرجح مَا جنح إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ من تَصْحِيحه أَيْضا مَا قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَهُوَ ضعف الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى وهم همام ؛ فَإِن انْتِقَال الذِّهْن من قَوْلنَا : اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ إِلَى قَوْله : كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه لَا يكون إِلَّا عَن غَفلَة شَدِيدَة لَا يحْتَمل مثل همام مثلهَا ، نعم فِي رِوَايَة هدبة بن خَالِد ، عَن همام : وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس ، وَهَذِه عبارَة تشعر بِعَدَمِ تَيَقّن ، فَإِن كَانَ قَائِل هَذَا الْكَلَام هُوَ هدبة فَلَا يضر ، وَإِن كَانَ هُوَ همام فقد يضم إِلَى مُخَالفَة الْجُمْهُور لَهُ ويوقع شَيْئا فِي الْوَهم ، وَعَلَى الْجُمْلَة فالجاري عَلَى قَوَاعِد الْفِقْه وَالْأُصُول قبُول رِوَايَة الثِّقَة فِي مثل هَذَا ، مَعَ أَن لَهُ شَاهدا من رِوَايَة يَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي ، عَن يَحْيَى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لبس خَاتمًا نقشه : مُحَمَّد رَسُول الله . فَكَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وَضعه .
أخرجه الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : هَذَا شَاهد ضَعِيف . قلت : فِيهِ نظر إِذْ لَيْسَ فِي إِسْنَاده من تكلم فِيهِ ، وَيَحْيَى بن المتَوَكل لَا أعلم فِيهِ إِلَّا قَول ابْن حبَان : إِنَّه يُخطئ . وَصَححهُ الْحَاكِم من طَرِيقه - كَمَا سَيَأْتِي - وَلَيْسَ هَذَا بِيَحْيَى بن المتَوَكل الَّذِي يُقَال لَهُ أَبُو عقيل ، ذَاك ضَعِيف كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن الْمُبَارك ، وَأحمد ، وابْن الْمَدِينِيّ ، وَابْن معِين وَغَيرهم ، وَقد فرق بَينهمَا الْمزي وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ .
وَله شَاهد ثَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء نزع خَاتمه رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الجوزقاني فِي كتاب الموضوعات رادًّا بِهِ عَلَى حَدِيث عَلّي الَّذِي سأذكره آخر الْبَاب من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن الْمنْهَال بن عَمْرو ، عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ . وَقد صحّح الحَدِيث الْمَذْكُور مَعَ التِّرْمِذِيّ إمامان جليلان ، أَحدهمَا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فَإِنَّهُ أخرجه بعد أَن ترْجم الْخَبَر الدَّال عَلَى نفي إجَازَة دُخُول الْخَلَاء بِشَيْء فِيهِ ذكر الله عَن عمرَان بن مُوسَى بن مجاشع ، ثَنَا هدبة بن خَالِد ، ثَنَا همام بن يَحْيَى ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه . ثمَّ قَالَ : ذكر السَّبَب الَّذِي من أَجله كَانَ يضع خَاتمه عِنْد دُخُول الْخَلَاء ، أَنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي عون ، ثَنَا أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ، ثَنَا أبي ، عَن ثُمَامَة ، عَن أنس قَالَ : كَانَ نقش خَاتم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاث أسطر : مُحَمَّد سطر ، وَرَسُول سطر ، وَالله سطر .
وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي أَخْلَاق سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من حَدِيث أنس أَيْضا ، وَلَفظه كَانَ فص خَاتم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حبشِي وَكَانَ مَكْتُوب عَلَيْهِ : لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله . لَا إِلَه إِلَّا الله سطر ، وَمُحَمّد رَسُول الله سطر وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ثُمَامَة ، عَن أنس قَالَ : كَانَ نقش خَاتم رَسُول الله ثَلَاثَة أسطر : مُحَمَّد سطر ، وَرَسُول سطر ، وسطر الله . وَالثَّانِي : الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَإِنَّهُ أخرجه فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ عَن عَلّي بن حمشاذ الْعدْل ، ثَنَا عبد الله بن أَيُّوب بن زَاذَان ح .
قَالَ : وَأخْبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن بَالَوَيْهِ ، نَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَا : ثَنَا هدبة بن خَالِد ، نَا همام ، نَا ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ - قَالَ : وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن الزُّهْرِيّ - عَن أنس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه . قَالَ الْحَاكِم : وثنا عَلّي بن حمشاذ ، ثَنَا عبيد بن عبد الْوَاحِد ، ثَنَا يَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي ، ثَنَا يَحْيَى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لبس خَاتمًا نقشه : مُحَمَّد رَسُول الله . فَكَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وَضعه .
قَالَ الْحَاكِم فِي هَذَا الْبَاب : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَإِنَّمَا أخرجَا حَدِيث نقش الْخَاتم فَقَط . فتلخص من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة أَنه حَدِيث صَحِيح مُحْتَج بِهِ ، وَهُوَ الْحق - إِن شَاءَ الله - لَا جرم ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد فِي آخر كِتَابه الاقتراح فِي الْقسم الرَّابِع فِي أَحَادِيث رَوَاهَا من أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلم يخرجَا تِلْكَ الْأَحَادِيث . قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : وَإِنَّمَا نزع خَاتمه لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله .
قلت : هُوَ كَمَا قَالَ فقد أخرجه بِهَذِهِ الزِّيَادَة الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كَمَا مر ، وَأما النَّوَوِيّ فَقَالَ كَمَا قَالَ صَاحب الْمُهَذّب : وَإِنَّمَا نَزعه ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ : مُحَمَّد رَسُول الله . قَالَ : هَذَا هُوَ من كَلَام المُصَنّف لَا من الحَدِيث . قَالَ : لكنه صَحِيح ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن نقش خَاتمه كَانَ : مُحَمَّد رَسُول الله هَذَا لَفظه برمتِهِ ، وَكَذَلِكَ فصل الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب فجعلهما حديثين ، وَقد مر فِي رِوَايَة الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَن ذَلِك كُله ورد فِي حَدِيث وَاحِد .
وَمن الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره ابْن الجوزقاني فِي مَوْضُوعَاته وَابْن الْجَوْزِيّ فِي علله - وَضَعفه - عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء حول خَاتمه فِي يَمِينه ؛ فَإِذا خرج وَتَوَضَّأ حوله فِي يسَاره . وَفِي كَامِل ابْن عدي من حَدِيث ابْن عمر قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتختم فِي خِنْصره الْأَيْمن ؛ فَإِذا دخل الْخَلَاء جعل الْكِتَابَة مِمَّا يَلِي كَفه ذكره فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ، وَهُوَ مَتْرُوك . فَائِدَة : فِي الْخَاتم لُغَات شهيرة ، مِنْهَا أَربع لُغَات : فتح التَّاء وَكسرهَا ، وخاتام وخيتام وَفِي الْمدْخل لِابْنِ هِشَام لُغَتَانِ أخرتان : ختام وَختم .
وَقَوله : إِذا دخل : إِذا أَرَادَ الدُّخُول . والخلاء - بِالْمدِّ - : الْموضع الْخَالِي .