الحَدِيث الْحَادِي عشر َإِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن عَائِشَة - رضي الله عنها - قَالَت : " كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - َإِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا " وَلَفظ البُخَارِيّ عَنْهَا " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب غسل فرجه وَتَوَضَّأ
للصَّلَاة " . وَلَفظ مُسلم : " كَانَ إِذا كَانَ جنبا فَأَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة " . وَفِي لفظ " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة قبل أَن ينَام " . فَزَاد عَلَى البُخَارِيّ الْأكل .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ : " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل أَو ينَام تَوَضَّأ - تَعْنِي وَهُوَ جنب " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ المُصَنّف إِلَى قَوْله : "تَوَضَّأ" . وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن حبَان فِي "صَحِيحه" " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن ينَام وَهُوَ جنب لم ينم حَتَّى يتَوَضَّأ ، وَإِذا أَرَادَ أَن يَأْكُل غسل يَدَيْهِ " وَفِي رِوَايَة للنسائي أَيْضا "وَإِذا أرد أَن يَأْكُل أَو يشرب" .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة : " كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يطعم وَهُوَ جنب غسل يَدَيْهِ ثمَّ طعم " . وَهَذِه الرِّوَايَات ترد عَلَى قَول
الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" فِي النِّكَاح فِي بَاب غسل الْيَد قبل الطَّعَام وبعده : لم يثبت فِي غسل الْيَد قبل الطَّعَام حَدِيث . فَإِن قلت : مَا الْجَواب عَن حَدِيث سُفْيَان ، عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة - عَن الْأسود ، عَن عَائِشَة " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - كَانَ ينَام وَهُوَ جنب وَلَا يمس مَاء " رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ؟
قلت : عَنهُ جوابان أَحدهمَا : الطعْن فِيهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُد عَن يزِيد بن هَارُون : وهم السبيعِي فِي هَذَا - يَعْنِي فِي قَوْله : "وَلَا يمس مَاء " - وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : يرَوْنَ أَن هَذَا غلط مِنْهُ . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ : ذكرت هَذَا الحَدِيث يَوْمًا فَقَالَ لي إِسْمَاعِيل : يَا فَتى ، سَنَد هَذَا الحَدِيث سيئ . وَقَالَ أَحْمد : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح . ثَانِيهمَا : تَصْحِيحه مَعَ تَأْوِيله . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : طعن الْحفاظ فِي هَذِه اللَّفْظَة وتوهموها مَأْخُوذَة عَن غير الْأسود ، وَأَن السبيعِي دلّس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث السبيعِي بِهَذِهِ الزِّيَادَة صَحِيح من جِهَة الرِّوَايَة ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ سَمَاعه من الْأسود ، والمدلس إِذا بَيَّنَ سَمَاعه مِمَّن رَوَى عَنهُ وَكَانَ ثِقَة فَلَا وَجه لرده . وَقَالَ ابْن حزم فِي " محلاه " : إِن قيل أَخطَأ فِيهِ سُفْيَان ؛ لِأَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة خَالف . قُلْنَا : بل أَخطَأ بِلَا شكّ من خطأ سُفْيَان بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيل . وسُفْيَان
أحفظ من زُهَيْر بِلَا شكّ ، وَتَبعهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام فَقَالَ : رِجَاله ثِقَات . وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحدهمَا : أَن المُرَاد لَا يمس مَاء للْغسْل ؛ ليجمع بَينه وَبَين حَدِيثهَا الآخر ، وَهَذَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن شُرَيْح وَاسْتَحْسنهُ .
وَالثَّانِي : أَنه كَانَ يتْرك الْوضُوء فِي بعض الأحيان لبَيَان الْجَوَاز إِذْ لَو واظب عَلَيْهِ لاعتقد وُجُوبه ، وَهُوَ حسن أَيْضا ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" عَن ابْن عمر "أَنه سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَيَنَامُ أَحَدنَا وَهُوَ جنب ؟ فَقَالَ : نعم ، وَيتَوَضَّأ إِن شَاءَ " .
وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع : " لَا أحب أَن يبيت الْمُسلم وَهُوَ جنب ؛ أَخَاف أَن يَمُوت فَلَا تحضره الْمَلَائِكَة " فَفِي إِسْنَاده يزِيد بن عِيَاض وَلَيْسَ هُوَ بِشَيْء كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " إِعْلَامه " وَسُئِلَ مَالك عَن ابْن سمْعَان ، فَقَالَ : كَذَّاب . قيل : فيزيد بن عِيَاض ؟ قَالَ : أكذب وأكذب .