الحَدِيث الْعَاشِر لَا وضوء عَلَى من نَام قَاعِدا
الحَدِيث الْعَاشِر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا وضوء عَلَى من نَام قَاعِدا ، إِنَّمَا الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا ؛ فَإِن من نَام مُضْطَجعا استرخت مفاصله وَرُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا وضوء عَلَى من نَام قَائِما أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْأَئِمَّة ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه عَن عبد الله بن مُحَمَّد ، عَن عبد السَّلَام بن حَرْب ، عَن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني - نزل فيهم فنسب إِلَيْهِم - عَن قَتَادَة ، عَن أبي الْعَالِيَة ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَى من نَام سَاجِدا وضوء حَتَّى يضطجع ؛ فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه من رِوَايَة عبد الله بن أَحْمد ، عَن أَبِيه ، عَن عبد السَّلَام .
وَالَّذِي رَأَيْته فِي الْمسند من رِوَايَة ابْنه عَن غير أَبِيه . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بالسند المذكور بِلَفْظ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ، ونام حَتَّى غط وَنفخ وَهُوَ ساجد - أَو جَالس - ثمَّ قَامَ فَصَلى ؛ فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّك قد نمت ! قَالَ : إِنَّمَا يجب الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا ؛ فَإِذا اضْطجع استرخت مفاصله . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يسْجد وينام وينفخ ، ثمَّ يقوم فَيصَلي وَلَا يتَوَضَّأ ، فَقلت لَهُ : صليت وَلم تتوضأ وَقد نمت ! فَقَالَ : إِنَّمَا الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا - زَاد عُثْمَان وهناد - فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بالسند الْمَذْكُور أَيْضا بِلَفْظ : أَنه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَام وَهُوَ ساجد حَتَّى غط أَو نفخ ، ثمَّ قَامَ يُصَلِّي ؛ فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّك قد نمت ! قَالَ : إِن الْوضُوء لَا يجب إِلَّا عَلَى من نَام مُضْطَجعا ؛ فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : لَا يجب الْوضُوء عَلَى من نَام جَالِسا أَو قَائِما أَو سَاجِدا حَتَّى يضع جنبه ؛ فَإِذا وضع جنبه استرخت مفاصله . قَالَ الرَّافِعِيّ عقب الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي أسلفناها عَنهُ : ضعفه أَئِمَّة الحَدِيث . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَكَأَنَّهُ تبع فِي ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ نقل فِي أساليبه إِجْمَاع أهل الحَدِيث عَلَى ضعفه ، وَنقل أَيْضا الِاتِّفَاق عَلَى ضعفه : النَّوَوِيّ ، وَهُوَ كَمَا قَالُوا وَمِمَّنْ صرح بضعفه من الْمُتَقَدِّمين : أَحْمد ، وَالْبُخَارِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَرْبِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَغَيرهم .
قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : قَوْله : الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا هُوَ حَدِيث مُنكر ، لم يروه إِلَّا يزِيد الدالاني عَن قَتَادَة . وَرَوَى أَوله جمَاعَة عَن ابْن عَبَّاس لم يذكرُوا شَيْئا من هَذَا ؛ وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَحْفُوظًا . وَقَالَت عَائِشَة : قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : تنام عينايَ وَلَا ينَام قلبِي قَالَ شُعْبَة : إِنَّمَا سمع قَتَادَة من أبي الْعَالِيَة أَرْبَعَة أَحَادِيث : حَدِيث يُونُس بن مَتى ، وَحَدِيث ابْن عمر فِي الصَّلَاة ، وَحَدِيث الْقُضَاة ثَلَاثَة ، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس حَدثنِي رجال مرضيون .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَسمع أَيْضا حَدِيث ابْن عَبَّاس فِيمَا يَقُول عِنْد الكرب ، وَحَدِيثه فِي رُؤْيَة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَيْلَة أسرِي بِهِ مُوسَى وَغَيره . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الْعِلَل - وَهُوَ مُجَلد مُفْرد - بعد أَن ذكره بِلَفْظِهِ فِي جَامعه إِلَّا أَنه ذكره بِلَفْظ نَام بدل اضْطجع : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : إِنَّه لَا شَيْء ، رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله ، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا الْعَالِيَة ، وَلَا أعرف لأبي خَالِد الدالاني سَمَاعا من قَتَادَة . قلت : أَبُو خَالِد كَيفَ هُوَ ؟ قَالَ : صَدُوق ، وَإِنَّمَا يهم فِي الشَّيْء .
قَالَ مُحَمَّد : وَعبد السَّلَام بن حَرْب صَدُوق . وَقَالَ فِي جَامعه : رَوَاهُ سعيد ، عَن قَتَادَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله ، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا الْعَالِيَة وَلم يرفعهُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : تفرد بِهِ أَبُو خَالِد الدالاني ، وَلَا يَصح . قلت : لَهُ متابع لكنه ضَعِيف كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِره .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : تفرد بِهِ يزِيد بن عبد الرَّحْمَن الدالاني . ثمَّ ذكر عَن التِّرْمِذِيّ مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ من علله ثمَّ ذكر . عَن أبي دَاوُد السجسْتانِي أَن قَوْله : الْوضُوء عَلَى من نَام مُضْطَجعا : حَدِيث مُنكر .
لم يروه إِلَّا الدالاني ، عَن قَتَادَة ، وَإنَّهُ ذكر هَذَا الحَدِيث لِأَحْمَد بن حَنْبَل فَقَالَ : مَا ليزِيد الدالاني يدْخل عَلَى أَصْحَاب قَتَادَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يَعْنِي أَحْمد بِهَذَا : مَا ذكره البُخَارِيّ من أَنه لَا يعرف لأبي خَالِد سَماع من قَتَادَة ، وَسَيَأْتِي مثل هَذَا ، عَن أبي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ مَعَ مَا فِيهِ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : لَعَلَّ هَذِه إِشَارَة إِلَى المحكي عَن البُخَارِيّ وغَيره من اشْتِرَاط الِاتِّصَال فِي السماع وَلَو مرّة .
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد : لَا يُتَابع الدالاني فِي بعض أَحَادِيثه . قَالَ : وَلَا أعلم أحدا رَوَى هَذَا الحَدِيث غير عبد السَّلَام بن حَرْب ، عَن أبي خَالِد ، عَن قَتَادَة .
وَلما ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نَام وَهُوَ ساجد حَتَّى غط أَو نفخ ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّك قد نمت ! قَالَ : إِن الْوضُوء لَا يُوجب حَتَّى تنام مُضْطَجعا ؛ فَإِنَّهُ إِذا اضْطجع استرخت مفاصله . تفرد بآخر هَذَا الحَدِيث : أَبُو خَالِد الدالاني ، عَن قَتَادَة ؛ وَأنْكرهُ عَلَيْهِ جَمِيع أَئِمَّة أهل الحَدِيث ، ثمَّ ذكر كَلَام أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ السالفين . وَنقل عَن شُعْبَة أَنه قَالَ : لم يسمع قَتَادَة من أبي الْعَالِيَة إِلَّا ثَلَاثَة أَشْيَاء .
قَالَ يَحْيَى الْقطَّان : هِيَ قَول عَلّي فِي الْقُضَاة ثَلَاثَة ، وَحَدِيث لَا صَلَاة بعد الْعَصْر ، وَحَدِيث يُونُس بن مَتى ثمَّ نقل كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ الَّذِي أسلفناه عَنهُ وَأقرهُ ، وَقد علمت مَا فِيهِ من المناقشة . ثمَّ نقل عَن أبي حَاتِم بن حبَان أَنه قَالَ : فِي كتاب الْمَجْرُوحين ورَأَيْته فِيهِ أَيْضا : يزِيد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو خَالِد الدالاني ، من أهل وَاسِط ، كَانَ كثير الْخَطَأ ، فَاحش الْوَهم ، يُخَالف الثِّقَات فِي الرِّوَايَات ، حَتَّى إِذا سَمعهَا الْمُبْتَدِئ فِي هَذِه الصِّنَاعَة علم أَنَّهَا معمولة أَو مَقْلُوبَة لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا وَافق الثِّقَات ؛ فَكيف إِذا انْفَرد عَنْهُم بالمعضلات ؟ ! وَقد غلظ أَبُو حَاتِم بن حبَان القَوْل فِيهِ وخطئ فِي ذَلِك . وَمُقَابل هَذِه الْمقَالة قَول الْحَاكِم أبي عبد الله فِي آخر مُسْتَدْركه فِي آخر كتاب الْأَهْوَال : أَبُو خَالِد الدالاني الْأَئِمَّة المتقدمون كلهم يشْهدُونَ لَهُ بِالصّدقِ والإتقان .
وَتبع فِي ذَلِك أَبَا حَاتِم ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : يجمع حَدِيثه فِي أَئِمَّة الْكُوفَة ، لم يخرجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ لما ذكر من انحرافه عَن السّنة فِي ذكر الصَّحَابَة . فَأَما الْأَئِمَّة المتقدمون ؛ فَإِنَّهُم شهدُوا لَهُ بِالصّدقِ والإتقان . وَالْحق التَّوَسُّط فِي أمره ؛ قَالَ ابْن معِين وَالنَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس .
وَكَذَا قَالَه أَحْمد ، وَاقْتصر ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ فِي تَرْجَمته عَلَى قَول أَحْمد هَذَا وَقَول ابْن حبَان السالف مُخْتَصرا ، وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي ، وَذكره ابْن شاهين فِي ثقاته ، وَاقْتصر عَلَى قولة يَحْيَى بن معِين السالفة فِيهِ ، وَسُئِلَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ عَنهُ فَقَالَ : صَدُوق ثِقَة . وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ أَحَادِيث صَالِحَة ، وَفِي حَدِيثه لين ، إِلَّا أَنه مَعَ لينه يكْتب حَدِيثه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : فَأَما هَذَا الحَدِيث ، فَإِنَّهُ قد أنكرهُ عَلَى أبي خَالِد الدالاني جَمِيع الْحفاظ .
وَهَذَا قد أسلفناه عَنهُ من خلافياته . قَالَ : وَأنكر سَمَاعه من قَتَادَة : أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا . قَالَ : وَلَعَلَّ الشَّافِعِي وقف عَلَى عِلّة هَذَا الحَدِيث حَتَّى رَجَعَ عَنهُ فِي الْجَدِيد .
قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَلَو فرض استقامة حَال الدالاني جَمِيع الْحفاظ كَانَ فِيمَا علم من انْقِطَاع سَنَده واضطرابه ، ومخالفته الثِّقَات مَا يعضد قَول من ضعفه من الْأَئِمَّة . قلت : وَمِمَّنْ ضعفه من الْمُتَأَخِّرين : ابْن حزم فِي محلاه فَقَالَ : هَذَا حَدِيث سَاقِط جملَة ؛ وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَلَيْسَ بِمُتَّصِل الْإِسْنَاد ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فَقَالَ : إِن قَتَادَة لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أبي الْعَالِيَة ، وَجزم بِهَذَا من الْفُقَهَاء القَاضِي عبد الْوَهَّاب فِي شرح الرسَالَة لَكِن ذكر صَاحب الْكَمَال أَنه سمع مِنْهُ ، وَقَالَ ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه تفرد بِهَذَا الحَدِيث : عبد السَّلَام بن حَرْب ، عَن أبي خَالِد الدالاني ، لَا أعلم لَهُ غَيره . وَخَالف الْحفاظ كلهم : ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فرجح صِحَّته ؛ فَقَالَ بعد أَن أخرجه من طَرِيق أَحْمد : وَفِيه مَا ناقشناه بِهِ مِمَّا سبق مستدلاً عَلَى أحد قولي إِمَامه ؛ أَنه إِذا نَام عَلَى حَالَة من أَحْوَال الصَّلَاة نومًا يَسِيرا لم يبطل وضوءه ، وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه تفرد بِهِ يزِيد ، عَن قَتَادَة ، وَلَا يَصح وعَن ابْن حبَان : أَنه كَانَ كثير الْخَطَأ ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ، وأَن ابْن أبي عرُوبَة رَوَاهُ ، عَن قَتَادَة مَوْقُوفا - : قد ذكرنَا أَن مَذْهَب الْمُحدثين إِيثَار من وقف الحَدِيث احْتِيَاطًا ، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء .
قَالَ : وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ : لَا تصح : دَعْوَى بِلَا دَلِيل ، وَقد قَالَ أَحْمد : يزِيد لَا بَأْس بِهِ وَرِوَايَة من وَقفه لَا يمْنَع كَونه مَرْفُوعا ، فَإِن الرَّاوِي قد يسند وَقد يُفْتِي بِالْحَدِيثِ هَذَا كَلَامه ، وَفِيه من التعسف مَا لَا يخْفَى ، وَقد ذكر هُوَ فِي ضُعَفَائِهِ يزِيد بن خَالِد ، وَنقل فِيهِ مقَالَة ابْن حبَان وَأحمد فَقَط ، وَقَالَ فِي خطْبَة كِتَابه هَذَا - أَعنِي : الضُّعَفَاء - : إِنَّه قد يَقع خلاف فِي بعض الْمَجْرُوحين ، فيعده بَعضهم من الثِّقَات ، وترجيح أحد الْأَمريْنِ إِلَى الْمُجْتَهدين من عُلَمَاء النَّقْل ، عَلَى أَن تَقْدِيم الْجرْح عَلَى التَّعْدِيل مُتَعَيّن . فقد نَاقض قَوْله بقوله ، وَقَالَ أَيْضا فِي خطْبَة تَحْقِيقه : ألوم عِنْدِي مِمَّن قد لمته من الْفُقَهَاء جمَاعَة من كبار الْمُحدثين عرفُوا صَحِيح النَّقْل وسقيمه وصنفوا فِي ذَلِك ، فَإِذا جَاءَ حَدِيث ضَعِيف يُخَالف مَذْهَبهم بينوا وَجه الطعْن فِيهِ ، وَإِن كَانَ مُوَافقا لمذهبهم سكتوا عَنهُ ، وَهَذَا يُنبئ عَن قلَّة دين وَغَلَبَة هوى . هَذَا لَفظه ، وَقد وَقع هُوَ فِيمَا عابه عَلَى غَيره ، فضعف جمَاعَة فِي مَوضِع لما كَانَ الحَدِيث يُخَالف مذْهبه ، ثمَّ احْتج بهم فِي مَوضِع آخر لما كَانَ يُوَافق مذْهبه ، وَهَذَا الحَدِيث نَفسه قد ضعفه هُوَ فِي كتاب الْإِعْلَام بناسخ الحَدِيث ومنسوخه فَقَالَ : هَذَا حَدِيث ضَعِيف ، وَالله الْمُوفق .
قلت : وَلَا ينفع مُتَابعَة جماعات ضعفاء يزِيد بن خَالِد هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قد تَابعه مهْدي بن هِلَال الْمُتَّهم بِالْوَضْعِ فَقَالَ : ثَنَا يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : لَيْسَ عَلَى من نَام قَاعِدا أَو قَائِما وضوء حَتَّى يُضجع جنبه عَلَى الأَرْض . قَالَ ابْن عدي بعد أَن رَوَاهُ من طَرِيق مهْدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ عَلَى حَدِيثه ضوء وَلَا نور ! وَعمر بن هَارُون الْمَتْرُوك ؛ فَرَوَاهُ عَن يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن عَمْرو بِهِ : من نَام جَالِسا فَلَا وضوء عَلَيْهِ ، وَمن وضع جنبه فَعَلَيهِ الْوضُوء . وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان الْمُفَسّر الْكذَّاب ؛ فَرَوَاهُ عَن عَمْرو بِهِ إِلَى قَوْله عَلَيْهِ ، وقرّب ابْن عدي أَمر مقَاتل وَقَالَ : هُوَ مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه .
وَرَوَى ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ : كنت أخفق برأسي ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، وَجب عليّ وضوء ؟ فَقَالَ : لَا ؛ حَتَّى تضع جَنْبك . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ بَحر بن كنيز - أَي : بنُون مَكْسُورَة بعد الْكَاف ثمَّ مثناة ثمَّ رَاء - السقاء وَهُوَ ضَعِيف ، لَا يحْتَج بروايته . وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه : لَا يحل رِوَايَة هَذَا الحَدِيث إِلَّا عَلَى بَيَان سُقُوطه ؛ لِأَن رَاوِيه بَحر بن كنيز السقاء - وَهُوَ لَا خير فِيهِ - مُتَّفق عَلَى إطراحه .
وَمن المقالات الغريبة العجيبة جَوَاب ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه : أَنه إِن صَحَّ حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور فَمَعْنَاه - وَالله أعلم - لَيْسَ عَلَى من نَام سَاجِدا وضوء حَتَّى يضطجع - يَعْنِي : فِي النَّوَافِل - قَالَ : وَيصدق هَذَا حَدِيث الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة ، وسنذكره عَلَى الإثر فِي الحَدِيث إِثْر هَذَا الحَدِيث . ثمَّ قَالَ : فَهَذَا يَعْنِي فِي النَّوَافِل وَصَلَاة اللَّيْل .