الحَدِيث السَّادِس من غسل مَيتا فليغتسل
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من غسل مَيتا فليغتسل " .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق كَثِيرَة ، يَدُور - فِيمَا حصرنا مِنْهَا - عَلَى سِتَّة من الصَّحَابَة أبي هُرَيْرَة ، وَعَائِشَة ، وَعلي ، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان ، والمغيرة - رَضي اللهُ عَنهم - .
أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فيحضرنا من طرقه ثَلَاثَة عشر طَرِيقا :
الأول : عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه عَنهُ مَرْفُوعا : " من غسله الْغسْل ، وَمن حمله الْوضُوء - يَعْنِي : الْمَيِّت " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ ، وَابْن مَاجَه وَلَفظه كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء ؛ روياه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار ، عَن سُهَيْل بِهِ .
الثَّانِي : عَن سُهَيْل أَيْضا عَن أَبِيه ، عَن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمَعْنَاهُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن حَامِد بن يَحْيَى ، عَن سُفْيَان ، عَن سُهَيْل بِهِ .
الثَّالِث : عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن صَالح مولَى التوءمة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل ، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ " . رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" .
الرَّابِع : عَن عَمْرو بن عُمَيْر ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل الْمَيِّت فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب ، عَن الْقَاسِم بن عَبَّاس ، عَن عَمْرو بِهِ .
الْخَامِس : عَن زُهَيْر ، عَن الْعَلَاء ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمثل الَّذِي قبله . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" .
السَّادِس : عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا : " من غسل جَنَازَة - يَعْنِي : مَيتا - فليغتسل ، وَمن حملهَا فَليَتَوَضَّأ " . رَوَاهُ الْبَزَّار فِي "مُسْنده" .
السَّابِع : عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل ، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ " . رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا .
الثَّامِن : عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن رجل يُقَال لَهُ : أَبُو إِسْحَاق ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل " . رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" .
التَّاسِع : عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مثل الَّذِي قبله . رَوَاهُ ابْن حزم فِي "محلاه" هَكَذَا ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي "علله" من حَدِيث مُحَمَّد بن شُجَاع ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل " .
الْعَاشِر : عَن أبي بَحر البكراوي ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِنَحْوِ مِمَّا قبله . رَوَاهُ الْبَزَّار عَن يَحْيَى بن حَكِيم بِهِ .
الْحَادِي عشر : عَن صَفْوَان بن سليم ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل الْمَيِّت الْغسْل ، وَمن حمله الْوضُوء " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : " من غسل مَيتا فليغتسل " لم يزدْ .
الثَّانِي عشر : عَن مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن الْقَعْقَاع بن حَكِيم ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل ، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ " .
الثَّالِث عشر : عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ، ذكر هَذَا الطَّرِيق وَالَّذِي قبله الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي "كتاب الإِمَام" .
هَذَا مَجْمُوع مَا حصرنا من طَرِيق حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، ولنذكر أَولا مقالات الْحفاظ فِيهِ ، ثمَّ نبين بعد ذَلِك مَا يَقْتَضِيهِ النّظر والبحث عَلَى وَجه الْإِنْصَاف ؛ فَنَقُول : ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " جَمِيع مَا عزيناه مِمَّا قدمْنَاهُ عَنهُ وَضَعفه ، ثمَّ قَالَ : وَالصَّحِيح فِيهِ أَنه مَوْقُوف عَلَى أبي هُرَيْرَة . وَقَالَ البُخَارِيّ : الْأَشْبَه أَنه مَوْقُوف . قَالَ : وَقَالَ أَحْمد وَعلي
ابن الْمَدِينِيّ : لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء قَالَ : وَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول - وَقد سُئِلَ عَن الْغسْل من غسل الْمَيِّت ، فَقَالَ - : يُجزئهُ الْوضُوء .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : إِن أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ قَالَا : لم يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء ، لَيْسَ بِذَاكَ .
وَقَالَ الشَّافِعِي : إِنَّمَا مَنَعَنِي من إِيجَاب الْغسْل من غسل الْمَيِّت أَن فِي إِسْنَاده رجلا لم أَقف عَلَى معرفَة ثَبت حَدِيثه إِلَى يومي هَذَا عَلَى مَا يَقْتَضِي ؛ فَإِن وجدت مَا يقنعني أوجبته وأوجبت الْوضُوء من مس الْمَيِّت مفضيًا إِلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقَالَ مُحَمَّد بن يَحْيَى - يَعْنِي : الذهلي - شيخ البُخَارِيّ : لَا أعلم فِيمَن غسل مَيتا فليغتسل حَدِيثا ثَابتا وَلَو ثَبت لزمنا اسْتِعْمَاله . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالرِّوَايَات المرفوعة فِي هَذَا الْبَاب غير قَوِيَّة ؛ لجَهَالَة بعض رواتها وَضعف بَعضهم ، وَالصَّحِيح من قَوْله مَوْقُوفا غير مَرْفُوع .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن رَفعه فَقَالَ : خطأ ؛ لَا يرفعهُ الثِّقَات ؛ إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى أبي هُرَيْرَة . قَالَ : وَسَأَلته عَن الرجل - يَعْنِي : الَّذِي فِي الطَّرِيق الثَّامِن - من هُوَ ، وَهل يُسمى ؟ فَقَالَ : لَا .
وَنقل أَصْحَابنَا عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ : إِن صَحَّ الحَدِيث قلت بِوُجُوبِهِ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : هَذَا حَدِيث يرويهِ ابْن أبي ذِئْب ، عَن المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَاخْتلف عَنهُ ، فَرَوَاهُ حبَان بن عَلّي ، عَن ابْن أبي ذِئْب بِهِ . وَخَالفهُ يَحْيَى الْقطَّان ، وَيَحْيَى بن أَيُّوب ، والدراوردي ، وحجاج بن مُحَمَّد ، وَعبد الصَّمد بن النُّعْمَان ، وَابْن أبي فديك ، رَوَوْهُ عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن صَالح مولَى التوءمة ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : وَأغْرب ابْن أبي فديك فِيهِ بِإِسْنَادَيْنِ آخَرين : أَحدهمَا : عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَالْآخر : عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن الْقَاسِم بن عَبَّاس ، عَن عَمْرو بن عُمَيْر ، عَن أبي هُرَيْرَة .
قَالَ : وَحَدِيث المَقْبُري أصح .
وَقَالَ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " فِي آخر الْجَنَائِز : هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِيهِ عَلَى مُحَمَّد بن عَمْرو وَهُوَ مرفوض .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَن الْمَحْفُوظ فِي الطَّرِيق الأول وَقفه عَلَى أبي هُرَيْرَة ، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي صَالح مولَى التوءمة ، قَالَ مَالك : لَيْسَ بِثِقَة . وَكَانَ شُعْبَة ينْهَى أَن يُؤْخَذ عَنهُ ، وَلَا يروي عَنهُ وَفِي الثَّالِث - وَهُوَ فِيمَا قدمْنَاهُ التَّاسِع - مُحَمَّد بن عَمْرو ، قَالَ يَحْيَى : مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه . وَفِي الرَّابِع - وَهُوَ فِيمَا قدمْنَاهُ الثَّامِن - رجل مَجْهُول ، قَالَ : وَقد رَوَاهُ ابْن لَهِيعَة من
حَدِيث صَفْوَان عَن أبي سَلمَة ، وَابْن لَهِيعَة لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي "شرح مُسْند الشَّافِعِي" : عُلَمَاء الحَدِيث لم يصححوا فِي هَذَا الْبَاب شَيْئا مَرْفُوعا وصححوه عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا ، وَقَالَ فِي هَذَا الْكتاب - أَعنِي "شرح الْوَجِيز" - : والْحَدِيث إِن ثَبت مَحْمُول عَلَى الِاسْتِحْبَاب . وَنقل النَّوَوِيّ عَن الْجُمْهُور تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث ، وَأنكر عَلَى التِّرْمِذِيّ تحسينه .
هَذَا مَا حَضَرنَا من كَلَام الْحفاظ قَدِيما وحديثًا عَلَيْهِ ، وَحَاصِله تَضْعِيف رَفعه وَتَصْحِيح وَقفه ، وَلَا بُد من النّظر فِي ذَلِك عَلَى سَبِيل التَّفْصِيل دون الِاكْتِفَاء بالتقليد ، وَقد قَامَ بذلك صَاحب "الإِمَام" وَحَاصِل مَا يعتل بِهِ فِي ذَلِك وَجْهَان :
أَحدهمَا : من جِهَة رجال الْإِسْنَاد ، فَأَما رِوَايَة صَالح مولَى التوءمة - وَهِي الطَّرِيق الثَّالِث - فقد سلف قَول مَالك وَشعْبَة فِيهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " : اخْتَلَط فِي آخر عمره ، فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ .
وَأما رِوَايَة عَمْرو بن عُمَيْر - وَهِي الطَّرِيق الرَّابِع - فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ : إِنَّمَا يعرف بِهَذَا الحَدِيث ، وَلَيْسَ بالمشهور . وَقَالَ
ابْن الْقطَّان : إِنَّه مَجْهُول الْحَال لَا يعرف بِغَيْر هَذَا ، وَهَذَا الحَدِيث من غير مزِيد ذكره ابْن أبي حَاتِم . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا عِلّة الْخَبَر .
وَأما زُهَيْر الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الْخَامِس فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : رَوَى عَنهُ أهل الشَّام أَحَادِيث مَنَاكِير . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَأما حَدِيث الْعَلَاء - وَهُوَ السَّادِس - فَقَالَ ابْن الْقطَّان : لَيْسَ بِمَعْرُوف .
وَأما السَّابِع : فَفِي إِسْنَاده أَبُو وَاقد واسْمه : صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة . قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ حَدِيثه بِذَاكَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَجَمَاعَة : ضَعِيف . وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث .
وَأما الثَّامِن : فَفِيهِ أَبُو إِسْحَاق ، وَهُوَ مَجْهُول ، كَمَا سلف عَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ .
وَأما التَّاسِع : فمحمد بن عَمْرو قَالَ يَحْيَى : مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه .
وَأما الْعَاشِر : فالبكراوي ، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان ، طرح النَّاس حَدِيثه ، كَمَا قَالَه أَحْمد ، وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : ذهب حَدِيثه .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِقَوي ، يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي المقلوبات عَن الْأَثْبَات ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ .
وَأما الْحَادِي عشر : فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وحنين بن أبي حَكِيم ، وَلَا يحْتَج بهما .
الْوَجْه الثَّانِي : التَّعْلِيل ؛ فَأَما رِوَايَة سُهَيْل فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه رُوِيَ مَوْقُوفا . وَأَيْضًا ؛ فقد رَوَاهُ سُفْيَان ، عَن سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ، عَن أبي هُرَيْرَة - كَمَا سلف - فَأدْخل رجلا بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة ، وَهَذَا اخْتِلَاف .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " : وَإِنَّمَا لم يقو عِنْدِي أَنه يرْوَى عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَيدخل بعض الْحفاظ بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة "إِسْحَاق مولَى زَائِدَة" . قَالَ : فَيدل عَلَى أَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة ، وَلَيْسَت معرفتي بِإسْحَاق مولَى زَائِدَة مثل معرفتي بِأبي صَالح ، وَلَعَلَّه أَن يكون ثِقَة .
وَأما رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب ؛ فقد أسلفنا روايتنا لَهُ عَن
صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَعَن الْقَاسِم بن عَبَّاس ، عَن عَمْرو بن عُمَيْر ، عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب : وَصَالح مولَى التوءمة لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو فقد رَوَاهَا عبد الْوَهَّاب عَنهُ مَوْقُوفَة عَلَى أبي هُرَيْرَة ، وَرجحه بَعضهم عَلَى الرّفْع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيّ . وَرَوَاهُ مُعْتَمر أَيْضا عَن مُحَمَّد فَوَقفهُ ، وَقد أسلفنا عَن أبي حَاتِم أَن الرّفْع خطأ . ثمَّ شرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُجيب عَن ذَلِك فَقَالَ : لقَائِل أَن يَقُول : أما الْكَلَام عَلَى صَالح مولَى التوءمة فَهُوَ وَإِن كَانَ مَالك قَالَ فِيهِ : إِنَّه لَيْسَ بِثِقَة - كَمَا قدمْنَاهُ - واستضعفه غَيره فقد قَالَ يَحْيَى فِيهِ : إِنَّه ثِقَة حجَّة . قيل لَهُ : إِن مَالِكًا ترك السماع مِنْهُ ! فَقَالَ : إِن مَالِكًا إِنَّمَا أدْركهُ بعد أَن خرف ، وَلَكِن ابْن أبي ذِئْب سمع مِنْهُ قبل أَن يخرف .
وَقَالَ السَّعْدِيّ : تغير جدًّا ، وَحَدِيث ابْن أبي ذِئْب مَقْبُول مِنْهُ لقدم سَمَاعه . قَالَ الشَّيْخ : فَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَلَام مَالك فِيهِ بعد تغيره وَأَن رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب قديمَة مَقْبُولَة ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن أبي ذِئْب عَنهُ . قَالَ : وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ "إِنَّه اخْتَلَط فِي آخر
عمره ؛ فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ" لِأَنَّهُ قد تبين بِشَهَادَة من تقدم بقدم سَماع ابْن أبي ذِئْب وَأَنه مَقْبُول .
قلت : وَبِه يُجَاب أَيْضا عَن إعلال ابْن الْجَوْزِيّ الحَدِيث بِهِ كَمَا أسلفناه عَنهُ . قَالَ الشَّيْخ : وَأما رِوَايَة سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة فسندها عِنْد التِّرْمِذِيّ من شَرط الصَّحِيح ، وَقَالَ فِيهَا التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث حسن ، وَعبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار وَأَبُو صَالح مُتَّفق عَلَيْهِمَا ، وَمُحَمّد بن عبد الْملك وسُهَيْل أخرج لَهما مُسلم . وَقَالَ الشَّيْخ فِي " الْإِلْمَام " أَيْضا : رِجَاله رجال مُسلم . وَقد أخرجهَا ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج الشَّامي ، حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل ، وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ " وَفِي هَذِه الرِّوَايَة فَائِدَة أُخْرَى ؛ وَهِي مُتَابعَة حمادٍ عبدَ الْعَزِيز .
وَأما رِوَايَة سُفْيَان وَإِدْخَال إِسْحَاق بَين أبي صَالح وَأبي هُرَيْرَة ، فَكَمَا قَالَ الشَّافِعِي يدل عَلَى أَن أَبَا صَالح لم يسمعهُ من أبي هُرَيْرَة ، وَلَكِن إِسْحَاق مولَى زَائِدَة موثق أخرج لَهُ مُسلم ، وَقَالَ يَحْيَى : ثِقَة . وَإِذا كَانَ ثِقَة ، فكيفما كَانَ الحَدِيث عَنهُ أَو عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، لم يخرج عَن ثِقَة .
قلت : وَقَول الشَّافِعِي السالف إِن فِي إِسْنَاده رجلا لم أَقف عَلَى
معرفَة ثَبت حَدِيثه إِلَى يومي عَلَى مَا يقنعني . الظَّاهِر أَنه أَرَادَ إِسْحَاق هَذَا وَقد وضح لَك ثقته ، وَقد قَالَ فِيهِ مرّة أُخْرَى : لَعَلَّه أَن يكون ثِقَة . كَمَا أسلفناه عَنهُ .
وَأما طَرِيق أبي دَاوُد الَّذِي زيد فِيهِ "إِسْحَاق" فَلَا أرَى لَهُ عِلّة لصِحَّة إِسْنَاده واتصاله . حَامِد بن يَحْيَى الْمَذْكُور فِي أول إِسْنَاده مَشْهُور ، قَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق . وَذكر جَعْفَر الْفرْيَابِيّ أَنه سَأَلَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ عَنهُ فَقَالَ : يَا سُبْحَانَ الله ، أُبْقِي حَامِد إلى أن يحْتَاج يسْأَل عَنهُ ؟ ! وَذكره ابْن حبَان فِي " ثقاته " وَقَالَ : كَانَ أعلم زَمَانه وَمن بعده مخرج لَهُ فِي "الصَّحِيح" . وَقد جنح ابْن حزم الظَّاهِرِيّ إِلَى تَصْحِيحه فَإِنَّهُ احْتج بِهِ فِي الْمَسْأَلَة وَقَالَ : إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ثِقَة مدنِي ، وَثَّقَهُ أَحْمد بن صَالح الْكُوفِي وَغَيره .
وَأما زُهَيْر فقد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة . وَقَالَ يَحْيَى : ثِقَة . وَقَالَ أَحْمد : مقارب الحَدِيث . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَحَله الصدْق ، فِي حفظه سوء وَقَالَ : حَدِيثه بِالشَّام ، أنكر من حَدِيثه بالعراق لسوء حفظه ، وَمَا حدث بِهِ من حفظه فَهُوَ أغاليط .
قلت : وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أهل الشَّام عَنهُ الَّتِي قَالَ البُخَارِيّ فِيهَا مَا سلف ، لَكِن رَوَى البُخَارِيّ أَيْضا عَن أَحْمد أَنه قَالَ : كأنَّ زهيرًا الَّذِي رَوَى عَنهُ أهل الشَّام زُهَيْر آخر .
وَأما رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو فقد احْتج بهَا ابْن حزم حَيْثُ رَوَاهَا من جِهَة حَمَّاد بن سَلمَة ، وَمُحَمّد بن عَمْرو رَوَى عَنهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ وتابع بِهِ مُسلم ، وَقد رفع هَذَا الحَدِيث حَمَّاد ، وَتَابعه أَبُو بَحر وَفِي قَول أبي حَاتِم : يكْتب حَدِيثه . مَا يَقْتَضِي أَن يَجْعَل تَأْكِيدًا فِي رَفعه ، وَرِوَايَة الْوَقْف لم يَعْتَبِرهَا ابْن حزم تَقْدِيمًا للرفع عَلَيْهَا ، وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : كَانَ يَحْيَى بن سعيد حسن الرَّأْي فِي أبي بَحر .
وَأما ابْن لَهِيعَة فقد سلفت تَرْجَمته فِيمَا مَضَى ، وَأما حنين بن أبي حَكِيم فقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان .
وَأما الِاخْتِلَاف عَلَى ابْن أبي ذِئْب فقد يُقَال : إنَّهُمَا إسنادان مُخْتَلِفَانِ لِابْنِ أبي ذِئْب لَا يُعلل أَحدهمَا بِالْآخرِ ؛ لاخْتِلَاف رجالهما .
وَأما قَول ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث الْعَلَاء : إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف . إِن أَرَادَ أَنه لَا يعرف مخرجه فَلَيْسَ كَذَلِك ، فقد خرجه الْبَزَّار كَمَا أسلفناه ، وَإِن أَرَادَ مَعَ معرفَة طَرِيقه أَنه غير مَشْهُور ؛ فَلَا يُنَاسِبه ذَلِك ، وَإِنَّمَا يُنَاسِبه النّظر فِي رجال إِسْنَاده .
وَأما أَبُو وَاقد فقد قَالَ أَحْمد فِيهِ : مَا أرَى بِهِ بَأْسا . فَلَعَلَّ ذَلِك يَقْتَضِي أَن يُتَابع بروايته ، وَأما جَهَالَة بعض رُوَاته فَلَا يقْدَح فِيمَا صَحَّ مِنْهُمَا ؛ فقد ظهر صِحَة بعض طرقه وَحسن بَعْضهَا ومتابعة الْبَاقِي لَهَا ، فَلَا يخْفَى إِذا مَا فِي إِطْلَاق الضعْف عَلَيْهَا ، وَإِن الْأَصَح الْوَقْف ، وَقد علم أَيْضا مَا يعْمل عِنْد اجْتِمَاع الرّفْع وَالْوَقْف وشهرة الْخلاف فِيهِ ، وَقد نقل الإِمَام أَبُو الْحسن الْمَاوَرْدِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا فِي "حاويه" عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه خرج لصِحَّة هَذَا الحَدِيث مائَة وَعشْرين طَرِيقا ، فَأَقل أَحْوَاله إِذا أَن يكون حسنا .
تَنْبِيه : اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ أورد هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ "الْمس" دون "الْحمل" فَقَالَ : رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من غسل مَيتا فليغتسل ، وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ " . وَلم أَقف عَلَى لفظ "الْمس" فِي رِوَايَة بعد الفحص عَنهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِلَفْظ "الْحمل" بدله ، وَكَذَا أوردهُ هُوَ - أَعنِي : الرَّافِعِيّ - فِي كِتَابه "الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة" نعم كَلَام الشَّافِعِي السالف
دَال عَلَى وُرُوده فِيهِ ؛ إِذْ قَالَ : فَإِن وجدت مَا يقنعني أوجبته وأوجبت الْوضُوء من مس الْمَيِّت ؛ فَإِنَّهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد . وَكَذَا قَول الْمُزنِيّ أَيْضا : الْغسْل من غسل الْمَيِّت غير مَشْرُوع ، وَكَذَا الْوضُوء من مس الْمَيِّت وَحمله ؛ لِأَنَّهُ لم يَصح فِيهَا شَيْء دَال عَلَى ذَلِك .
وَقد آن لنا أَن نعود إِلَى الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة الْأَحَادِيث ؛ فَنَقُول : وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَأَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" من حَدِيث مُصعب بن شيبَة ، عَن طلق بن حبيب ، عَن عبد الله بن الزبير ، عَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - أَنَّهَا حدثته " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يغْتَسل من أَربع : من الْجَنَابَة ، وَيَوْم الْجُمُعَة ، وَمن الْحجامَة ، وَمن غسل الْمَيِّت " . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ : " الْغسْل من أَرْبَعَة من الْجَنَابَة ، وَالْجُمُعَة ، والحجامة ، وَغسل الْمَيِّت " وَفِي رِوَايَة لَهُ : " الْغسْل من خَمْسَة : من الْجَنَابَة ، والحجامة ، وَغسل يَوْم الْجُمُعَة ، وَالْمَيِّت ، وَمن مَاء الْحمام " .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" بِثَلَاثَة أَلْفَاظ "كَانَ يغْتَسل" ، "يُغتَسل" "الغُسل" وَأعله الْأَثْرَم بعلل : أَحدهَا : أَنه سمع أَبَا عبد الله - يَعْنِي : أَحْمد بن حَنْبَل -
يتَكَلَّم فِي مُصعب بن شيبَة ، وَذكر أَن لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير قَالَ : وسمعته يتَكَلَّم عَلَى هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه .
ثَانِيهَا : أَن عَائِشَة كَانَت ترخص فِي غسل الْجُمُعَة ؛ فَكيف تذكر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِهِ ؟ !
ثَالِثهَا : أَنه صَحَّ عَنْهَا إِنْكَار الْغسْل من غسل الْمَيِّت ، فَكيف ترويه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وتنكر عَلَى من فعله .
رَابِعهَا : أَن فِيهِ الْغسْل من الْحجامَة ، وَهُوَ مُنكر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لإِجْمَاع الْأمة عَلَى أَنه لَا يجب ، زَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي "ناسخه ومنسوخه" : وَلَا يسْتَحبّ إِجْمَاعًا . وَقَالَ فِي " علله " - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - : هَذَا حَدِيث لَا يَصح . ثمَّ ذكر عَن أَحْمد أَنه قَالَ فِي مُصعب بن شيبَة : أَحَادِيثه مَنَاكِير . قَالَ : وَلَا يثبت فِي هَذَا حَدِيث .
وَقَالَ الْخطابِيّ : فِي إِسْنَاده مقَال . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن الْغسْل من الْحجامَة فَقلت : يرْوَى مَرْفُوعا "الْغسْل من أَربع ..." فَقَالَ : لَا يَصح هَذَا ، رَوَاهُ مُصعب بن شيبَة ، وَلَيْسَ بِقَوي . فَقلت لَهُ : لم يرو عَن عَائِشَة من غير حَدِيث مُصعب ؟ قَالَ : لَا . وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " تَضْعِيفه عَن أَحْمد أَيْضا ، وَعَن
التِّرْمِذِيّ أَنه نقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ فِي " سنَنه " : مَا أرَى مُسلما تَركه إِلَّا لطعن بعض الْحفاظ فِيهِ . وَجزم بضعفه من الْمُتَأَخِّرين : النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " فَقَالَ : إِسْنَاده ضَعِيف .
وَالْجَوَاب عَن الْعلَّة الأولَى أَن مُصعب بن شيبَة أخرج لَهُ مُسلم فِي " صَحِيحه " محتجًّا بِهِ ، وَكَذَا بَاقِي السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات ؛ فَإِن طلق بن حبيب وَمصْعَب بن شيبَة قد أخرج مُسلم بن الْحجَّاج وَجَمَاعَة حَدِيثهمَا فِي الصَّحِيح ، وَرُوِيَ عَن أبي كريب ، عَن يَحْيَى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة ، عَن أَبِيه بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه حَدِيث "عشر من الْفطْرَة" وَسَائِر رُوَاته مُتَّفق عَلَيْهِم . قَالَ : وَشَاهده حَدِيث أبي هُرَيْرَة ... فَذكره من حَدِيث إِسْحَاق مولَى زَائِدَة ، وَعَمْرو بن عُمَيْر عَنهُ . وَقَالَ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وَجزم الْمجد فِي " أَحْكَامه " بِأَنَّهُ عَلَى شَرط مُسلم ، وَكَذَا الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " اقتراحه " أَي : لِأَن مصعبًا وطلقًا انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنْهُمَا مُسلم ، وَرَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" عَن عَبدة عَن عبد الله الْخُزَاعِيّ ، عَن
مُحَمَّد بن بشر ، عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة ، عَن مُصعب بِهِ .
وَأما مَا ذكره بعد ذَلِك من "الْعِلَل" فَفِيهِ مَا لَيْسَ من صناعَة الْإِسْنَاد ، كَمَا نبه عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، وَنَقله الْإِجْمَاع عَلَى عدم الْوُجُوب لَا يَقْتَضِي تَضْعِيف الحَدِيث لجَوَاز أَن يحمل عَلَى الِاسْتِحْبَاب ، وَأما نقل ابْن الْجَوْزِيّ الْإِجْمَاع عَلَى أَنه لَا يسْتَحبّ الْغسْل من الْحجامَة فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِن الشَّافِعِي نَص عَلَى اسْتِحْبَابه ؛ كَمَا نَقله النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" عَن نَصه فِي الْقَدِيم ، وَعَن حِكَايَة الْقفال عَن النَّص وَهَذَا نَص قديم لَا معَارض لَهُ فِي الْجَدِيد ؛ فَيكون مذْهبه .
وَأما حَدِيث عَلّي فَسَيَأْتِي فِي الْجَنَائِز حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ .
وَأما حَدِيث أبي سعيد فَرَوَاهُ حَرْمَلَة بن يَحْيَى ، عَن ابْن وهب ، عَن أُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " الْغسْل من الْغسْل ، وَالْوُضُوء من الْحمل " . وَأُسَامَة هَذَا صَدُوق فِيهِ لين يسير وَقد أخرج لَهُ م 4 .
وَأما حَدِيث حُذَيْفَة فَرَوَاهُ معمر ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن أَبِيه عَنهُ مَرْفُوعا : " من غسل مَيتا فليغتسل " ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي "علله"
وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : حَدِيث غلط . وَلم يبين غلطه ، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي " علله " : إِنَّه لَا يثبت . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : إِسْنَاده سَاقِط . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي " علله " و "ناسخه ومنسوخه" وَقَالَ فِي "علله" : لَا يَصح . قَالَ : وَأَبُو إِسْحَاق تغير بِأخرَة ، وَأَبوهُ لَيْسَ بِمَعْرُوف فِي النَّقْل .
وَأما حَدِيث الْمُغيرَة ، فَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" فَقَالَ : ثَنَا يَعْقُوب ، ثَنَا أبي ، عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ : وَقد كنت حفظت من كثير من عُلَمَائِنَا بِالْمَدِينَةِ أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم كَانَ يروي عَن ابْن الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَحَادِيث مِنْهَا أَنه حَدثهُ أَبوهُ أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " من غسل مَيتا فليغتسل " .
خَاتِمَة : لما ذكر أَبُو دَاوُد حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ : إِنَّه مَنْسُوخ . وَقَالَ مثله أَبُو حَفْص بن شاهين قَالَ : وناسخه حَدِيث ابْن عَبَّاس : " لَيْسَ عَلَيْكُم فِي ميتكم غسل إِذا غسلتموه ، وحسبكم أَن تغسلوا أَيْدِيكُم "
وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث فِي بَاب الْجُمُعَة حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ - إِن شَاءَ الله - وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي " ناسخه ومنسوخه " الْمُسَمَّى بـ "الْإِعْلَام" فَذكر حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف ، وَكَذَا حَدِيث عَائِشَة وَحَدِيثه ، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : " لَيْسَ عَلَيْكُم فِي ميتكم غسل إِذا غسلتموه إِن ميتكم لَيْسَ بِنَجس " وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ : وَالَّذِي أرَاهُ أَن أَحَادِيث الْغسْل من غسل الْمَيِّت لَا تثبت ، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله : "وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ" وَذَلِكَ مَتْرُوك بِالْإِجْمَاع ؛ فَكَذَلِك الْغسْل . قَالَ : وَكَذَلِكَ من الْحجامَة مُنكر ؛ فَإِنَّهُ لَا يجب وَلَا يسْتَحبّ إِجْمَاعًا ، وَقد أسلفت لَك مَا فِي هَذَا ، وَأول غَيره قَوْله : "وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ" عَلَى : من أَرَادَ حمله ومتابعته فَليَتَوَضَّأ من أجل الصَّلَاة عَلَيْهِ . ذكره الْحَاكِم فِي "تَارِيخه" عَن أبي بكر الضبعِي حَيْثُ قَالَ : سمعته . وَقد سُئِلَ عَنهُ ، فَقَالَ : إِن صَحَّ هَذَا الْخَبَر فَمَعْنَاه أَن يتَوَضَّأ قبل حمله شَفَقَة أَن تفوته الصَّلَاة بعد الْحمل ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " من رَاح إِلَى الْجُمُعَة فليغتسل " أَي : قبل الرواح . وَلما ذكر أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف قَالَ : أُضمر فِي الْخَبَر قَوْله : إِذا لم يكن بَينهمَا حَائِل .
فَائِدَة : ذكر الشَّيْخ أَبُو عَلّي السنجي فِي "شرح التَّلْخِيص" فِي بَاب
الْجُمُعَة أَن أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي قَوْله : "وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ" عَلَى وُجُوه مِنْهَا أَنه عَلَى ظَاهره وَيجْعَل الْوضُوء وَاجِبا عَلَيْهِ ، قَالُوا : لِأَن بدنه بِالْمَوْتِ صَار عَورَة وَقيل : إِن النّظر إِلَى بدنه حرَام إِلَّا لضَرُورَة فَصَارَ كبدن الْمَرْأَة كَذَا ذكره ، وَهُوَ غَرِيب ، وَجزم ابْن يُونُس أَيْضا فِي "شرح التَّعْجِيز" بِأَن بدنه عَورَة ، وَيحرم النّظر إِلَى جَمِيع بدنه ، وَلَا أعلم من ذكر ذَلِك غَيرهمَا .