الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ إِن الله أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء وَكَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء والْأَحْجَار
فَائِدَة : قبَاء الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث فِيهَا سِتّ لُغَات : التَّذْكِير والتأنيث ، وَالْمدّ وَالْقصر ، وَالصرْف وَعَدَمه ، وَالأَصَح الْأَشْهر : مده وَصَرفه وتذكيره ، وَمِمَّنْ حَكَى هَذِه اللُّغَات وأرجحيتها الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي "شرح الْمسند" ، وَالنَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" وَهِي قَرْيَة عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة ، وَقيل : أَصْلهَا اسْم بِئْر هُنَاكَ يُسمى : بِئْر أريس وَهِي الَّتِي وَقع فِيهَا خَاتم سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من يَد عُثْمَان ، وَثَبت فِي "الصَّحِيح" "أَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يزور قبَاء كل سبت رَاكِبًا وماشيًا" هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ؛ فَالله الْمُوفق للصَّوَاب .
وَأما آثاره فَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : سَبَب الْمَنْع فِي تَحْرِيم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء مَا ذكره الْأَصْحَاب : أَن الصَّحرَاء لَا تَخْلُو من مصلٍ من ملك أَو جني أَو إنسي ؛ فَرُبمَا يَقع بَصَره عَلَى عَوْرَته ، فَأَما فِي
الْأَبْنِيَة والحشوش فَلَا يحضرها إِلَّا الشَّيَاطِين ، وَمن يُصَلِّي يكون خَارِجا مِنْهَا فيحول الْبناء بَينه وَبَين الْمُصَلِّي ، وَلَيْسَ السَّبَب مُجَرّد احترام الْكَعْبَة . وَقد نقل مَا ذَكرُوهُ عَن الشّعبِيّ .
قلت : هُوَ كَذَلِك ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار ، ثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري ، نَا مُوسَى بن دَاوُد ، نَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ، عَن عِيسَى بن أبي عِيسَى قَالَ : قلت لِلشَّعْبِيِّ : "عجبت لقَوْل أبي هُرَيْرَة وَنَافِع عَن ابْن عمر . قَالَ : وَمَا قَالَا ؟ قلت : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : " لَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها " . وَقَالَ نَافِع عَن ابْن عمر : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذهب مذهبا مواجه الْقبْلَة " فَقَالَ : أما قَول أبي هُرَيْرَة فَفِي الصَّحرَاء ، إِن لله خلقا من عباده يصلونَ فِي الصَّحرَاء ؛ فَلَا تستقبلوهم وَلَا تستدبروهم ، وَأما بُيُوتكُمْ هَذِه الَّتِي تتخذونها للنتن ؛ فَإِنَّهُ لَا قبْلَة لَهَا" .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : عِيسَى بن أبي عِيسَى الحناط ، وَهُوَ عِيسَى بن ميسرَة وَهُوَ ضَعِيف . وَقد تقدم أَقْوَال الْأَئِمَّة فِي عِيسَى فِي هَذَا الْبَاب . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَنقل مَا ذَكرُوهُ عَن ابْن عمر أَيْضا .
قلت : لَا أعلم من خرجه عَنهُ . قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا التَّعْلِيل الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ لَو قعد قَرِيبا من حَائِط واستقبله ووراءه فضاء وَاسع جَازَ بِلَا شكّ ، كَمَا صرح بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا ،
وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، عَن ابْن عمر " أَنه أَنَاخَ رَاحِلَته مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ جلس يتبول إِلَيْهَا ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : إِنَّمَا نهي عَن ذَلِك فِي الفضاء ، فَإِذا كَانَ بَيْنك وَبَين الْقبْلَة شَيْء يسترك فَلَا بَأْس بِهِ " . وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" ، وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . قَالَ النَّوَوِيّ : وَفعل ابْن عمر هَذَا يبطل التَّعْلِيل الْمَذْكُور ؛ فَإِنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لم يجز فِي هَذِه الصُّورَة ، فَإِنَّهُ مستدبر الفضاء الَّذِي فِيهِ المصلون . قَالَ : وَالتَّعْلِيل الصَّحِيح الَّذِي اعْتمد القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا أَن جِهَة الْقبْلَة معظمة ؛ فَوَجَبَ صيانتها فِي الصَّحرَاء وَرخّص فِيهَا فِي الْبناء للْمَشَقَّة .
وَمِمَّا بَقِي من هَذَا الْبَاب مَا قد يُقَال : يجب علينا عزوه . وَهُوَ مَا نَقله الإِمَام الرَّافِعِيّ فِيمَا إِذا انْتَشَر الْخَارِج أَكثر من الْقدر الْمُعْتَاد وَلم يُجَاوز الأليتين ، فَفِي جَوَاز الِاقْتِصَار فِيهِ عَلَى الْأَحْجَار قَولَانِ : أظهرهمَا الْجَوَاز ، وَاحْتج الشَّافِعِي لَهُ بِأَن قَالَ : لم يزل فِي زمَان رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِلَى الْيَوْم رقة الْبُطُون ، وَكَانَ أَكثر أقواتهم التَّمْر ، وَهُوَ مِمَّا يرقق الْبَطن ، وَمن رق بَطْنه انْتَشَر الْخَارِج مِنْهُ عَن الْموضع وَمَا حواليه ، وَمَعَ ذَلِك أمروا بالاستجمار . انْتَهَى .
وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ذكره الشَّافِعِي فِي "الْأُم" وَقَالَ فِيهِ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : إِنَّه صَحِيح مَشْهُور . وَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ أَيْضا عقب الْكَلَام عَلَى النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد وإيراده الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِيهِ : وَقيل : إِنَّه لِئَلَّا يجن فَيَنْبَغِي أَن يجْتَنب حِينَئِذٍ تَحَرُّزًا مِنْهُم . وَهَذَا الْمَذْكُور لَا أعلم من رَوَاهُ حَدِيثا وَلَا أثرا وَلَا خَبرا ، نعم فِي "كَامِل ابْن عدي" من حَدِيث أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا : " لَا يدْخل أحدكُم المَاء إِلَّا بمئزر ؛ فَإِن للْمَاء عَامِرًا " . قَالَ ابْن عدي : فِيهِ يَحْيَى بن سعيد التَّمِيمِي الْمدنِي ، مُنكر الحَدِيث ضَعِيف ، وَلَيْسَ بِالْأَنْصَارِيِّ ذَلِك ثِقَة جليل .
وَفِي "الْمُسْتَدْرك" عَن أبي الْعَبَّاس - هُوَ الْأَصَم - ، ثَنَا الدوري ، نَا الْهَمدَانِي ، نَا زُهَيْر ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يدْخل المَاء إِلَّا بمئزر " ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ .
وَفِي "مُسْند أَحْمد" من حَدِيث عَلّي بن زيد ، عَن أنس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِن مُوسَى بن عمرَان كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يدْخل المَاء لم يلق ثَوْبه حَتَّى يواري عَوْرَته فِي المَاء " .
وَحَكَى أَحْمد عَن الْحسن وَالْحُسَيْن : "وَقد قيل لَهما ، وَقد دخلا المَاء وَعَلَيْهِمَا بردَان ، فَقَالَا : إِن للْمَاء سكانًا " .