الحَدِيث الثَّانِي تحيضي فِي علم الله سِتا أَو سبعا كَمَا تحيض النِّسَاء ويطهرن
الحَدِيث الثَّانِي قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : تحيضي فِي علم الله سِتا أَو سبعا كَمَا تحيض النِّسَاء ويطهرن . هَذَا الحَدِيث أصل عَظِيم فِي الْبَاب ، وَعَلِيهِ مَدَاره ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَقد ذكر مِنْهُ قِطْعَة الرَّافِعِيّ بعد هَذَا ، فنذكره بِتَمَامِهِ ، فَنَقُول : رَوَى الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي وَأحمد فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابيه الْمعرفَة ، والسّنَن من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عَقيل - بِفَتْح الْعين - ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة ، عَن عَمه عمرَان بن طَلْحَة ، عَن أمه حمْنَة بنت جحش رَضي اللهُ عَنها قَالَت : كنت أسْتَحَاض حَيْضَة كَبِيرَة شَدِيدَة ، فَأتيت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أستفتيه وَأخْبرهُ ، فَوَجَدته فِي بَيت أُخْتِي زَيْنَب بنت جحش ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أسْتَحَاض حَيْضَة كَثِيرَة شَدِيدَة فَمَا تَأْمُرنِي فِيهَا ؟ قد منعتني الصَّوْم وَالصَّلَاة ، قَالَ : أَنعَت لَك الكرسف ، فَإِنَّهُ يذهب الدَّم ، قَالَت : هُوَ أَكثر من ذَلِك ؟ قَالَ : فتلجمي . قَالَت : هُوَ أَكثر من ذَلِك ؟ قَالَ : فاتخذي خرقًا .
قَالَت : هُوَ أَكثر من ذَلِك ، إِنَّمَا أثج ثجًّا ، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : سآمرك بأمرين ، أَيهمَا صنعت أَجْزَأَ عَنْك ، فَإِن قويت عَلَيْهِمَا فَأَنت أعلم ، فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ ركضة من الشَّيْطَان فتحيضي سِتَّة أَيَّام أَو سَبْعَة أَيَّام فِي علم الله ، ثمَّ اغْتَسِلِي ، فَإِذا رَأَيْت أَنَّك قد طهرت واستنقأت فَصلي أَرْبعا وَعشْرين لَيْلَة أَو ثَلَاثًا وَعشْرين لَيْلَة وأيامها ، فصومي وَصلي ، فَإِن ذَلِك يجزئك ، وَكَذَلِكَ فافعلي كَمَا تحيض النِّسَاء ، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن ، وَإِن قويت عَلَى أَن تؤخري الظّهْر وتعجلِي الْعَصْر ، ثمَّ تغتسلين حتَّى تطهرين ، وتصلين الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ، ثمَّ تؤخرين الْمغرب وتعجلين الْعشَاء ، ثمَّ تغتسلين وتجمعين بَين الصَّلَاتَيْنِ فافعلي ، ثمَّ تغتسلين مَعَ الصُّبْح وتصلين ، وَكَذَلِكَ فافعلي وصومي إِن قويت عَلَى ذَلِك ، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ أعجب الْأَمريْنِ إليّ هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ . وَلَفظ البَاقِينَ بِنَحْوِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . قَالَ : وَرَوَاهُ عبيد الله بن عَمْرو الرقي ، وَابْن جريج ، وَشريك ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة ، عَن عَمه عمرَان ، عَن أمه حمْنَة ، إِلَّا أَن ابْن جريج يَقُول : عمر بن طَلْحَة ، وَالصَّحِيح : عمرَان بن طَلْحَة .
قَالَ : وسالت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَنهُ فَقَالَ : هُوَ حَدِيث حسن . قَالَ : وَهَكَذَا قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : هُوَ حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : قد اتّفق الشَّيْخَانِ - يَعْنِي : البُخَارِيّ وَمُسلمًا - عَلَى إِخْرَاج حَدِيث الْمُسْتَحَاضَة من حَدِيث الزُّهْرِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة عَن عَائِشَة : أَن فَاطِمَة بنت جحش سَأَلت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَلَيْسَ فِيهِ هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي فِي حَدِيث حمْنَة بنت جحش .
قَالَ : وَرِوَايَة عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل وَهُوَ من أَشْرَاف قُرَيْش وَأَكْثَرهم رِوَايَة ، غير أَن الشَّيْخَيْنِ لم يحْتَجَّا بِهِ ، قَالَ : وَله شَوَاهِد فَذكرهَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : اخْتلف عَلَى عبد الله بن عقيل فِيهِ ، فَرَوَاهُ أَبُو أَيُّوب الأفريقي عبد الله بن عَلّي عَنهُ عَن جَابر وَوهم فِيهِ ، وَخَالفهُ عبيد الله بن عمر ، وَابْن جُرَيْج ، وعَمرو بن أبي ثَابت ، وزُهير بن مُحَمَّد ، وَإِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، فَرَوَوْه عَن ابْن عَقيل ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة ، عَن عمرَان بن طَلْحَة ، عَن أمه حمْنَة قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيح . قلت : وَخَالف هَؤُلَاءِ جمَاعَة فضعفوه ، قَالَ الْخطابِيّ : ترك بعض الْعلمَاء الِاحْتِجَاج بِهِ ؛ لِأَن رَاوِيه ابْن عقيل لَيْسَ بِذَاكَ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن و الْمعرفَة : تفرد بِهِ ابْن عقيل ، وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : رَوَاهُ عَمْرو بن ثَابت ، عَن ابْن عقيل ، فَقَالَ : قَالَت حمْنَة : وهُوَ أعجب الْأَمريْنِ ، وَلم يَجعله قَول النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُد : كَانَ عَمْرو بن ثَابت رَافِضِيًّا . وَذكره عَن يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله وَمِنْهَا نقلت : سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيث حسن إِلَّا أَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة هُوَ قديم لَا أَدْرِي سمع مِنْهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل أم لَا ، وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول : هُوَ حَدِيث صَحِيح .
وَقَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح عِنْدهم بِوَجْه من الْوُجُوه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن عقيل وَقد أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ ، فوهنه وَلم يقو إِسْنَاده . ورده أَبُو مُحَمَّد بن حزم بِوُجُوه : أَحدهَا : الِانْقِطَاع بَين ابْن جريج وَابْن عقيل ، وَزعم أَن ابْن جريج لم يسمعهُ من ابْن عقيل ، بَينهمَا فِيهِ النُّعْمَان بن رَاشد ، وَذكره بِسَنَدِهِ وَضعف النُّعْمَان هَذَا . ثَانِيهَا : أَنه رَوَاهُ عَن ابْن عقيل : شريك وَزُهَيْر بن مُحَمَّد ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيف .
ثَالِثهَا : أَن عمر بن طَلْحَة غير مَخْلُوق وَلَا يعرف لطلْحَة ابْن اسْمه عمر ، قَالَ : وَرُوِيَ من طَرِيق ابْن أبي أُسَامَة ، وَقد ترك حَدِيثه فَسقط الْخَبَر جملَة ، وَعَن أبي دَاوُد عَن أَحْمد أَنه قَالَ : فِي هَذَا الْبَاب حديثان ، وثالث فِي النَّفس مِنْهُ شَيْء . وَفسّر أَبُو دَاوُد الثَّالِث بِأَنَّهُ حَدِيث حمْنَة هَذَا . قلت : وَلَك أَن تجيب عَمَّا طعنوا فِيهِ ، وَأما ترك بعض الْعلمَاء الِاحْتِجَاج بِهِ فمعارض بتصحيح غَيره لَهُ .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الْقَائِل لَا يقبل ؛ فَإِن أَئِمَّة الحَدِيث صححوه ، وَهَذَا الرَّاوِي وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فِي توثيقه وجرحه فقد صحّح الْحفاظ حَدِيثه هَذَا ، وهم أهل هَذَا الْفَنّ ، وَقد علم من قاعدتهم فِي حد الحَدِيث الصَّحِيح وَالْحسن أَنه إِذا كَانَ فِي الرَّاوِي بعض الضعْف يجْبر حَدِيثه بشواهد لَهُ أَو متابعات وَهَذَا من ذَلِك . وَأما مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ من تفرد ابْن عقيل بِهِ ، فَجَوَابه أَنه إِذا كَانَ الرَّاجِح توثيقه فَلَا يضر تفرده بِهِ ؛ لِأَن تفرد الثِّقَة بِالْحَدِيثِ لَا يضر ، وَقد عرفت حَاله فِي بَاب الْوضُوء ، وَقد ذكرنَا آنِفا تَحْسِين أَحْمد وَالْبُخَارِيّ حَدِيثه هَذَا ، وَزَاد أَحْمد تَصْحِيحه . وَأما مَا ذكره أَبُو دَاوُد من أَن عَمْرو بن ثَابت رَوَاهُ عَن ابْن عقيل فَقَالَ : قَالَت حمْنَة : هَذَا أعجب الْأَمريْنِ إليَّ فَجعله من قَوْلهَا ، وَلم يَجعله قَول النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا يقْدَح فِيمَا تقدم ؛ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنَّهَا قَالَت ذَلِك بعد قَول النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَن هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَأحمد وَغَيرهمَا من جِهَة زُهَيْر عَن ابْن عقيل ، لَا من جِهَة عَمْرو بن ثَابت .
وَأما قَول يَحْيَى بن معِين أَن عَمْرو بن ثَابت كَانَ رَافِضِيًّا ، فمسلّم ، لَكِن لم ينْقل أحد أَنه كَانَ دَاعِيَة ، نعم هُوَ مَتْرُوك . وَأما مَا ذكره التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ من توقفه فِي سَماع ابْن عقيل من إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة لقدم إِبْرَاهِيم ؛ فَجَوَابه أَن إِبْرَاهِيم هَذَا مَاتَ سنة عشر وَمِائَة فِي قَول أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَعلي ابن الْمَدِينِيّ ، وَخَلِيفَة بن خياط ، وَهُوَ تَابِعِيّ سمع عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ، وَأَبا أسيد السَّاعِدِيّ ، وأَبَا هُرَيْرَة ، وَعَائِشَة . وَابْن عقيل سمع : عبد الله بن عمر ، وَجَابِر بن عبد الله ، وأنسا وَالربيع بنت معوذ ، فَلَا يُنكر إِذا سَمَاعه من إِبْرَاهِيم لقدمه ، وَابْن أبي طَلْحَة من هَؤُلَاءِ فِي الْقدَم ، وهم نظراء ، وَلَو توقف البُخَارِيّ عَن ذَلِك غير مُعَلل بعلة أَو بعلة أُخْرَى لما توجه الْإِنْكَار عَلَيْهِ عَلَى أَنِّي رَأَيْت بعض مَشَايِخنَا يَقُول : إِن فِي صِحَة هَذَا عَن البُخَارِيّ نظرا ، لَكِن قد نَقله عَنهُ مثل هَذَا الإِمَام ، وَجَوَابه مَا سلف .
وَأما قَول ابْن مَنْدَه فِي ابْن عقيل ، فقولة عَجِيبَة مِنْهُ ، وَقد أنكرها عَلَيْهِ صَاحب الإِمَام وَقَالَ : لَيْسَ الْأَمر كَمَا ذكره وَإِن كَانَ بحرًا من بحور هَذِه الصِّنَاعَة ، فقد ذكر التِّرْمِذِيّ أَن الْحميدِي وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق كَانُوا يحتجون بِحَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِيهِ : أَنه مقارب الحَدِيث . قلت : وَحسن حَدِيثه هَذَا وَصَححهُ كَمَا سلف . وَأما مَا ذكره ابْن أبي حَاتِم فَلم يبين سَبَب وهنه حتَّى يبْحَث مَعَه عَنهُ ، وَلَعَلَّه أَرَادَ بعض مَا مَضَى أَو مَا يَأْتِي ، وَقد أجبنا عَنهُ .
وَأما رد ابْن حزم بالانقطاع بَين ابْن جريج وَابْن عقيل وَضعف الْوَاسِطَة بَينهمَا ، فَجَوَابه أَن التِّرْمِذِيّ وَأَبا دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم رَوَوْهُ من غير طَرِيق ابْن جرير ، فليتصل طَرِيق ابْن جريج أَو لينقطع ، ولتكن الْوَاسِطَة بَينه وَبَين ابْن عقيل ضَعِيفا إِن شَاءَ أَو قويًّا ، وَعَلَى تَقْدِير الْوَاسِطَة وَهُوَ النُّعْمَان بن رَاشد ، فقد أخرج لَهُ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، وَقَالَ : فِي حَدِيثه وهمٌ كثير وَهُوَ صَدُوق فِي الأَصْل . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : أدخلهُ البُخَارِيّ فِي الضُّعَفَاء ، فَسمِعت أبي يَقُول : يحول اسْمه مِنْهُ . وَأما تَضْعِيفه لِشَرِيك فَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، لِأَنَّهُ مخرج لَهُ فِي الصَّحِيح ، وَقد انْفَرد بِهَذَا الطَّرِيق ابْن مَاجَه ، فأخرجها فِي سنَنه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، عَن يزِيد بن هَارُون ، عَن شريك ، عَن ابْن عقيل بِهِ كَمَا تقدم .
وَأما تَضْعِيفه زهيرًا وَهُوَ الَّذِي سَاقه من قدمْنَاهُ من طَرِيقه خلا ابْن مَاجَه ، فقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه محتجًا بِهِ ، وَمُسلم فِي الشواهد ، وَقَالَ أَحْمد : هُوَ مُسْتَقِيم الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَحَله الصدْق وَفِي حفظه شَيْء ، وَحَدِيثه بِالشَّام أنكر من حَدِيثه بالعراق . وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الصَّغِير : مَا رَوَى عَنهُ أهل الشَّام فَإِنَّهُ مَنَاكِير ، وَمَا رَوَى عَنهُ أهل الْبَصْرَة فَإِنَّهُ صَحِيح الحَدِيث .
قَالَ الإِمَام أَحْمد : كَأَن الَّذِي رَوَى عَنهُ أهل الشَّام زهيرًا آخر ؛ فَقلب اسْمه . وَقَالَ الدَّارمِيّ : ثِقَة صَدُوق وَله أغاليط . وَقَالَ يَحْيَى : ثِقَة .
وَقَالَ ابْن عدي : لَعَلَّ أهل الشَّام حَيْثُ رووا عَنهُ أخطئوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إِذا حدّث عَنهُ أهل الْعرَاق فروايتهم عَنهُ شَبيهَة بالمستقيمة ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . قلت : وَحَدِيثه هَذَا من رِوَايَة أبي عَامر الْعَقدي عَنهُ ، وَهُوَ بَصرِي ، فَهَذَا من حَدِيث أهل الْعرَاق وَلَيْسَ من حَدِيث أهل الشَّام . وَأما إِنْكَاره عمر بن طَلْحَة فقد أسلفنا عَن التِّرْمِذِيّ أَنه لَا يَقُوله فِي هَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا ابْن جريج ، وَغَيره يَقُول : عمرَان .
وَهُوَ مَا سَاقه التِّرْمِذِيّ وَغَيره مِمَّن أسلفنا . وَأما تَضْعِيفه لِلْحَارِثِ بن أبي أُسَامَة الْحَافِظ صَاحب الْمسند فَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَقد تكلم فِيهِ الْأَزْدِيّ بِلَا حجَّة ، والأزدي مُتَكَلم فِيهِ ، وَلينه بعض البغاددة لكَونه يَأْخُذ عَلَى الرِّوَايَة ، أَي : أجرا ، قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قد اخْتلف فِيهِ ، وَهُوَ عِنْدِي صَدُوق .
وَقَالَ البرقاني : أَمرنِي الدَّارَقُطْنِيّ أَن أخرج عَنهُ فِي الصَّحِيح ، وَخرج عَنهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه . وَأما تَفْسِير أبي دَاوُد الحَدِيث الثَّالِث - الَّذِي قَالَ فِيهِ أَحْمد مَا أسلفناه عَنهُ - بِأَنَّهُ حَدِيث حمْنَة ، فَهُوَ معَارض بِنَقْل التِّرْمِذِيّ عَنهُ أَنه صَححهُ . فَائِدَة : فِي ضبط أَلْفَاظه ومعانيه ، مَعْنَى أَنعَت لَك الكرسف : أصف لَك قيل : النَّعْت وصف الشَّيْء بِمَا فِيهِ من حسن ، وَلَا يُقَال فِي الْقبْح إِلَّا أَن يتَكَلَّف متكلف فَيَقُول : نعت سوء .
والكرسف - بِضَم الْكَاف وَالسِّين - الْقطن ، وَقد جعل وَصفا فِي حَدِيث كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب يَمَانِية كُرْسُف وهُوَ من بَاب إبل مائَة وجبة ذِرَاع ، مِمَّا جعل وَصفا وَإِن لم يكن مشتقًّا . وَقَوله : تلجمي اللجام مَا تشده الْحَائِض . قَالَه الْجَوْهَرِي ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : قَالَ الْخَلِيل : اللجام مَعْرُوف ، فَإِن أخذناه من هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ : افعلي فعلا يمْنَع سيلان الدَّم واسترساله كَمَا يمْنَع اللجام استرسال الدَّابَّة ، ثمَّ نقل عَن بَعضهم أَن اللجمة فِيمَا يُقَال فوهة النَّهر ، قَالَ : فَإِن صَحَّ هَذَا فَيكون مَعْنَاهُ شدّ اللجمة ، وَهِي الفوهة الَّتِي ينهر مِنْهَا الدَّم ، قَالَ : وَهَذَا بديع غَرِيب ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب : وَورد فِي هَذَا الحَدِيث تلجمي واستثفري - قلت : لم أَقف عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ الثَّانِي - ثمَّ ذكر عَن الْهَرَوِيّ احْتِمَالَيْنِ فِي الاستثفار ، ثمَّ قَالَ : وَالْمرَاد بالتلجم والاستثفار شَيْء وَاحِد .
قَالَ : وَسَماهُ الشَّافِعِي التَّعْصِيب أَيْضا . والثج : السيلان ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى : ثجاجًا ، أَي : سيّالا ، وَمِنْه الحَدِيث : أفضل الْحَج العج والثج . والركض : أَصله الضَّرْب بِالرجلِ والإصابة بهَا ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بقوله : ركضة الشَّيْطَان الْإِضْرَار بِالْمَرْأَةِ والأذى لَهَا ، بِمَعْنى أَن الشَّيْطَان وجد بذلك سَبِيلا إِلَى التلبيس عَلَيْهَا فِي أَمر دينهَا وطهرها وصلاتها ، حتَّى أَنْسَاهَا بذلك عَادَتهَا ، فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَأَنَّهُ ركضة يَا لَهُ من ركضاته ، وَإِضَافَة ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه ) ، وَقيل : هُوَ حَقِيقَة ، وَأَن الشَّيْطَان ضربهَا حتَّى انْقَطع عرقها .
وَقَوْلها : تحيضي فِي علم الله أَي : الزمي الْحيض وَأَحْكَامه فِيمَا أعلمك الله من عَادَة النِّسَاء ، كَذَا قَالَ أَصْحَابنَا فِي كتبهمْ ، وَالْعلم هُنَا بِمَعْنى الْمَعْلُوم . وَقَالَ الْخطابِيّ : مَعْنَاهُ : فِيمَا علم الله من أَمرك من سِتَّة أَو سَبْعَة . وَقَوله : كَمَا تحيض النِّسَاء المُرَاد غَالب النِّسَاء ، لِاسْتِحَالَة إِرَادَة النِّسَاء كُلهنَّ لاختلافهم .
وَقَوله : مِيقَات حيضهن هُوَ بِنصب التَّاء عَلَى الظّرْف ، أَي : فِي وَقت حيضهن . فَائِدَة ثَانِيَة : حمْنَة هَذِه هِيَ بنت جحش أُخْت زَيْنَب بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ ، كَمَا تقدم فِي الحَدِيث ، كَانَت تَحت مُصعب بن عُمَيْر ، فاستشهد عَنْهَا يَوْم أحد فَتَزَوجهَا طَلْحَة بن عبيد الله ، فَولدت لَهُ مُحَمَّدًا وَعمْرَان ، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ فِيمَا حَكَاهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي أَطْرَافه : بَعضهم يغلط فيروي أَن الْمُسْتَحَاضَة حمْنَة بنت جحش ، ويظن أَن كنيتها أم حَبِيبَة ، وَهُوَ يَعْنِي الْمُسْتَحَاضَة حَبِيبَة أم حبيب . وَكَذَا نقل الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْحَرْبِيّ أَن الصَّوَاب أم حبيب بِغَيْر هَاء وَأَن اسْمهَا حَبِيبَة ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَهَذَا صَحِيح ، وَكَانَ من أعلم النَّاس بِهَذَا الْبَاب .
وَذكر الزبير بن بكار وشباب الْعُصْفُرِي أَنَّهَا حمْنَة ، وكناها ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن حزم فِي جمهرتهما ، وَابْن عَسَاكِر والمزي : أم حَبِيبَة ، وَذكر الْمزي أَن أَبَا دَاوُد أخرجه من أحد الْوَجْهَيْنِ عَن حَبِيبَة وَهِي حمْنَة ، وَأَن ابْن مَاجَه أخرجه من وَجْهَيْن أَحدهمَا عَن حمْنَة ، وَالْأُخْرَى عَن أم حَبِيبَة . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : حمْنَة بنت جحش ، قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : هِيَ أم حَبِيبَة . وَخَالفهُ يَحْيَى بن معِين فَزعم أَن الْمُسْتَحَاضَة أم حَبِيبَة بنت جحش تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لَيست بحمنة .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث ابْن عقيل يدل عَلَى أَنَّهَا غَيرهَا كَمَا قَالَ يَحْيَى ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر : أم حَبِيبَة بنت جحش كَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَت تستحاض ، وَقيل : إِن الْمُسْتَحَاضَة كَانَت حمْنَة أُخْتهَا ، وَالصَّحِيح عِنْد أهل الحَدِيث أَنَّهُمَا كِلَاهُمَا مستحاضتان ، قَالَ : وَبَنَات جحش الثَّلَاث استحضن ، زَيْنَب وَأم حَبِيبَة وَحمْنَة . فَائِدَة ثَالِثَة : اخْتلف الْعلمَاء فِي حمْنَة هَذِه ، هَل كَانَت مُسْتَحَاضَة مُبتَدأَة أَو مُعْتَادَة ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَاخْتَارَ الْخطابِيّ وجماعات من أَصْحَابنَا أَنَّهَا كَانَت مُبتَدأَة فَردَّتْ إِلَى غَالب عَادَة النِّسَاء ، قَالَ الْخطابِيّ : وَيدل لَهُ قَوْله : كَمَا تحيض النِّسَاء ويطهرن ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِي فِي الْأُم أَنَّهَا كَانَت مُعْتَادَة وأوضح دَلِيله ، وَقَالَ : هَذَا أشبه مَعَانِيه ، وَرجحه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة ، وَقَالَ فِي خلافياته : إِنَّه الظَّاهِر . وَلم يرجح فِي سنَنه شَيْئا .
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة : من قَالَ : كَانَت مُعْتَادَة ، ذكرُوا فِي ردهَا إِلَى السِّتَّة أَو السَّبْعَة ثَلَاث تأويلات ، أَحدهَا : مَعْنَاهُ سِتَّة إِن كَانَت عادتك سِتا ، أَو سبعا إِن كَانَت عادتك سبعا . ثَانِيهَا : لَعَلَّهَا شكت ، هَل عَادَتهَا سِتَّة أَو سَبْعَة ، فَقَالَ : تحيضي سِتَّة إِن لم تذكري عادتك أَو سبعا إِن ذكرت أَنَّهَا عادتك . ثَالِثهَا : لَعَلَّ عَادَتهَا كَانَت تخْتَلف ، فَفِي بعض الشُّهُور سِتَّة وَفِي بَعْضهَا سَبْعَة ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام سِتَّة فِي شهر السِّتَّة ، وَسَبْعَة فِي شهر السَّبْعَة ، فَتكون لَفْظَة أَو للتقسيم .