الحَدِيث الْحَادِي عشر إِذا نَام العَبْد فِي صلَاته باهى الله بِهِ مَلَائكَته
الحَدِيث الْحَادِي عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا نَام العَبْد فِي صلَاته باهى الله بِهِ مَلَائكَته ، يَقُول : انْظُرُوا لعبدي ، روحه عِنْدِي ، وَجَسَده ساجد بَين يَدي . هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ تبعا للْإِمَام فِي النِّهَايَة ، فَإِنَّهُ قَالَ : حُكيَ عَن نَص الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم أَن النّوم قَائِما أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا لَا ينْقض ؛ وَإِن نَام فِي غير الصَّلَاة كَذَلِك ينْقض وضوءه ، وَإنَّهُ اعْتمد فِي هَذَا القَوْل هَذَا الحَدِيث . قلت : وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ يرْوَى من طرق : أَحدهَا : عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - مَرْفُوعا : إِذا نَام العَبْد فِي سُجُوده باهى الله بِهِ مَلَائكَته ، يَقُول : انْظُرُوا إِلَى عَبدِي ؛ روحه عِنْدِي ، وَجَسَده فِي طَاعَتي .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث دَاوُد بن الزبْرِقَان ، عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ، عَن أنس ، ثمَّ قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيّ ؛ ثمَّ لَيْسَ فِيهِ أَنه لَا يخرج بِهِ من صلَاته ، وَالْقَصْد مِنْهُ - إِن صَحَّ - الثَّنَاء عَلَى العَبْد المواظب عَلَى الصَّلَاة حَتَّى يغلبه النّوم ، وَقد أَمر فِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة عَن أنس بالانصراف إِذا نعس ، رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيثه بِلَفْظ إِذا نعس وَهُوَ يُصَلِّي فلينصرف فلينم ؛ حَتَّى يعلم مَا يَقُول . رَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - محتجًّا فِي إِيجَاب الْوضُوء من النّوم ، فَأمر النَّبِي – صلى الله عليه وسلم - الناعس فِي الصَّلَاة بالانصراف ، وَلَو بَقِي فِيهَا تبقى الطَّهَارَة ، كَمَا زعم الْمُخَالف لما أَمر بالانصراف . وَكَذَا أجَاب بِهَذَا الْجَواب : ابْن حزم فِي محلاه أَعنِي : أَنه لَو صَحَّ لم يكن فِيهِ دلَالَة ؛ بل الْقَصْد مِنْهُ الثَّنَاء كَمَا سلف .
وَلِحَدِيث أنس هَذَا طَرِيق ثَان من حَدِيث حَمَّاد ، عَن أبان ، عَنهُ مَوْقُوفا عَلَيْهِ : أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد ؛ إِن الله - عَزَّ وجَلَّ - ليباهي بِهِ مَلَائكَته إِذا كَانَ نَائِما فِي سُجُوده ، يَقُول : انْظُرُوا إِلَى عَبدِي ؛ روحه عِنْدِي ، وَجَسَده فِي طَاعَتي . أسْندهُ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب ثمَّ علله بِأَبَان ، وَقَالَ : إِنَّه ضَعِيف . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث يرْوَى من رِوَايَة أنس وَهُوَ ضَعِيف جدًّا ، وَقَالَ بعد ذَلِك بأوراق : اتَّفقُوا عَلَى ضعفه ، وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن الصّلاح فَقَالَ فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى الْمُهَذّب : إِنَّه حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ رَفعه : إِذا نَام العَبْد وَهُوَ ساجد ؛ يَقُول الله - عَزَّ وجَلَّ - : انْظُرُوا إِلَى عَبدِي ؛ روحه عِنْدِي ، وبدنه ساجد لي وَجَسَده . رَوَاهُ ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه من حَدِيث حجاج بن نصر ، ثَنَا الْمُبَارك بن فضَالة ، عَن الْحسن عَنهُ ، وَهُوَ مُنْقَطع ؛ لِأَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة ، كَمَا قَالَه الْجُمْهُور ، وَقَالَ يُونُس بن عبيد : مَا رَآهُ قطّ ، وَذكر أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم أَن من قَالَ عَن الْحسن ، ثَنَا أَبُو هُرَيْرَة ؛ فقد أَخطَأ ، وَخَالف فِي ذَلِك قَتَادَة فَقَالَ : إِنَّمَا أَخذ الْحسن عَنهُ . وَلما ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله بِلَفْظ : إِن الله - تَعَالَى - يَقُول : انْظُرُوا إِلَى عَبدِي نَام سَاجِدا وروحه عِنْدِي .
قَالَ : هَذَا حَدِيث يرويهِ عباد بن رَاشد ، عَن الْحسن ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقيل عَن الْحسن ، بلغنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : .. . فَذكر الحَدِيث ؛ وَلَا يثبت سَماع الْحسن من أبي هُرَيْرَة . قيل للدارقطني : قد قَالَ مُوسَى بن هَارُون ، إِنَّه سمع مِنْهُ ، فَقَالَ : سَمعه الحكم وَلم يسمع الْحسن من أبي هُرَيْرَة ، وَحكي لنا عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي أَنه قَالَ : لم يسمع مِنْهُ .
وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه : هَذَا حَدِيث لَا شَيْء ؛ لِأَنَّهُ مُرْسل ، لم يخبر الْحسن مِمَّن سَمعه . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَفعه - : إِن الله ليضحك إِلَى ثَلَاثَة نفر : رجل قَامَ فِي جَوف اللَّيْل فَأحْسن الطّهُور ثمَّ صَلَّى ، وَرجل نَام وَهُوَ ساجد ؛ وَرجل يحمي كَتِيبَة منهزمة ؛ فَهُوَ عَلَى فرس جواد ، لَو شَاءَ أَن يذهب لذهب . رَوَاهُ ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه من حَدِيث عِيسَى بن الْمُخْتَار ، عَن مُحَمَّد بن أبي لَيْلَى ، عَن عَطِيَّة ، عَن أبي سعيد بِهِ .
وعلته : عَطِيَّة هَذَا ؛ وَهُوَ ضَعِيف بِالْإِجْمَاع ، وَانْفَرَدَ ابْن معِين فِي قَوْله فِيهِ : هُوَ صَالح الحَدِيث وَقد ظهر - بِحَمْد الله وَمِنْه - ضعف الحَدِيث من طرقه ؛ فَلَا يحْتَج بِهِ إِذا ، وَقد أسلفنا الْجَواب عَنهُ عَلَى تَسْلِيم صِحَّته . فَائِدَة : المباهاة : الْمُفَاخَرَة ، وَفِي حق الله - تَعَالَى - : إِظْهَار رِضَاهُ ، قَالَه صَاحب مجمع الغرائب .