الحَدِيث الرَّابِع عشر اتَّقوا الْملَاعن وَأَعدُّوا النبل
الحَدِيث الرَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اتَّقوا الْملَاعن وَأَعدُّوا النبل . هَذَا الحَدِيث تبع الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده إِمَام الْحَرَمَيْنِ ، وَهُوَ غَرِيب ، وَلم يُخرجهُ أحد من أَصْحَاب السّنَن وَلَا المسانيد ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله كَمَا تقدم قَرِيبا فِي الحَدِيث الثَّانِي عشر ، وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج ، عَن الشّعبِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أبعدوا الْآبَار إِذا ذهبتم الْغَائِط ، وَأَعدُّوا النبل - يَعْنِي : الْحِجَارَة الَّتِي يتمسح بهَا - وَاتَّقوا الْملَاعن : لَا يتغوط أحدكُم تَحت شَجَرَة ينزل تحتهَا أحد ، وَلَا عِنْد مَاء يُشرب مِنْهُ ، فَيدعونَ الله عَلَيْكُم .
وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي غَرِيب الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، عَن عِيسَى بن أبي عِيسَى الْخياط ، عَن الشّعبِيّ ، عَمَّن سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : اتَّقوا الْملَاعن وأعدو النبل . وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة ؛ فَإِن عِيسَى بن أبي عِيسَى الْمَذْكُور ضَعِيف وَيُقَال فِيهِ : الْخياط والحناط والخباط ، كَانَ فِي أول أمره خياطًا ، ثمَّ صَار حناطًا يَبِيع الْحِنْطَة ، ثمَّ صَار خباطًا يَبِيع الْخبط . قَالَ النَّسَائِيّ : هُوَ مَتْرُوك .
وَقَالَ أَحْمد : لَا يُسَاوِي شَيْئا . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف .
وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ سيء الْحِفْظ والفهم ؛ فَاسْتحقَّ التّرْك . وَقد صرح غير وَاحِد من الْأَئِمَّة بِأَن هَذَا حَدِيث ضَعِيف . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : رَوَاهُ بعض أَصْحَاب الْغَرِيب وَلم أَجِدهُ ثَابتا .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت ، وَلَا يحْتَج بِهِ . قلت : وَلم يظفرا - رحمهمَا الله - بِالطَّرِيقِ الَّتِي قدمناها عَن علل ابْن أبي حَاتِم وَلَا شكّ وَلَا مرية فِي كَونهَا أَجود من هَذِه الطَّرِيق الَّتِي ذكرهَا أَبُو عبيد ، وَلم يعللها ابْن أبي حَاتِم إِلَّا بِأَن عبد الرَّزَّاق أسْندهُ ، وَإِنَّمَا يَرْوُونَهُ مَوْقُوفا ، وَلَك أَن تَقول الرّفْع زِيَادَة من ثِقَة ، وَهِي مَقْبُولَة عَلَى مَا تقرر غير مرّة . قَالَ أَبُو عبيد : وَقَالَ الْأَصْمَعِي : أرَى النُّبَل - بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء - يُقَال : نبلني أحجارًا للاستنجاء ، أَي : أعطنيها .
قَالَ أَبُو عبيد : وَسمعت مُحَمَّد بن الْحسن يَقُول : النبل هِيَ حِجَارَة الِاسْتِنْجَاء قَالَ أَبُو عبيد : والمحدثون يَقُولُونَ : النَّبل بِالْفَتْح - يَعْنِي : بِفَتْح النُّون - أَيْضا ونراها إِنَّمَا سميت نبْلًا لصغرها وَهَذَا من الأضداد . فِي كَلَام الْعَرَب أَن يُقَال للعظام : نبل ، وللصغار : نبل . وَقَالَ الْخطابِيّ فِي إصْلَاح الْأَلْفَاظ الَّتِي يصحفها الروَاة : يرْوَى النبل بِضَم النُّون وَفتحهَا ، وَأكْثر الْمُحدثين يروونها بِالْفَتْح ، والأجود الضَّم .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : النبل - بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة - الْأَحْجَار الصغار . وَلم يذكر غير هَذَا ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته فِي هَذَا الحَدِيث : النبل هِيَ الْحِجَارَة الصغار الَّتِي يُستَنْجَى بهَا ، وَاحِدهَا نبلة ، كغرفة وغرف ، والمحدثون يفتحون النُّون وَالْبَاء كَأَنَّهُ جمع نبيل فِي التَّقْدِير ، والنبل بِالْفَتْح فِي غير هَذَا الْكِبَار من الْإِبِل وَالصغَار . وَهُوَ من الأضداد .
وَفِي شرح التَّعْجِيز لمصنفه : النبل - بِضَم الْبَاء - جمع نبيل كسرير وسرر . وَقَالَ الْجَوْهَرِي : المحدثون يَقُولُونَهُ بِفَتْح الْبَاء جمع نبيل كسورة وسور . قلت : ويغني عَن هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد ، والدرامي فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمْ ، عَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار يَسْتَطِيب بِهن ؛ فَإِنَّهَا تُجزئه .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : إِسْنَاده حسن ، وَقَالَ فِي علله : إِسْنَاد مُتَّصِل صَحِيح .