الحَدِيث الْحَادِي عشر من أَتَى امْرَأَته حَائِضًا فليتصدق بِدِينَار
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : من أَتَى امْرَأَته حَائِضًا فليتصدق بِدِينَار ، وَمن أَتَاهَا وَقد أدبر الدَّم فليتصدق بِنصْف دِينَار ، وَفِي رِوَايَة : إِذا وَطئهَا فِي إقبال الدَّم فدينار ، وَإِن وَطئهَا فِي إدبار الدَّم بعد انْقِطَاعه وَقبل الغسيل فَعَلَيهِ نصف دِينَار ، وَفِي رِوَايَة : إِذا وَقع بأَهْله وَهِي حَائِض إِن كَانَ دَمًا أَحْمَر فليتصدق بِدِينَار ، وَإِن كَانَ أصفر فليتصدق ، بِنصْف دِينَار ، وَفِي رِوَايَة : من أَتَى حَائِضًا تصدق بدينارٍ أَو نصف دِينَار . هَذَا الحَدِيث مدون بِكُل هَذِه الرِّوَايَات . أما الرِّوَايَة الأولَى فرواها الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن جريج ، عَن أبي أُميَّة الْبَصْرِيّ ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : إِذا أَتَى أحدكُم امْرَأَته فِي الدَّم فليتصدق بِدِينَار ، وَإِذا وَطئهَا وَقد رَأَتْ الطُّهْر وَلم تَغْتَسِل فليتصدق بِنصْف دِينَار .
وَرَوَاهَا أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا : فِي الرجل يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض ، قَالَ : إِن أَتَاهَا فِي الدَّم تصدق بِدِينَار ، وَإِذا أَتَاهَا فِي غير الدَّم تصدق بِنصْف دِينَار . وَأما الرِّوَايَة الثَّانِيَة : فرواها الْبَيْهَقِيّ أَيْضا لَكِن من تَفْسِير مقسم الرَّاوِي ، عَن ابْن عَبَّاس رَوَاهَا من حَدِيث روح بن عبَادَة ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن عبد الْكَرِيم بن أبي أُميَّة ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره أَن يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار ، وَفسّر ذَلِك مقسم ، فَقَالَ : إِن غشيها فِي الدَّم فدينار ، وَإِن غشيها بعد انْقِطَاع الدَّم قبل أَن تَغْتَسِل فَنصف دِينَار . وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن ابْن جريج ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن رجل ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : إِذا أَتَاهَا فِي دم فدينار ، وَإِذا أَتَاهَا وَقد انْقَطع الدَّم فَنصف دِينَار .
وَأما الرِّوَايَة الثَّالِثَة : فرواها التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الْكَرِيم عَن مقسم أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذا كَانَ دَمًا أَحْمَر فدينار ، وإِذا كَانَ دَمًا أصفر فَنصف دِينَار . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : إِن كَانَ الدَّم عبيطًا فليتصدق بِدِينَار ، وَإِن كَانَ الدَّم أصفر فليتصدق بِنصْف دِينَار . وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى مُخْتَصرا بِلَفْظ أنه عليه السلام قَالَ : فليتصدق بِدِينَار أَو نصف دِينَار .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ : من أَتَى امْرَأَته وَهِي حَائِض فَعَلَيهِ دِينَار ، وَمن أَتَاهَا فِي الصُّفْرَة فَنصف دِينَار . رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن عبد الْكَرِيم ، وَعلي بن بذيمة ، وخصيف ، عَن مقسم بِهِ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : من أَتَى امْرَأَته فِي الدَّم فَعَلَيهِ دِينَار ، وَفِي الصُّفْرَة نصف دِينَار .
ورَوَاهُ أَبُو يعْلى فِي مُسْنده عَن عَلّي بن الْجَعْد ، عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، عَن عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : فِي رجل جَامع امْرَأَته وَهِي حَائِض ، فَقَالَ : إِن كَانَ دَمًا عبيطًا فليتصدق بِدِينَار ، وَإِن كَانَ فِيهِ صفرَة فَنصف دِينَار . رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده عَن عبيد الله بن مُوسَى ، عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته وَهِي حَائِض ، فَإِن كَانَ الدَّم عبيطًا فليتصدق بِدِينَار ، وَإِن كَانَ صفرَة فليتصدق بِنصْف دِينَار . وَأما الرِّوَايَة الرَّابِعَة فقد أسلفناها عَن رِوَايَة ابْن الْجَارُود وَلها طرق أُخْرَى : إِحْدَاهَا - وَهِي أَقْوَى طرق الحَدِيث - : عَن شُعْبَة ، عَن الحكم ، عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي أَتَى امْرَأَته وَهِي حَائِض قَالَ : يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار .
رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن ، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ مَوْقُوفا ، ثمَّ قَالَ : قَالَ شُعْبَة : أما حفظي فَهُوَ مَرْفُوع ، وَأما فلَان وَفُلَان ، فَقَالَا : غير مَرْفُوع ، فَقَالَ بعض الْقَوْم : حَدثنَا بحفظك ، ودع مَا قَالَ فلَان وَفُلَان ، قَالَ : وَالله مَا أحب أَنِّي عمرت فِي الدُّنْيَا عمر نوح وَأَنِّي حدثت بِهَذَا أَو سكت عَن هَذَا . ثَانِيهَا : عَن المكفوف ، عَن أَيُّوب بن خوط - بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة - عَن قَتَادَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : فليتصدق بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار . رَوَاهُ عبد الْملك بن حبيب الْمَالِكِي فِيمَا حَكَاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي الإِمَام عَنهُ .
ثَالِثهَا : عَن يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : فِي الَّذِي يَقع عَلَى امْرَأَته وَهِي حَائِض يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ . رَابِعهَا : عَن شريك ، عَن خصيف ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا فِي الرجل يَقع عَلَى امْرَأَته وَهِي حَائِض قَالَ : يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، عَن عَلّي بن حُجر ، عَن شريك بِهِ ، وَفِي بعض نسخه : دِينَار أَو نصف دِينَار ، وَعَلَيْهَا اعْتمد صَاحب الإِمَام .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن مُحَمَّد بن الصَّباح ، عَن شريك بِهِ بِلَفْظ : إِذا وَقع الرجل بأَهْله وَهِي حَائِض فليتصدق بِنصْف دِينَار . ورَوَاهُ الدَّارمِيّ عَن أبي الْوَلِيد وَغَيره عَن شريك بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث شريك ، عَن خصيف ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَمن حَدِيث شريك ، عَن خصيف ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَمن حَدِيث الْحجَّاج عَن خصيف ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس .
قلت : وَرُوِيَ أَيْضا عَلَى نمط آخر رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عَطاء الْعَطَّار ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض : يتَصَدَّق بِدِينَار ، فَإِن لم يجد فبنصف دِينَار . وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كتاب الصَّلَاة عَن سُفْيَان ، عَن عَلّي بن بذيمة بِهِ ، عَن مقسم ، عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَقع عَلَى امْرَأَته وَهِي حَائِض قَالَ : نصف دِينَار ، ثمَّ قَالَ : وحَدَّثَنَا سُفْيَان ، عَن خصيف ، عَن مقسم ، عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثله . إِذا عرفت هَذِه الطّرق فقد أعلت الرِّوَايَة الأولَى بمقسم .
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ : مقسم لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، فَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ . قلت : وَأَبُو أُميَّة الْبَصْرِيّ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ عبد الْكَرِيم الْمَذْكُور فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ، وستعلم مَا فِيهِ ، وأعلت أَيْضا بالاختلاف كَمَا سَيَأْتِي ، وَأما الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة ، فقد أعلتا بِعَبْد الْكَرِيم ، رَوَاهُ عَن مقسم وَاخْتلف فِيهِ ، فَقيل : إِنَّه ابْن أبي الْمخَارِق . وَبِه صرح أَبُو يعْلى فِي مُسْنده كَمَا سلف ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ صرح بِأَنَّهُ أَبُو أُميَّة ، ونَقله عَن الْحَاكِم ، عَن الْفَقِيه أبي بكر بن إِسْحَاق كَمَا سَيَأْتِي ، وَجزم بِهِ أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ، وجَامع المسانيد ، وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا فِي بَاب التَّهَجُّد من صَحِيحه ، فَقَالَ : قَالَ سُفْيَان ، وَزَاد : عبد الْكَرِيم أَبُو أُميَّة .
وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة ، وَقَالَ صَاحب الْكَمَال : اسْتِقْلَالا . وَأما أَبُو أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ فَإِنَّهُ كذبه ، وَضرب أَحْمد عَلَى حَدِيثه ، وَقَالَ : إِنَّه شَبيه بالمتروك . وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِشَيْء .
وَقَالَ السَّعْدِيّ : غير ثِقَة ، وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن حبَان : كثير الْوَهم فَاحش الْخَطَأ ، فَلَمَّا كثر ذَلِك مِنْهُ بَطل الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقيل : إِنَّه ابْن مَالك الْجَزرِي .
قَالَ صَاحب الإِمَام : بَلغنِي عَن الوقشي أَنه قَالَ : عبد الْكَرِيم هَذَا هُوَ ابْن مَالك أَبُو سعيد الْجَزرِي . قَالَ : وَرِوَايَة الْبَيْهَقِيّ ، يَعْنِي : الَّتِي قدمناها ، تضعف قَول الوقشي فَإِن فِيهَا التَّصْرِيح بِأَنَّهُ أَبُو أُميَّة ، قلت : لَا ، وَرِوَايَة أبي يعْلى الَّتِي أسلفناها أصرح مِنْهَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : فِيهَا عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق ، وَلَو صحت هَذِه الْمقَالة لَكَانَ الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه صَحِيحا ؛ لِأَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي من الثِّقَات الْحفاظ المكثرين ، خرج حَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة ، وَلَا يضر توقف ابْن حبَان فِيهِ ، وَإِن كَانَ لَهُ مَا يُنكر ، فقد احْتج بِمن هُوَ دونه ، ثمَّ رَأَيْت الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي جزم بِهَذِهِ الْمقَالة ، فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي أَطْرَافه فِي تَرْجَمَة عبد الْكَرِيم الْجَزرِي ، فَقَوِيت هَذِه الْمقَالة ، فَلَعَلَّ الحَدِيث عَنْهَا وَالله أعلم بِالصَّوَابِ ، وَالْقلب إِلَى الأول أميل ، وأعلتا أَيْضا بالاختلاف حَيْثُ رَوَاهُ هِشَام الدستوَائي عَن عبد الْكَرِيم فَوَقفهُ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته وَهِي حَائِض قَالَ : يتَصَدَّق بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا أشبه بِالصَّوَابِ ، وَعبد الْكَرِيم غير مُحْتَج بِهِ . قَالَ : وَرَوَاهُ ابْن أبي عرُوبَة عَن عبد الْكَرِيم .
فَجعل التَّفْسِير من قَول مقسم ، قَالَ : وَقيل : عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس . قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا . قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس .
وَفِي علل أَحْمد ، عَن عبد الله قَالَ : حَدَّثَني أبي ، حَدثنَا سُفْيَان ، عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس : إِذا أَتَى امْرَأَته وَهِي حَائِض قيل لِسُفْيَان : يَا أَبَا مُحَمَّد ، هَذَا مَرْفُوع ، فَأَبَى أَن يرفعهُ ، وَقَالَ : أَنا أعلم بِهِ ، يَعْنِي : أَبَا أُميَّة . وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : لَيْسَ لَهُم مَا يعتلون بِهِ عَلَى رِوَايَة عبد الْكَرِيم ، غير أَن مِنْهُم من يرفعهُ كَمَا نقل الثَّوْريّ عَنهُ ، وَمِنْهُم من يقفه كَمَا فعل ابْن جريج عَنهُ ، وَعِنْدِي أَنه غير قَادِح . وَأما الرِّوَايَة الرَّابِعَة فَفِيهَا مَا فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة .
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة : فأعلت بالمكفوف ، وَقيل : لَا يعرف من هُوَ . كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام . وَأَيوب بن خوط أَبُو أُميَّة الْبَصْرِيّ تَرَكُوهُ ، قَالَ يَحْيَى : ضَعِيف لَا يكْتب حَدِيثه .
وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيّ بِزِيَادَة : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ الفلاس : لم يكن من أهل الحَدِيث ، كَانَ كثير الْغَلَط كثير الْوَهم ، يَقُول بِالْقدرِ ، مَتْرُوك الحَدِيث . وَأما الطَّرِيقَة الثَّالِثَة مِنْهَا ؛ فأعلها الْبَيْهَقِيّ بِيَعْقُوب بن عَطاء ، فَقَالَ عقب إِخْرَاجه لَهُ : يَعْقُوب هَذَا لَا يحْتَج بحَديثه .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : قد قَالَ ابْن عدي : ليعقوب هَذَا أَحَادِيث صَالِحَة ، وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه ، وَعِنْده غرائب . قلت : وَأخرج لَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا . وَأما الطَّرِيقَة الرَّابِعَة : فأعلت بِأُمُور : أَحدهَا بِشريك ، وَهُوَ القَاضِي ، قَالَ ابْن حزم فِي محلاه : شريك رَوَاهُ عَن خصيف ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيف ، فَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ .
قلت : شريك هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ الْعجلِيّ : ثِقَة حسن الحَدِيث . وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، وَرَوَى لَهُ مُسلم مُتَابعَة ، وَأخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، نعم قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَقَالَ الْقطَّان : مَا زَالَ مخلطًا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَهُ أغاليط . ثَانِيهَا : خصيف بن عبد الرَّحْمَن الْجَزرِي الَّذِي ضعفه ابْن حزم وَهُوَ مقارب الْأَمر ، ضعفه أَحْمد ، فَقَالَ : لَيْسَ بِقَوي فِي الحَدِيث .
وَفِي رِوَايَة عَنهُ : ضَعِيف الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى الْقطَّان : كُنَّا نجتنبه . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : تكلم فِي سوء حفظه ، وَهُوَ صَالح .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : غير مُحْتَج بِهِ . وَقَالَ فِي كتاب الْحَج : إِنَّه غير قوي . وَقَالَ النَّسَائِيّ مرّة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَقَالَ مرّة : صَالح . وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : ضَعِيف ، وَإِن كَانَ يخلط فِي محفوظه . وَوَثَّقَهُ جماعات ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : هُوَ ثِقَة .
وَقَالَ مرّة : صَالح . وَقَالَ مرّة : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ ابْن سعد : كَانَ ثِقَة .
وَكَذَا قَالَ أَبُو زرْعَة أَيْضا ، وَقَالَ ابْن عدي : إِذا حدث عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بحَديثه ، وَصحح الْحَاكِم حَدِيثه فِي الْمُسْتَدْرك ، وَلما نقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي كتاب الْحَج عَن الْبَيْهَقِيّ تَضْعِيفه خصيف قَالَ : قد قَالَه غَيره ، وَلَكِن قد خَالفه فِيهِ كَثِيرُونَ من الْحفاظ وَالْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين فِي هَذَا الشَّأْن ، ثمَّ نقل توثيقه عَن ابْن معِين ، وَابْن سعد ، وَالنَّسَائِيّ . وَالْأَمر الثَّالِث : الِاخْتِلَاف ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن رَوَاهُ فِي سنَنه فِي هَذِه الطَّرِيق : رَوَاهُ شريك مرّة فَشك فِي رَفعه ، وَرَوَاهُ الثَّوري عَن عَلّي بن بذيمة ، وخصيف لَا يحْتَج بِهِ ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : يُزَاد إِلَى تَضْعِيف خصيف اضْطِرَاب متن هَذَا الحَدِيث الَّذِي من رِوَايَته ، وَبَيَان اضطرابه هُوَ أَن ابْن جريج وَأَبا خَيْثَمَة وَغَيرهمَا روياه عَن خصيف ، فَقَالَا فِيهِ : بِنصْف دِينَار ، وَرَوَاهُ شريك وَغَيره عَنهُ ، فَقَالَ فِيهِ : بِدِينَار ، وَكَذَا قَالَ عَنهُ الثَّوْريّ إِلَّا أَنه أرْسلهُ فَلم يذكر ابْن عَبَّاس ، وَعَن شريك فِيهِ رِوَايَة أُخْرَى قَالَ فِيهِ : عَن خصيف ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ : بِنصْف دِينَار أَيْضا هَكَذَا جعله فِي هَذِه الرِّوَايَة عَن عِكْرِمَة لَا عَن مقسم ، والْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَن مقسم وَحمل فِيهِ النَّسَائِيّ عَلَى شريك وَخطأ قَوْله عَن عِكْرِمَة . قَالَ : وَهَذَا الِاضْطِرَاب عِنْدِي مُمكن أَن يكون من خصيف لَا من أَصْحَابه لما عهد من سوء حفظه .
وَأما الطَّرِيقَة الَّتِي أوردناها من طَرِيق أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ فاحتج بهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه لما أوردهُ من مُسْند الإِمَام أَحْمد ، وأعلها الْبَيْهَقِيّ بعطاء ، وَقَالَ : هُوَ ابْن عجلَان وَهُوَ ضَعِيف مَتْرُوك ، وَقَالَ : وَقد قيل عَنهُ عَن عَطاء وَعِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ بِشَيْء . قَالَ : وَرُوِيَ عَن عَطاء وَعِكْرِمَة أَنَّهُمَا قَالَا : لَا شَيْء عَلَيْهِ ويستغفر الله قَالَ : وَقد قيل : عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا ، فَإِن كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ من قَول ابْن عَبَّاس يَصح ، ثمَّ سَاقهَا - وَقد ذَكرنَاهَا فِي آخر الرِّوَايَة الأولَى - قَالَ : وَرُوِيَ عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء إِلَّا أَن يسْتَغْفر الله قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالْمَشْهُور عَن ابْن جريج ، عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس كَمَا سلف . هَذَا آخر كَلَامه ، وَاعْترض الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي ، فَقَالَ فِي الإِمَام : قَوْله فِي الْمَوْقُوف عَن ابْن عَبَّاس : إِن كَانَ مَحْفُوظًا تمريض عَجِيب ؛ فَإِن رُوَاته عَن آخِرهم ثِقَات .
قَالَ : وَقَوله : رُوِيَ عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يسْتَغْفر الله . لَعَلَّه يُشِير إِلَى الاستضعاف بمخالفة الرَّاوِي ، وَذَلِكَ مفتقر إِلَى تَصْحِيح الرِّوَايَة عَن عبد الرَّزَّاق وَبعد صِحَّته ، فقد علم مَا فِي مُخَالفَة الرَّاوِي . قَالَ : وَقَوله : وَالْمَشْهُور .. .
إِلَى آخِره . كَأَنَّهُ يقْصد بِهِ أَيْضا الاستضعاف ، وَلَيْسَ تتعارض تِلْكَ الرِّوَايَة مَعَ هَذِه . وَأما الطَّرِيقَة الأولَى من طرق الرِّوَايَة الرَّابِعَة ، وَهِي طَريقَة شُعْبَة عَن الحكم ، فإسنادها صَحِيح من غير شكّ وَلَا مرية ، وكل رُوَاته مخرج لَهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ خلا مقسم بن بجرة ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم كشجرة ، وَقيل : ابْن بجوة ، وَقيل : ابْن نجدة ، فَانْفَرد بِإِخْرَاج حَدِيثه البُخَارِيّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو حَاتِم فِي حَقه : صَالح الحَدِيث لَا بَأْس بِهِ .
ولَا أسلم لِابْنِ حزم قَوْله فِيهِ فِي محلاه إِثْر هَذَا الحَدِيث : مقسم لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ ، فَسقط الِاحْتِجَاج بِهِ ، فَإِنَّهُ من أَفْرَاده ، فَهَذَا الْإِسْنَاد إِذن عَلَى شَرط الصَّحِيح لَا جرم أَن الْحَاكِم لما خرج الحَدِيث فِي مُسْتَدْركه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، فَقَالَ : فقد احتجا بمقسم بن نجدة . قلت : لَا ، بل البُخَارِيّ فَقَط ، وَقد عده جمَاعَة من أَفْرَاده كَابْن طَاهِر ، وَصَاحب الإِمَام ، والمزي ، والذهبي . قَالَ الْحَاكِم : فَأَما عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن فَإِنَّهُ ثِقَة مَأْمُون ، قَالَ : وَشَاهده وَدَلِيله مَا حدّثنَاهُ ، فَذكر من حَدِيث أبي الْحسن الْجَزرِي ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : إِذا أَصَابَهَا فِي الدَّم فدينار ، وَإِذا أَصَابَهَا فِي انْقِطَاع الدَّم فَنصف دِينَار ، ثمَّ قَالَ : قد أرسل هَذَا الحَدِيث وأوقف أَيْضا .
قَالَ : وَنحن عَلَى أصلنَا الَّذِي أصلناه وَأَن القَوْل قَول الَّذِي يسند ويصل إِذا كَانَ ثِقَة . قلت : وَهَذَا الشَّاهِد الَّذِي اسْتشْهد بِهِ قد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي موضِعين مِنْهُ ، وَصحح الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه أَيْضا الْحَافِظ أَبُو الْحسن ابْن الْقطَّان كَمَا سَيَأْتِي ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي الإِمَام ، فَقَالَ : هَذِه الطَّرِيقَة هِيَ أَقْوَى طرقه ، ثمَّ سَاقهَا بِإِسْنَادِهِ وَعَزاهَا قَالَ : وَعبد الحميد الْمَذْكُور ، قَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ : وكل من فِي الْإِسْنَاد قبله من رجال الصَّحِيحَيْنِ .
قلت : وَهُوَ أَيْضا كَمَا تقدم . قَالَ : ومقسم أخرج لَهُ البُخَارِيّ . وَقَالَ : وَمن هَذَا الْوَجْه صحّح الحَدِيث من صَححهُ .
قَالَ : وَذكر الْخلال ، عَن أبي دَاوُد أَن أَحْمد قَالَ : مَا أحسن حَدِيث عبد الحميد فِيهِ . قيل لَهُ : أتذهب إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نعم ، إِنَّمَا هُوَ كَفَّارَة . قلت : وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن أَحَادِيث الحكم عَن مقسم كتاب إِلَّا خَمْسَة أَحَادِيث ، هَذَا أَحدهَا ، وَحَدِيث الْوتر والقنوت ، وعزمة الطَّلَاق ، وَجَزَاء مثل مَا قتل من النعم ، كَمَا ذكره الْبَغَوِيّ عَن شُعْبَة .
ثمَّ من أعل هَذَا الحَدِيث أعله بِوُجُوه كَمَا نبه عَلَيْهَا صَاحب الإِمَام أَحدهَا : الِاخْتِلَاف فِي رَفعه وَوَقفه ، فرفعه يَحْيَى بن سعيد ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر ، وَابْن أبي عدي ، عَن شُعْبَة ، وَمن جهتهم أخرجه ابْن مَاجَه ، وَرَفعه أَيْضا وهب بن جرير ، وَسَعِيد بن عَامر ، عَن شُعْبَة ، وَمن جهتهما أخرجه ابْن الْجَارُود ، وَكَذَلِكَ النَّضر بن شُمَيْل ، وَمن جِهَته أخرجه الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ عقبه : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَعبد الْوَهَّاب بن عَطاء ، عَن شُعْبَة ، وَلم يرفعهُ عبد الرَّحْمَن وَلَا بهز عَن شُعْبَة ، فِيمَا ذكره الإِمَام أَحْمد . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث مقسم هَذَا ؟ فَقَالَ : اخْتلفت الروَاة فِيهِ ، فَمنهمْ من يرويهِ عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا ، وَمِنْهُم من يرويهِ عَن مقسم عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسلا ، وَأما من حَدِيث شُعْبَة ، فَإِن يَحْيَى بن سعيد أسْندهُ ، وَحَكَى أَن شُعْبَة قَالَ : أسْندهُ الحكم لي مرّة وَوَقفه مرّة ، وَقَالَ أبي : لم يسمع الحكم من مقسم هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن ذكر الِاخْتِلَاف عَلَى شُعْبَة : إِن شُعْبَة رَجَعَ عَن رَفعه .
قَالَ : وَقد بَين عبد الرَّحْمَن بن مهْدي رُجُوعه عَنهُ بَعْدَمَا كَانَ يرفعهُ ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك ، قَالَ ابْن مهْدي : قيل لشعبة : إِنَّك كنت ترفعه ؟ قَالَ : إِنِّي كنت مَجْنُونا فصححت . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فقد رَجَعَ شُعْبَة عَن رَفعه وَجعله من قَول ابْن عَبَّاس . الْوَجْه الثَّانِي : الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده فَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن مطر الْوراق ، عَن الحكم بن عتيبة ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة : عَن الحكم ، عَن عبد الحميد ، عَن مقسم ، دلَالَة عَلَى أَن الحكم لم يسمعهُ من مقسم إِنَّمَا سَمعه من عبد الحميد عَن مقسم .
قَالَ : وَرَوَاهُ عبد الْوَهَّاب بن عَطاء ، عَن سعيد ، عَن قَتَادَة ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس أنه عليه السلام أمره أَن يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار ، ففسره قَتَادَة قَالَ : إِن كَانَ واجدًا فدينار ، وَإِن لم يجد فَنصف دِينَار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَلم يسمعهُ قَتَادَة من مقسم ، وَرَوَاهُ قَتَادَة ، عَن عبد الحميد ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن رجلا غشي امْرَأَته وَهِي حَائِض ، فَسَأَلَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن ذَلِك ؟ فَأمره أَن يتَصَدَّق بِدِينَار أَو نصف دِينَار ، قَالَ : وَلم يسمعهُ أَيْضا قَتَادَة من عبد الحميد ، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن الْجَعْد عَن قَتَادَة قَالَ : حَدَّثَني الحكم بن عتيبة أَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن حَدثهُ أَن مقسمًا حَدثهُ ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا أَتَى نَبِي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزعم أَنه أَتَى - يَعْنِي : امْرَأَته - وَهِي حَائِض ، فَأمره نَبِي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يتَصَدَّق بِدِينَار ، فَإِن لم يجد فَنصف دِينَار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا رَوَاهُ حَمَّاد بن الْجَعْد ، عَن قَتَادَة ، عَن الحكم مَرْفُوعا ، قَالَ : وَفِي رِوَايَة شُعْبَة ، عَن الحكم دلَالَة عَلَى أَن ذَلِك مَوْقُوف .
قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو عبد الله الشقري مَوْقُوفا ، إِلَّا أَنه أسقط عبد الحميد من إِسْنَاده . قَالَ : وَقَالَ أَبُو دَاوُد : رَوَى الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يزِيد بن أبي مَالك ، عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن ، أَظُنهُ عَن عمر بن الْخطاب ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أمره أَن يتَصَدَّق بخمسي دِينَار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا اخْتِلَاف ثَالِث فِي إِسْنَاده وَمَتنه .
قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا أَيْضا بِإِسْنَاد مُنْقَطع . قلت : الْوَجْه الثَّالِث : الطعْن الْمُطلق ؛ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الشَّافِعِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن فِيمَن أَتَى امْرَأَته حَائِضًا أَو بعد تَوْلِيَة الدَّم وَلم تَغْتَسِل : يسْتَغْفر الله - تَعَالَى - وَلَا يعود حتَّى تطهر وَتحل لَهَا الصَّلَاة . قَالَ : وَرُوِيَ فِيهِ شَيْء لَو كَانَ ثَابتا أَخذنَا بِهِ ، وَلكنه لَا يثبت مثله .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَنا أَبُو عبد الله الْحَافِظ قَالَ : قَالَ أَبُو بكر بن إِسْحَاق الْفَقِيه : جملَة هَذِه الْأَخْبَار مرفوعها وموقوفها يرجع إِلَى عَطاء الْعَطَّار ، وَعبد الحميد ، وَعبد الْكَرِيم ابْن أبي أُميَّة ، وَفِيهِمْ نظر . وَقَالَ الْخطابِيّ : قَالَ أَكثر الْعلمَاء : لَا شَيْء عَلَيْهِ ويستغفر الله ، وَزَعَمُوا أَن هَذَا الحَدِيث مُرْسل وَمَوْقُوف عَلَى ابْن عَبَّاس ، ولَا يَصح مُتَّصِلا وَمَرْفُوعًا ، والذمم بريئة إِلَّا أَن تقوم الْحجَّة بشغلها . وَقَالَ أَبُو عمر : حجَّة من لم يُوجب الْكَفَّارَة اضْطِرَاب هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس ، وَأَن مثله لَا تقوم بِهِ حجَّة ، وَأَن الذِّمَّة عَلَى الْبَرَاءَة ، وَلَا يجب أَن يثبت فِيهَا شَيْء لمسكين وَلَا غَيره إِلَّا بِدَلِيل لَا مدفع فِيهِ وَلَا مطْعن عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مَعْدُوم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة .
وَلما ذكر الْحَافِظ عبد الْحق فِي أَحْكَامه رِوَايَة التِّرْمِذِيّ لَهُ من طريقيه ، ثمَّ حَكَى عَن التِّرْمِذِيّ أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا ، قَالَ : وَلم يذكر ضعف الْإِسْنَاد . قَالَ : وَلَا يرْوَى بِإِسْنَاد يحْتَج بِهِ ، وَقد رُوِيَ فِيهِ : يتَصَدَّق بخمسي دِينَار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُرْسلا ، وَرَوَى فِيهِ : يعْتق نسمَة ، قَالَ : وَقِيمَة النَّسمَة يَوْمئِذٍ دِينَار ، وَلم يخص فِي إتْيَان الْحَائِض دَمًا من دم ، ذكره النَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَلَا يَصح فِي إتْيَان الْحَائِض إِلَّا التَّحْرِيم ، وَقد تعقبه الْحَافِظ أَبُو الْحسن ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ : لَيْسَ لَهُم مَا يعتلون بِهِ عَلَى رِوَايَة عبد الْكَرِيم ، غير أَنه رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا ، وَعِنْدِي أَنه غير قَادِح ، وَلَكنهُمْ يَزْعمُونَ أَن متن الحَدِيث بِالْجُمْلَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِوَايَة راوٍ بِعَيْنِه مُضْطَرب ، وَذَلِكَ عِنْدِي خطأ من الاعتلال ، وَالصَّوَاب أَن ينظر رِوَايَة كل راو بحسبها ، وَيعلم مَا خرج عَنهُ فِيهَا ، فَإِن صَحَّ من طَرِيق قُبل وَلَو كَانَت لَهُ طَرِيق آخر ضَعِيفَة ، وهم إِذا قَالُوا : هَذَا رُوِيَ فِيهِ بِدِينَار ، وَرُوِيَ نصف دِينَار ، وَرَوَى بِاعْتِبَار صِفَات الدَّم ، وَرُوِيَ دون اعْتِبَارهَا ، وَرُوِيَ بِاعْتِبَار أول الْحيض وَآخره ، وَرُوِيَ غير ذَلِك ، وَرُوِيَ بخمسي دِينَار وَرُوِيَ بِعِتْق نسمَة ، قَامَت من هَذَا فِي الزهن صُورَة سوء هُوَ عِنْد التَّبْيِين وَالتَّحْقِيق لَا تضره ، وَنحن نذكرهُ الْآن كَيفَ هُوَ صَحِيح بعد أَن تقدم أَن نقُول يحْتَمل قَوْله : دِينَار أَو نصف دِينَار ثَلَاثَة أُمُور ، أَحدهَا : أَن يكون حكمهَا للتَّخْيِير ، وَبَطل هَذَا بِأَن يُقَال : إِنَّمَا يَصح التَّخْيِير بَين شَيْئَيْنِ أَو أَشْيَاء حكمهَا وَاحِد ، فَإِذا خَيَّر بَين الشَّيْء وَبَعضه كَانَ بعض أَحدهمَا متروكًا بِغَيْر بدل ، ثَانِيهَا : أَن يكون شكا من الرَّاوِي ، ثَالِثهَا : أَن يكون بِاعْتِبَار حَالين . وَهَذَا هُوَ الَّذِي يتَعَيَّن مِنْهَا ، ونبينه الْآن فَنَقُول : لما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ : دِينَار أَو بِنصْف دِينَار ، قَالَ : كَذَا الرِّوَايَة الصحيحية بِدِينَار أَو بِنصْف دِينَار ، وَرُبمَا لم يرفعهُ شُعْبَة توهينا لَهُ ، لاحْتِمَال أَن يكون عِنْده فِيهِ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف ، وَيكون ابْن عَبَّاس قد رَوَاهُ وَرَآهُ فَحَمله وَأَفْتَى بِهِ ، وَكَذَا مَذْهَب التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَة خصيف ، فَإِنَّهُ لم يعبها بِأَكْثَرَ من أَنَّهَا رويت مَوْقُوفَة ، وَطَرِيق خصيف ضَعِيفَة كَمَا بَيناهُ ، فَأَما طَرِيق أبي دَاوُد فَصَحِيح ، فَإِن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب الْكُوفِي ، اعْتَمدهُ أهل الصَّحِيح مِنْهُم البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ والكوفي ، ويحق لَهُ ، فقد كَانَ مَحْمُود السِّيرَة فِي إمارته عَلَى الْكُوفَة لعمر بن عبد الْعَزِيز ، ضابطًا لما يرويهِ ، وَمن دونه فِي الْإِسْنَاد لَا يسْأَل عَنْهُم ، وسيتكرر عَلَى سَمعك من بعض الْمُحدثين أَن هَذَا الحَدِيث فِي كَفَّارَة من أَتَى حَائِضًا لَا يَصح فَليعلم أَنه لَا عيب لَهُ عِنْدهم إِلَّا الِاضْطِرَاب - زَعَمُوا - فَمِمَّنْ صرح بذلك : أَبُو عَلّي بن السكن قَالَ : هَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده وَلَفظه وَلَا يَصح مَرْفُوعا ، لم يُصَحِّحهُ البُخَارِيّ ، وَهُوَ صَحِيح من كَلَام ابْن عَبَّاس .
انْتَهَى كَلَامه . فَنَقُول لَهُ : الرِّجَال الَّذين رَوَوْهُ مَرْفُوعا ثِقَات ، وَشعْبَة إِمَام أهل الحَدِيث قد تثبت فِي رَفعه إِيَّاه ، فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنهُ مَرْفُوعا يَحْيَى الْقطَّان ، وناهيك بِهِ ، وغندر وَهُوَ أخص النَّاس بشعبة مَعَ ثقته . وَرَوَاهُ سعيد بن عَامر ، عَن شُعْبَة فَقَالَ فِيهِ : عَن الحكم ، عَن عبد الحميد ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله : وَقفه عَلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ شُعْبَة : أما حفظي فمرفوع .
وَقَالَ فلَان وَفُلَان : أَنه كَانَ لَا يرفعهُ . فَقَالَ لَهُ بعض الْقَوْم : يَا أَبَا بسطَام حَدثنَا حفظك وَدعنَا من فلَان وَفُلَان ، فَقَالَ : وَالله مَا أحب أَنِّي حدثت بِهَذَا - وَسكت - ، أَو أَنِّي عمرت فِي الدُّنْيَا عمر نوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي قومه . فَهَذَا غَايَة التثبت فِيهِ ، وهبك أَن أوثق أهل الأَرْض خَالفه فِيهِ ، فَوَقفهُ عَلَى ابْن عَبَّاس كَانَ مَاذَا ؟ أَلَيْسَ إِذا رَوَى الصَّحَابِيّ حَدِيثا عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجوز لَهُ ، بل يجب عَلَيْهِ أَن ينْقل مُقْتَضَاهُ فيفتي بِهِ ، هَذَا قُوَّة للْخَبَر لَا توهين لَهُ ، فَإِن قلت فَكيف بِمَا ذكر ابْن السكن ، ثَنَا يَحْيَى ، وَعبد الله بن سُلَيْمَان ، وَإِبْرَاهِيم قَالُوا : ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ، نَا شُعْبَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم مثله مَوْقُوفا ، فَقَالَ لَهُ رجل : إِنَّك كنت ترفعه ؟ فَقَالَ : إِنِّي كنت مَجْنُونا ، فصححت .
قلت : فَظن أَنه لما أَكثر عَلَيْهِ فِي رَفعه إِيَّاه توقي رَفعه ، لَا لِأَنَّهُ مَوْقُوف ، لَكِن إبعاد الظنة عَن نَفسه ، وَأبْعد من هَذَا الِاحْتِمَال أَن يكون شكّ فِي رَفعه فِي ثَانِي حَال فَوَقفهُ ، فَإِن كَانَ هَذَا فَلَا يبالى بذلك أَيْضا ، بل لَو نسي الحَدِيث بعد أَن حدث بِهِ لم يضرّهُ ، فَإِن أَبيت إِلَّا أَن يكون شُعْبَة رَجَعَ عَن رَفعه ، فَاعْلَم أَن غَيره من أهل النَّقْد وَالْأَمَانَة قد رَوَاهُ عَن الحكم مَرْفُوعا كَمَا رَوَاهُ شُعْبَة فِيمَا تقدم ، وَهُوَ عَمْرو بن قيس الْملَائي ، وَهُوَ ثِقَة ، قَالَ فِيهِ عَن الحكم مَا قَالَه شُعْبَة من رَفعه إِيَّاه ، إِلَّا أَن لَفظه : فَأمره أَن يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار وَلم يذكر : دِينَارا ، وَذَلِكَ لَا يضرّهُ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَكَى قَضِيَّة مُعينَة ، قَالَ فِيهِ : وَاقع رجل امْرَأَته وَهِي حَائِض ، فَأمره عَلَيْهِ السَّلَام أَن يتَصَدَّق بِنصْف دِينَار ، ذكره النَّسَائِيّ ، فَهَذِهِ حَال يجب فِيهَا نصف دِينَار ، وَهُوَ مُؤَكد لما قُلْنَاهُ من أَن دِينَارا ونصفا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار حالتين لَا تَخْيِير وَلَا شكّ . ورواه أَيْضا مَرْفُوعا هَكَذَا عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور ، قَتَادَة وَهُوَ من هُوَ ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيثه بِلَفْظ : بِدِينَار أَو نصف دِينَار ، إِلَّا أَن الْأَظْهر فِي هَذَا أَنه شكّ من الرَّاوِي فِي هَذِه الْقِصَّة بِعَينهَا ، فَهَذَا شَأْن حَدِيث مقسم ، وَإِن تقدم عَنهُ فِيهِ وَقفا وإرسالا وألفاظًا أخر لَا يَصح مِنْهَا شَيْء غير مَا ذَكرْنَاهُ ، وَأما مَا رُوِيَ فِيهِ من خمسي دِينَار أَو عتق نسمَة فَمَا مِنْهَا شَيْء يعول عَلَيْهِ ، فَلَا يعْتَمد فِي نَفسه ، وَلَا يطعن بِهِ عَلَى حَدِيث مقسم فَاعْلَم ذَلِك . هَذَا آخر كَلَامه ، وَهُوَ حفيل جليل ، وَوَقع فِي أَوَائِل كَلَامه أَن ابْن جريج وَقفه عَن ابْن عَبَّاس ، وَقد أسلفت لَك من رَوَاهُ عَنهُ ، رَفعه من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ ، وحذا حذوه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، فَقَالَ فِي الإِمَام : قد حكم الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ بِصِحَّة حَدِيث مقسم عَن ابْن عَبَّاس ، وَأخرجه فِي مُسْتَدْركه ، وَكَذَلِكَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان حكم بِصِحَّتِهِ - أَعنِي من طَرِيق أبي دَاوُد ، أَي كَمَا أسلفناه ، ثمَّ نقل كَلَامه كَمَا أسلفناه وَبحث مَعَه فِي بعضه ، ثمَّ قَالَ : وَإِذا تنبهت لهَذِهِ الدقائق الْمَذْكُورَة ظهر لَك احْتِيَاج هَذَا الْفَنّ إِلَى جودة التفكر وَالنَّظَر ، وَأَن الْأَمر لَيْسَ بالهين لَا كَمَا يَظُنّهُ قوم أَنه مُجَرّد حفظ وَنقل ، لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى غَيرهمَا ، ثمَّ أجَاب عَن الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ الِاخْتِلَاف ، فَقَالَ : رِوَايَة مطر عَن الحكم عَن مقسم تُؤْخَذ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فِي رِوَايَة شُعْبَة وَغَيره ، وَهِي إِثْبَات عبد الحميد بَينهمَا ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَات عَن قَتَادَة يحكم فِيهَا بِالزَّائِدِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُرْسل وَيقطع ويسند ، فَإِذا تبين بِالْأُخْرَى أَن الحكم لم يسمع من مقسم وسَمعه من عبد الحميد أَخذ بهَا ، وَقد أَتَى حَمَّاد بن الْجَعْد بِالْأَمر يَقِينا ، وَصرح بِالتَّحْدِيثِ فِيمَا بَين الْقَوْم كَمَا سلف ، وَأما مَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي الرِّوَايَة عَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه اخْتِلَاف ثَالِث فِي إِسْنَاده وَمَتنه فضعيف لوَجْهَيْنِ ، أَحدهمَا : أَنَّهَا رِوَايَة لَو سلم راويها من الْكَلَام لم يجْزم بهَا الرَّاوِي ، إِنَّمَا قَالَ : أَظُنهُ عَن عمر ، فَلَا يعْتَرض بهَا عَلَى الْمُتَيَقن ، الثَّانِي : مَا أجَاب بِهِ ابْن الْقطَّان من أَنَّهَا ضَعِيفَة ، وَأَنه لَا يطعن بهَا عَلَى حَدِيث مقسم .
ثمَّ أجَاب عَن الْوَجْه الثَّالِث بِأَن مَا قَالَه الشَّافِعِي من كَونه لم يثبت ، لَعَلَّه يُشِير بِهِ إِلَى رِوَايَة خصيف وَعبد الْكَرِيم ، قَالَ : وَهَذَا كَلَام مُجمل ، وَمن صحّح فقد فصل وَبَين مَا عِنْده ، وَالْإِثْبَات مقدم عَلَى النَّفْي - قلت : وَقد حَكَى الْمَاوَرْدِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي الْقَدِيم : إِن صَحَّ قلت بِهِ - وَأما قَول أبي بكر بن أبي إِسْحَاق فِي عَطاء الْعَطَّار وَعبد الْكَرِيم وَعبد الحميد أَن فيهم نظرا ؛ فَلَا نعترضه فِي عَطاء وَعبد الْكَرِيم ، وَلَكِن أَي نظر لَهُ فِي عبد الحميد ؟ ! وَقد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيح ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ والكوفي ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات أَتبَاع التَّابِعين ، قَالَ : وَأي دَلِيل عَلَى الْعَدَالَة أعظم من ولَايَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن عبد الْعَزِيز لَهُ ، وتَقْدِيمه لَهُ عَلَى الحكم فِي أُمُور الْمُسلمين ؟ ! قَالَ : وَلم يبلغنَا شَيْء يكدر هَذَا إلا ما ذكر الْخلاف بعد مَا تقدم من رِوَايَته عَن الْمَيْمُونِيّ عَنهُ ، فَقَالَ : وَقَالَ غير الْمَيْمُونِيّ عَنهُ ، عَن أَحْمد : لَو صَحَّ الحَدِيث عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كُنَّا نرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَة . قيل لَهُ : هَل فِي نَفسك مِنْهُ شي ؟ قَالَ : نعم ؛ لِأَنَّهُ من حَدِيث فلَان ، أَظُنهُ عبد الحميد . قَالَ الشَّيْخ : وَهَذَا لَا يلْزم الرُّجُوع إِلَيْهِ لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَن ذَلِك الْغَيْر مَجْهُول ، وَقد رَوَى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد أَنه قَالَ : مَا أحسن حَدِيث عبد الحميد فِيهِ .
قيل لَهُ : أنذهب إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نعم ، إِنَّمَا هُوَ كَفَّارَة . وَالثَّانِي : أَن ذَلِك الْغَيْر لم يجْزم بِأَن فلَانا هُوَ عبد الحميد ، بل قَالَ : أَظُنهُ . والظَّن لَا يقْدَح فِيمَن تَيَقّن تعديله .
هَذَا آخر كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي إِمَامه ، وَأخرج الحَدِيث فِي إلمامه . وَأخرجه أَيْضا ابْن السكن فِي صحاحه بِلَفْظ الْجَزْم : بِنصْف دِينَار ، وبلفظ الشَّك قَالَ : وَرِوَايَة قَتَادَة عَن ابْن عَبَّاس رَفعه عَلَى الشَّك . قلت : بَين قَتَادَة وَابْن عَبَّاس عبد الحميد ومقسم .
قَالَ : فَكَانَ قَتَادَة يَقُول : إِن كَانَ وَاحِدًا فدينار وَإِلَّا فنصفه ، ثمَّ رَوَاهُ كَذَلِك مَرْفُوعا أَنه أمره أَن يتَصَدَّق بِدِينَار فَإِن لم يجد ، فَنصف دِينَار . وَلما ذكر الطَّحَاوِيّ فِي مشكله حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا قَالَ : رُوِيَ عَن عمر أَنه كَانَت لَهُ امْرَأَة تكرهُ الْجِمَاع ، فَوَقع عَلَيْهَا وَهِي حَائِض ، فَسَأَلَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن ذَلِك ؟ فَأمره أَن يتَصَدَّق بخمسي دِينَار . قَالَ : وَالْأَحَادِيث الأول أولَى من هَذَا لتثبت رواتها ولتجاوزهم فِي الْمِقْدَار .
قلت : وَضعف هَذَا الحَدِيث من الْفُقَهَاء بعد الشَّافِعِي : إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي مشكله : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف من أَصله لَا يَصح رَفعه ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن عَبَّاس من قَوْله . قَالَ : وَقد حكم الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي بِأَنَّهُ حَدِيث صَحِيح ، وَلَا الْتِفَات إِلَى ذَلِك مِنْهُ ، فَإِنَّهُ خلاف قَول غَيره من أَئِمَّة الحَدِيث ، وَالْحَاكِم مَعْرُوف بالتساهل فِي مثل ذَلِك . قلت : لم يتساهل فِي ذَلِك بل الْحق مَعَه كَمَا قَرَّرْنَاهُ ، وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ كعادته ، فَقَالَ فِي خلاصته بعد أَن ذكره فِي فصل الضَّعِيف : لَا يعْتد بقول الْحَاكِم : أَنه حَدِيث صَحِيح ، فَإِنَّهُ مَعْرُوف بالتساهل فِي التَّصْحِيح .
قَالَ : وَاتفقَ الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث واضطرابه وتلونه . وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب أَيْضا : اتّفق المحدثون عَلَى ضعفه واضطرابه ، وَرُوِيَ مَوْقُوفا ومرسلاً وألوانًا كَثِيرَة ، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَلَا يَجعله ذَلِك صَحِيحا . قَالَ : وَأما قَول الْحَاكِم أَنه صَحِيح فخلاف مَا قَالَه أَئِمَّة الحَدِيث .
قَالَ : وَهُوَ عِنْدهم مَعْرُوف بالتساهل . وَقَالَ فِي تنقيحه : هَذَا حَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاق الْحفاظ ، وأنكروا عَلَى الْحَاكِم تَصْحِيحه ، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن عَبَّاس مَوْقُوف عَلَيْهِ ، هَذَا آخر كَلَامه . وَالْحق عدم الْإِنْكَار عَلَى الْحَاكِم وتَصْحِيحه من طَرِيقه كَمَا سبق تَقْرِيره وَاضحا ، وَالله الملهم للصَّوَاب .
وأختم الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث ، وَلَا يسأم من طوله ؛ فقد حصل فِيهِ مهمات يرحل إِلَيْهَا ، وجواهر يُعَامل عَلَيْهَا بقولة غَرِيبَة حَكَاهَا الْفَقِيه نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي كِفَايَته فِي كتاب حد الزِّنَا ، وَهِي أَن بَعضهم ادَّعَى نسخ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : إِنَّه ورد فِي أول الْإِسْلَام ، وَكَانَت الْعقُوبَة بِالْمَالِ ، ثمَّ ورد مَا نسخه ، وَهُوَ حَدِيث لَيْسَ فِي المَال حق سُوَى الزَّكَاة . وَهَذَا الحَدِيث لَا يصلح أَن يكون نَاسِخا لضَعْفه الشَّديد كَمَا سأبينه فِي كتاب الزَّكَاة ، حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ إِن شَاءَ الله ، وَبِه التَّوْفِيق .