الحَدِيث السَّابِع لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن " .
هَذَا الحَدِيث فِيهِ مقَال رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت ، ثمَّ شين مُعْجمَة - الْعَنسِي - بالنُّون - الْحِمصِي ، عَالم أهل الشَّام عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ . وَقد وَقع لنا بعلو كَمَا ذكرته بإسنادي فِي "تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب" .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن مُوسَى بن عقبَة . قَالَ : وَسمعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل -
يَعْنِي : البُخَارِيّ - يَقُول : إِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش يروي عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق أَحَادِيث مَنَاكِير . كَأَنَّهُ ضعف رِوَايَته عَنْهُم فِيمَا ينْفَرد بِهِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا حَدِيثه عَن أهل الشَّام - أَي وَحَدِيثه هَذَا عَن أهل الْحجاز ، كَمَا صرح بِهِ عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : إِسْمَاعِيل أصلح من بَقِيَّة .
قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل ، وَلَا نعلم يرْوَى عَن ابْن عمر من وَجه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَا يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْحَائِض إِلَّا من هَذَا الْوَجْه .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن " : لَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيّ ، وَاسْتشْهدَ بِهِ فِي "الْمعرفَة" وَقَالَ : إِن سلم من إِسْمَاعِيل وَمن تَابعه .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" عَن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه ، نَا عبد الله بن حَمَّاد الآملي ، عَن عبد الْملك بن مسلمة ، عَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، وَلم يذكر الْحَائِض ، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الحساني ، عَن رجل ، عَن أبي معشر ، عَن مُوسَى بِهِ بِذكر الْحَائِض ، وَمن حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن مُوسَى بن عقبَة
، وعبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع بِهِ ، وفيهمَا رد عَلَى قَول الْبَزَّار أَنه لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل ؛ فقد تَابعه الْمُغيرَة وَأَبُو معشر وَصحح شَيخنَا الْحَافِظ فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي "شَرحه لِلتِّرْمِذِي" طَرِيق الْمُغيرَة ، وَنقل تَوْثِيق رواتها مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه ، ذكره الْخَطِيب فِي "تَارِيخه" وَقَالَ : ثِقَة . والآملي أخرج لَهُ البُخَارِيّ ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان ، والمغيرة هُوَ الْحزَامِي مُتَّفق عَلَيْهِ ، قَالَ : فَالْحَدِيث إِذا صَحِيح الْإِسْنَاد ؛ لِأَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لم ينْفَرد بِهِ عَن مُوسَى بن عقبَة .
قلت : لَكِن فَاتَ شَيخنَا ذكر حَال عبد الْملك بن مسلمة الَّذِي يرويهِ عَن الْمُغيرَة ، وَهُوَ ضَعِيف ؛ فقد قَالَ ابْن حبَان : يروي مَنَاكِير كَثِيرَة . وَقَالَ ابْن يُونُس : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُضْطَرب لَيْسَ بِقَوي ، حَدثنِي بِحَدِيث فِي الْكَرم عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن جِبْرِيل مَوْضُوع . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : عبد الْملك هَذَا كَانَ بِمصْر ، وَهَذَا غَرِيب عَن مُغيرَة
ابن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ ثِقَة . وَضَعفه الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " أَيْضا .
قلت : فَلَو سلم الْإِسْنَاد من هَذَا الرجل لصَحَّ . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فأعل هَذِه الطَّرِيقَة فِي " تَحْقِيقه " بمغيرة بن عبد الرَّحْمَن وَقَالَ : إِنَّه مَجْرُوح ضَعِيف . وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ ؛ فمغيرة هَذَا أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَة ، وَهُوَ ثِقَة ، قَالَ أَحْمد : مَا بحَديثه بَأْس . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : رجل صَالح . نعم ؛ وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ عَبَّاس الدوري عَن ابْن معِين : لَيْسَ بِشَيْء . وَأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " ضُعَفَائِهِ " لأجل هَذِه المقولة فِيهِ ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ؛ فقد قَالَ أَبُو دَاوُد : غلط عَبَّاس عَلَى ابْن معِين .
وَأما الطَّرِيقَة الثَّالِثَة الَّتِي أخرجناها عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، فَقَالَ ابْن عدي : لَيْسَ للْحَدِيث أصل من حَدِيث عبيد الله - يَعْنِي : الْعمريّ - وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ أَيْضا : إِنَّه حَدِيث ينْفَرد بِهِ إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَإِسْمَاعِيل فِيمَا يروي عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق غَيره أوثق مِنْهُ . ثمَّ نقل عَن يَحْيَى بن معِين أَن إِسْمَاعِيل كَانَ ثِقَة فِيمَا يروي عَن أَصْحَابه أهل الشَّام ، وَمَا رَوَى عَن غَيرهم فخلط فِيهَا . وَقَالَ : وَبَلغنِي عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أَنه قَالَ : إِنَّمَا يروي هَذَا : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة ، وَلَا أعرفهُ من حَدِيث غَيره ،
وَإِسْمَاعِيل مُنكر الحَدِيث عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق .
قلت : وَفِي كَلَام البُخَارِيّ هَذَا مَا أسفلناه عَلَى كَلَام الْبَزَّار .
وَأما الطَّرِيقَة الثَّانِيَة فَهِيَ معلولة من وَجْهَيْن : جَهَالَة الرجل وَضعف أبي معشر - وَهُوَ نجيح السندي - قَالَ ابْن نمير : كَانَ لَا يحفظ الْأَسَانِيد . وأجمل عبد الْحق فِي " أَحْكَامه " القَوْل فِي ضعف هَذَا الطَّرِيق فَقَالَ : رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق إِسْمَاعِيل وَلَا يَصح أَيْضا . ثمَّ قَالَ : وَأحسن مَا فِيهِ حَدِيث سُلَيْمَان بن مُوسَى الْآتِي .
قلت : ذَاك فِي مس الْمُصحف لَا فِي قِرَاءَة الْجنب ، كَمَا ذكره هُوَ بعد ، وَقد أسلفناه فِي الْبَاب قبله فِي أثْنَاء الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَمِعت أبي وَذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ... فَذكره من طَرِيق التِّرْمِذِيّ وَمن تَابعه ، فَقَالَ أبي : هَذَا خطأ ؛ إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله . وَفِي كتاب "الْخلال" و "ضعفاء الْعقيلِيّ" عَن عبد الله - يَعْنِي : ابْن أَحْمد بن حَنْبَل - وَذكر هَذَا الحَدِيث ؛ قَالَ أبي : هَذَا بَاطِل أنكر عَلَى إِسْمَاعِيل . يَعْنِي : أَنه وهم مِنْهُ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" أَن فِيهِ نظرا وَرَوَى عَن البُخَارِيّ نَحوا مِمَّا سلف . وَقَالَ الضياء الْمَقْدِسِي فِي " أَحْكَامه " : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تكلم فِيهِ غير وَاحِد من أهل الْعلم ، غير أَن بعض الْحفاظ قَالَ : قد رُوِيَ من غير طَرِيقه بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى الطَّرِيقَة الَّتِي صححت وَبينا وهنها وأَشَارَ إِلَى قَول ابْن عَسَاكِر فِي "أَطْرَافه" : قد رَوَاهُ عبد الله بن حَمَّاد الآملي ، عَن القعْنبِي ، عَن الْمُغيرَة ، عَن مُوسَى بن عقبَة . لَكِن قَوْله عَن القعْنبِي الظَّاهِر وهمه فِيهِ ؛ فَإِن عبد الله بن حَمَّاد إِنَّمَا رَوَاهُ عَن عبد الْملك بن مسلمة عَن الْمُغيرَة كَمَا تقدم ، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا سلف أَيْضا .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " بعد ذكر رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش : وَرُوِيَ أَيْضا عَن غَيره ، عَن مُوسَى بن عقبَة - وَهُوَ ضَعِيف - ثمَّ سَاق مُتَابعَة الْمُغيرَة وَأبي معشر السالفتين .
وَأما الْمُنْذِرِيّ ؛ فَإِنَّهُ حسن الحَدِيث ، فَقَالَ فِي الْقطعَة الَّتِي خرجها من أَحَادِيث الْمُهَذّب بِالْإِسْنَادِ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَإِسْمَاعِيل تكلم فِيهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة .
قلت : وَحَاصِل مقالات الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل ثَلَاث :
أَحدهَا : ضعفه مُطلقًا . ثَانِيهَا : ثقته مُطلقًا . ثَالِثهَا : أَنه ضَعِيف فِي غير الشاميين ، وعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ .
قَالَ الْفَسَوِي : تكلم قوم فِيهِ ، وَهُوَ ثِقَة عدل أعلم النَّاس بِحَدِيث الشَّام ، أَكثر مَا تكلمُوا فِيهِ قَالُوا : يغرب عَن ثِقَات الْحجاز . وَقَالَ عَبَّاس عَن يَحْيَى : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ : لَيْسَ بِهِ بَأْس فِي أهل الشَّام . وَقَالَ دُحَيْم : هُوَ فِي الشاميين غَايَة وخلط عَن الْمَدَنِيين . وَقد أسلفنا قَول البُخَارِيّ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لين ، مَا أعلم أحدا كف عَنهُ إِلَّا أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ . أَي : فَإِنَّهُ قَالَ : ذَا رجل لَا يدْرِي مَا يخرج من رَأسه ! وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : كثير الْخَطَأ فِي حَدِيثه ؛ فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : مَا كَانَ أحد أعلم بِحَدِيث أهل الشَّام مِنْهُ لَو ثَبت عَلَى حَدِيث أهل الشَّام ، وَلكنه خلط فِي حَدِيثه عَن أهل الْعرَاق . وَقَالَ ابْن حزم فِي "محلاه" فِي حَدِيث "إِذا قاء أحدكُم" : هُوَ سَاقِط ؛ لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ . وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة : لَا يحْتَج بِهِ . وَعبارَة الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِيهِ : وَثَّقَهُ أَحْمد وَيَحْيَى بن معِين مُطلقًا . وَأَثْنَى يزِيد بن هَارُون عَلَى حفظه ثَنَاء بليغًا أَي فَقَالَ : مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ ، مَا أَدْرِي مَا الثَّوْريّ ؟ !
قلت : وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ غير مَا حَدِيث من رِوَايَته عَن أهل
بَلَده خَاصَّة ، مِنْهَا حَدِيث : " لَا وَصِيَّة لوَارث " وَحَدِيث " بِحَسب ابْن آدم أكلات يقمن صلبه " وَحَدِيثه هَذَا - أَعنِي : الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ - قد علمت أَنه لم ينْفَرد بِهِ ، وتوبع عَلَيْهِ ، وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا : " لَا تقْرَأ الْحَائِض وَلَا النُّفَسَاء شَيْئا من الْقُرْآن " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قبل الزَّكَاة فِي "سنَنه" من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل ، عَن أَبِيه ، عَن طَاوس ، عَن جَابر بِهِ ، وَمُحَمّد هَذَا مَتْرُوك وَنسب إِلَى الْوَضع ، ووالده ثِقَة .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَيْهِ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أنيسَة ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، وَقَالَ : " لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض وَلَا النُّفَسَاء شَيْئا من الْقُرْآن " وَيَحْيَى هَذَا مَتْرُوك ؛ كَمَا قَالَه أَحْمد وَغَيره ، وَأَبُو الزبير يحْتَاج إِلَى دعامة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الْأَثر لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَصَحَّ عَن عمر - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَنه كَانَ يكره أَن يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ جنب " قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " بعد أَن سَاقه بِإِسْنَادِهِ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح .
فَائِدَة : يجوز لَك فِي قِرَاءَة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا "يقْرَأ" كسر الْهمزَة عَلَى النَّهْي ، وَضمّهَا عَلَى الْخَبَر الَّذِي يُرَاد بِهِ النَّهْي ، وهما صَحِيحَانِ .