حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث الرَّابِع عشر إِذا أَفْضَى أحدكُم بِيَدِهِ إِلَى فرجه

الحَدِيث الرَّابِع عشر قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِذا أَفْضَى أحدكُم بِيَدِهِ إِلَى فرجه ، لَيْسَ دونهَا حجاب وَلَا ستر فقد وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء " .

هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طَرِيقين :

الأولَى : من حَدِيث يزِيد بن عبد الْملك النَّوْفَلِي ، عَن المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ ، رَوَاهَا الشَّافِعِي ، وَالْبَزَّار ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَاللَّفْظ لَهُ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وأعلت بِوَجْهَيْنِ :

[2/470]

أَحدهمَا : بالضعف بِسَبَب يزِيد بن عبد الْملك وَقد ضَعَّفُوهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : تكلمُوا فِيهِ . قَالَ : وَسُئِلَ أَحْمد عَنهُ فَقَالَ : شيخ من أهل الْمَدِينَة ، لَيْسَ بِهِ بَأْس .

قلت : وَكَذَا نَقله الْحَازِمِي عَنهُ ، وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي " ضُعَفَائِهِ " عَنهُ أَنه قَالَ : عِنْده مَنَاكِير ، وقَالَ يَحْيَى وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَفِي رِوَايَة عَن يَحْيَى : مَا بِهِ بَأْس . وَقَالَ البُخَارِيّ : أَحَادِيثه شبه لَا شَيْء . وَضَعفه جدًّا ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث جدًّا . وَقَالَ السَّاجِي : ضَعِيف ، مُنكر الحَدِيث وَاخْتَلَطَ بِآخِرهِ . وَقَالَ الْبَزَّار : لين الحَدِيث . قَالَ : وَلَا نعلمهُ يرْوَى عَن أبي هُرَيْرَة بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . كَذَا قَالَ ، وستعلم مَا يُخَالِفهُ .

الْوَجْه الثَّانِي : الِانْقِطَاع بَين النَّوْفَلِي وَسَعِيد المَقْبُري ؛ فَإِنَّهُ ذكر عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : سقط بَينهمَا رجل ، وَقد رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن عبد الله بن نَافِع ، عَن النَّوْفَلِي ، عَن أبي مُوسَى الحنَّاط ، عَن سعيد ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" من جِهَة عبد الْعَزِيز بن مِقْلَاص عَن الشَّافِعِي بِهِ ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : أَبُو مُوسَى هَذَا رجل مَجْهُول ، وَعبد الله

[2/471]

ابن نَافِع هُوَ الصَّائِغ صَاحب مَالك ، أَثْنَى عَلَيْهِ غير وَاحِد من الْعلمَاء ، وَأخرج لَهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" وَالْأَرْبَعَة ، وَقَالَ أَحْمد : لم يكن يحفظ الحَدِيث ، كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الرَّأْي .

قلت : فَظهر مِمَّا قَرَّرْنَاهُ رد هَذِه الطَّرِيقَة بالضعف والانقطاع ، وَمَعَ تَقْدِير الِاتِّصَال فِيهَا جَهَالَة أَيْضا ، لَكِن نقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة : إِن يزِيد بن عبد الْملك سمع من سعيد المَقْبُري ، فتقوى بعض الْقُوَّة مَعَ تليين الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ يزِيد بن عبد الْملك ، وشهرة الحَدِيث من طَرِيق عَن سعيد المَقْبُري بِغَيْر وَاسِطَة . لَا جرم قَالَ ابْن الصّلاح : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن جمَاعَة ، فِي إِسْنَاده بعض الشَّيْء ، لَكِن ذكر الْبَيْهَقِيّ لَهُ طرقًا فالتحق بِمَجْمُوع ذَلِك بِنَوْع الْحسن الَّذِي يحْتَج بِهِ .

الطَّرِيقَة الثَّانِيَة : وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد ، وَكَانَ يجب تَقْدِيمهَا ، وَقد صححها غير وَاحِد من الْحفاظ مِنْهُم : أَبُو حَاتِم بن حبَان ؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي " صَحِيحه " من حَدِيث أصبغ بن الْفرج ، نَا عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن يزِيد بن عبد الْملك ، وَنَافِع بن أبي نعيم الْقَارئ ، عَن المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِذا أَفْضَى أحدكُم بِيَدِهِ إِلَى فرجه ، وَلَيْسَ بَينهمَا ستر وَلَا حجاب فَليَتَوَضَّأ " .

ثمَّ قَالَ : احتجاجنا فِي هَذَا الْخَبَر بِنَافِع بن أبي نعيم دون يزِيد

[2/472]

ابن عبد الْملك النَّوْفَلِي ؛ لِأَن يزِيد بن عبد الْملك تبرأنا من عهدته فِي " كتاب الضُّعَفَاء " ، وَقَالَ فِي كِتَابه " وصف الصَّلَاة بِالسنةِ " بعد أَن أخرجه : هَذَا حَدِيث صَحِيح سَنَده ، عدُول نقلته . وَمِنْهُم الْحَاكِم أَبُو عبد الله ؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي " مُسْتَدْركه " من حَدِيث أصبغ - أَيْضا - نَا عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، نَا نَافِع بن أبي نعيم ، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من مس فرجه فَليَتَوَضَّأ " .

ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح . قَالَ : وَشَاهده الحَدِيث الْمَشْهُور ، عَن يزِيد بن عبد الْملك ، عَن سعيد بن أبي سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة - يَعْنِي الطَّرِيقَة الأولَى - وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ كَمَا أخرجه ابْن حبَان ، وَكَذَا الطَّبَرَانِيّ فِي " أَصْغَر معاجمه " ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن نَافِع إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم الْفَقِيه الْمصْرِيّ ، وَلَا عَن عبد الرَّحْمَن إِلَّا أصبغ ؛ تفرد بِهِ أَحْمد بن سعيد . وَأخرجه الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر من هَذِه الطَّرِيقَة ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَالح صَحِيح - إِن شَاءَ الله . قَالَ : وَقَالَ ابْن السكن : هَذَا الحَدِيث من أَجود مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب ؛ لرِوَايَة ابْن الْقَاسِم صَاحب مَالك لَهُ ، عَن نَافِع بن أبي نعيم . قَالَ : وَأما يزِيد بن عبد الْملك فضعيف . قَالَ أَبُو عمر : وحَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لَا يعرف إِلَّا بِيَزِيد بن عبد الْملك هَذَا ، حَتَّى رَوَاهُ أصبغ بن الْفرج ، عَن ابْن الْقَاسِم ، عَن نَافِع بن أبي نعيم ، وَيزِيد بن عبد الْملك النَّوْفَلِي جَمِيعًا ، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَأصبغ

[2/473]

وَابْن الْقَاسِم ثقتان فقيهان ، فصح الحَدِيث بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل - عَلَى مَا ذكر ابْن السكن - إِلَّا أَن أَحْمد بن حَنْبَل لَا يرْضَى بِنَافِع بن أبي نعيم ، أَي فَإِنَّهُ يَقُول فِيهِ : يُؤْخَذ عَنهُ الْقُرْآن وَلَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث ، وَخَالفهُ ابْن معِين فَقَالَ : هُوَ ثِقَة .

قلت : هُوَ أحد السَّبْعَة ، وَوَثَّقَهُ مَعَ يَحْيَى أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ : صَالح الحَدِيث . وَقَالَ ابْن عدي : مُسْتَقِيم الحَدِيث . وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان ، وَأخرج لَهُ فِي "صَحِيحه" كَمَا سلف ؛ فَهَذِهِ الطَّرِيقَة مُحْتَج بهَا ، وَإِن كَانَ فِيهَا بعض لين ، وَقد شهد لَهَا هَؤُلَاءِ بِالصِّحَّةِ ، وَإِن نَافِعًا تَابع النَّوْفَلِي وأسقطه الْحَاكِم - أَعنِي : النَّوْفَلِي - من رِوَايَته كَمَا سقته لَك ، وَاقْتصر عَلَى رِوَايَة نَافِع ، وَاسْتشْهدَ بِرِوَايَة النَّوْفَلِي .

ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ لم يفصح بإيراد الحَدِيث كَمَا ذكرته لَك ، وَإِنَّمَا قَالَ : وَإِنَّمَا ينْتَقض الْوضُوء إِذا مس بِبَطن الْكَفّ ، وَالْمرَاد بالكف : الرَّاحَة وبطون الْأَصَابِع . وَقَالَ أَحْمد : تنْتَقض الطَّهَارَة سَوَاء مس بِظهْر الْكَفّ أَو بِبَطْنِهَا . لنا الْأَخْبَار الْوَارِدَة ، جَرَى فِي بَعْضهَا لفظ الْمس وَفِي بَعْضهَا لفظ "الْإِفْضَاء" ، وَمَعْلُوم أَن المُرَاد مِنْهُمَا وَاحِد ، والإفضاء فِي اللُّغَة : الْمس بِبَطن الْكَفّ هَذَا كَلَامه ، فَذكرت حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الْإِفْضَاء لإشارته إِلَيْهِ ، وَأَشَارَ بِمَا ذكره أَيْضا ، إِلَّا أَن الْإِفْضَاء مُبين مُقَيّد ؛ فَيحمل الْمُطلق عَلَيْهِ . لَكِن فِيمَا نَقله عَن أهل اللُّغَة

[2/474]

أَن الْإِفْضَاء : الْمس بِبَطن الْكَفّ فَقَط نظرا فقد قَالَ ابْن سَيّده : أَفْضَى فلَان إِلَى فلَان : وصل . والوصول أَعم من أَن يكون بِظَاهِر الْكَفّ أَو بَاطِنه تركنَا وَسلمنَا أَنه بِبَطن الْكَفّ ؛ فالمسّ شَامِل للإفضاء وَغَيره ، والإفضاء فردٌ من أَفْرَاده ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص عَلَى الْمَشْهُور فِي الْأُصُول ، نعم ؛ طَرِيق الِاسْتِدْلَال أَن يُقَال : مَفْهُوم الشَّرْط يدل عَلَى أَن غير الْإِفْضَاء لَا ينْقض ؛ فَيكون تَخْصِيصًا لعُمُوم الْمَنْطُوق ، وَتَخْصِيص الْعُمُوم بِالْمَفْهُومِ جَائِز .

وَادَّعَى ابْن حزم فِي "محلاه" : أَن قَول الشَّافِعِي إِن الْإِفْضَاء لَا يكون إِلَّا بِبَطن الْكَفّ ؛ لَا دَلِيل عَلَيْهِ من قُرْآن وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع ، وَلَا قَول صَاحب وَلَا قِيَاس ورأي صَحِيح ، وَأَنه لَا يَصح فِي الْآثَار "من أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى فرجه" وَلَو صَحَّ ؛ فالإفضاء يكون بِظهْر الْكَفّ كَمَا يكون بِبَطْنِهَا .

قلت : قد صَحَّ لفظ الْإِفْضَاء - كَمَا قَرَّرْنَاهُ - وَعرفت طَرِيق الِاسْتِدْلَال ، فقوي قَول الشَّافِعِي ، وَللَّه الْحَمد .

ووَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ أَنه جَرَى فى بعض الْأَخْبَار لفظ اللَّمْس وَهَذَا لم أره بعد الْبَحْث عَنهُ ، والنسخ الْمُعْتَمدَة من الرَّافِعِيّ لَيْسَ فِيهَا هَذِه الزِّيَادَة .

ورد في أحاديث11 حديثًا
يُخرِّج هذا المحتوى11 حديثًا
موقع حَـدِيث