الحَدِيث الثَّامِن جعل الْمسْح ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم
الحَدِيث الثَّامِن عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضي اللهُ عَنهُ عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أَنه جعل الْمسْح ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ ، من حَدِيث شُرَيْح بن هَانِئ ، قَالَ : أتيت عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها أسألها عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَت : عَلَيْك بِابْن أبي طَالب فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافر مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : جعل رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِأَلْفَاظ : أَحدهَا : عَن شُرَيْح ، عَن عَلّي ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ : للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة .
ثَانِيهَا بِهِ : رخص لنا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للحاضر . ثَالِثهَا : عَن شُرَيْح قَالَ : سَأَلت عليًّا عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ : رخص لنا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَر يَوْمًا وَلَيْلَة ، وللمسافر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كَيْفيَّة الْمسْح : وَالْأولَى أَن يضع كَفه الْيُسْرَى تَحت الْعقب واليمنى عَلَى ظُهُور الْأَصَابِع ، ويُمر الْيُسْرَى إِلَى أَطْرَاف الْأَصَابِع من أَسْفَل واليمنى إِلَى السَّاق ، وتروى هَذِه الْكَيْفِيَّة عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ وَلَا يحضرني من رَوَاهُ عَنهُ هَكَذَا ، وَالَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه كَانَ يمسح أَعلَى الْخُف وأسفله كَمَا أسلفته فِي آخر الحَدِيث الرَّابِع . خَاتِمَة رَأَيْت أَن أختم بهَا الْبَاب : اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ لما صدر الْبَاب بِحَدِيث أبي بكرَة ، وَصَفوَان قَالَ : وَالْأَحَادِيث فِي بَاب الْمسْح كَثِيرَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فقد رَوَاهُ الجم الْغَفِير مِنْهُم . قَالَ الإِمَام أَحْمد : لَيْسَ فِي قلبِي مِنْهُ شَيْء فَفِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثا عَن أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رفعوا إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَمَا وقفُوا .
وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ عَنهُ : فِيهِ سَبْعَة وَثَلَاثُونَ صحابيًّا . وَرَوَى الْحسن بن مُحَمَّد عَنهُ كَالْأولِ ، وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنده . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : فِيهِ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ .
وَقَالَ أَبُو عمر : وَرَوَاهُ عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو أَرْبَعِينَ مِنْهُم ، وَأَنه استفاض وتواتر . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : وروينا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ، قَالَ : حَدَّثَني سَبْعُونَ من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه عليه السلام كَانَ يمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعبارَة الْمَاوَرْدِيّ : حَدَّثَني سَبْعُونَ بدريًّا . قَالَ : وَأَرَادَ أَنه سمع ذَلِك عَن بَعضهم ؛ لِأَنَّهُ لم يدْرك سبعين بدريًّا .
وَذكر ذَلِك إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ : ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ ، قَالَ : مسح رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو بكر الصّديق ، وَعمر بن الْخطاب ، وَعُثْمَان بن عَفَّان ، وَعلي بن أبي طَالب ، وَسعد بن أبي وَقاص ، وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ، وَأَبُو الدَّرْدَاء ، وَزيد بن ثَابت ، وَقيس بن سعد بن عبَادَة ، وَابْن عَبَّاس ، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان ، وَعبد الله بن مَسْعُود ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ، وَخُزَيْمَة بن ثَابت ، والبراء بن عَازِب ، وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ، وَأنس بن مَالك ، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ، والمغيرة بن شُعْبَة ، وَصَفوَان بن عَسَّال ، وفضالة بن عبيد الْأنْصَارِيّ ، وَجَرِير بن عبد الله البَجلِيّ . وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر : وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَنه أَمر بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا فِي السّفر والحضر بالطرق الحسان فِي مصنفي ابن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق ، فَذكر جمَاعَة مِمَّن ذكرنَا عَن سُفْيَان ، وَزَاد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، وَابْن عمر ، وسلمان ، وبلال ، وَعَمْرو بن أُميَّة ، وَعبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ وعمار ، وَسَهل بن سعد ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَلم يرو عَن غَيرهم مِنْهُم خلاف إِلَّا الشَّيْء الَّذِي لَا يثبت عَن عَائِشَة ، وَابْن عَبَّاس ، وَأبي هُرَيْرَة . قلت : قَالَ أَحْمد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة : إِنَّه بَاطِل لَا يَصح .
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : فِي الْبَاب عَن جماعات ، فَذكر جمَاعَة مِمَّن ذكرهم سُفْيَان وَأَبُو عمر ، وَزَاد : وَبُرَيْدَة ، ويعلى بن مرّة ، وَعبادَة بن الصَّامِت ، وَأُسَامَة بن شريك ، وَأَبا أُمَامَة ، وجابرًا ، يَعْنِي : ابْن عبد الله ، وَأُسَامَة بن زيد . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : روينَا جَوَاز الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ عَن جماعات ، فعددهم ، وتداخل بَعضهم فِيمَا ذَكرْنَاهُ عَن سُفْيَان ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَأبي عمر ، وَزَاد : وَعَمْرو بن الْعَاصِ ، وَجَابِر بن سَمُرَة ، وَأَبا زيد الْأنْصَارِيّ . قلت : وَرَوَاهُ أَيْضا أبي بن عمَارَة كَمَا سلف قَرِيبا ، وثوبان رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ، وَعبد الله بن رَوَاحَة رَوَاهُ تَمام الرَّازِيّ فِي فَوَائده ، وَمُسلم أَبُو عَوْسَجَة رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة ، وَعَائِشَة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأم سعد الْأَنْصَارِيَّة ، رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي معرفَة الصَّحَابَة ، وَبُدَيْل بن وَرْقَاء رَوَاهُ العسكري فِي الصَّحَابَة ، وأَبُو طَلْحَة رَوَاهُ الخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق ، وَمَالك بن سعد رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة أَيْضا ، وَقَالَ : مَجْهُول ، وَأَوْس بن أَوْس رَوَاهُ أَحْمد ، وَطَلْحَة بن عبيد الله ، وَالزبير بن الْعَوام ، وَسَعِيد بن زيد ، وَعبد الله بن مُغفل ، وعامر بن ربيعَة ، وعَوْف بن مَالك ، وَعَمْرو بن حزم ، وعصمة بن مَالك ، وأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ ، وربيعَة بن كَعْب ، وَرَافِع بن خديج ، وخَالِد بن عرفطة ، وأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَأبي بن كَعْب ، وَسمرَة بن جُنْدُب ، وَالْعَبِيد ، وشبيب بن غَالب الْكِنْدِيّ ، وفروة بن مسيك ، وَمَالك بن قهطم ، وَمَالك بن ربيعَة ، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ، ومعاذ بن جبل ، وَبشر بن سعيد ، وأَبُو بكرَة ، وأَبُو ثَوْر ، وأَبُو جُحَيْفَة ، ويسار ، ومَيْمُونَة ، أَفَادَ ذَلِك ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه ، فَاجْتمع من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَمِمَّا زِدْته أَنه رَوَاهُ ثَمَانُون صحابيًّا ، وَللَّه الْحَمد عَلَى ذَلِك وَعَلَى جَمِيع نعمه فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات .
وَيُسْتَفَاد مِمَّا ذكرنَا فَائِدَة جليلة : وَهِي أَن الْمسْح رَوَاهُ من جملَة الصَّحَابَة الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ ، وَقد اجْتمع ذَلِك أَيْضا فِي رفع الْيَدَيْنِ كَمَا ستعلمه فِي بَابه ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي أَوَائِل شَرحه لمُسلم فِي كَلَامه عَلَى حَدِيث : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار أَن بَعضهم ذكر أَنه رُوِيَ عَن اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ صحابيًّا وَمِنْهُم الْعشْرَة ، وَأَنه لَا يعرف حَدِيث اجْتمع عَلَى رِوَايَته إِلَّا هَذَا ، وَلَا حَدِيث رَوَاهُ أَكثر من سِتِّينَ صحابيًّا إِلَّا هَذَا ، وَقد علمت أَن حَدِيث الْمسْح رَوَاهُ أَكثر من هَذَا الْعدَد مَعَ الْعشْرَة ، وستعلم مَا فِي حَدِيث رفع الْيَدَيْنِ فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى . آخر الْجُزْء الْخَامِس عشر يتلوه : بَاب الْحيض ، والجزء السَّادِس عشر .