الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ لَا تُوطأ حَامِل حتَّى تضع
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُوطأ حَامِل حتَّى تضع ، ولا حائل حتَّى تحيض . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس : لَا تُوطأ حَامِل حتَّى تضع ، وَلَا غير ذَات حمل حتَّى تحيض حَيْضَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
وَقَالَ عبد الْحق : فِي إِسْنَاده أَبُو الوداك ، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَهُوَ عِنْد غَيره دون ذَلِك . قَالَ ابْن الْقطَّان : ترك عبد الْحق مَا هُوَ أولَى أَن يعل بِهِ الْخَبَر وَهُوَ شريك بن عبد الله ، فَإِنَّهُ يرويهِ عَن قيس بن وهب ، عَن أبي الوداك ، وَشريك مُخْتَلف فِيهِ ، وَهُوَ مُدَلّس . قلت : قد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة .
وَذكر الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا ، وَقَالَ : إِنَّه أصل الِاسْتِبْرَاء . وَقَالَ فِي الْمُخْتَصر : نهَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام سبي أَوْطَاس أَن تُوطأ حَامِل حتَّى تضع وَلَا حَائِل حتَّى تحيض ، وَهَذَا هُوَ عين مَا أوردهُ الرَّافِعِيّ ، وَاعْترض القَاضِي عَلَى الشَّافِعِي ، فَقَالَ : ذكر أول الْخَبَر بِالْمَعْنَى وَآخره بِاللَّفْظِ ، وَلَو كَانَ أَتَى بِالْمَعْنَى لقَالَ : أَو حَائِل حتَّى تحيض ، وَلَو أَتَى بِأول اللَّفْظ لقَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُوطأ حَامِل حتَّى تضع . قَالَ : وَكَانَ الأولَى بَعْدَمَا عمد إِلَى الْمَعْنى أَن ينْقل آخر الحَدِيث بِالْمَعْنَى ، وَإِن كَانَ مَا فعله سائغًا فِي كَلَامهم ، وَيُسمى تلوين الْكَلَام .
قلت : قد علمت أَن آخِره لم نجده بِهَذَا اللَّفْظ ، فَإِذا هُوَ بِالْمَعْنَى ، وَلِهَذَا الحَدِيث شَاهد من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن صاعد ، ثَنَا عبد الله بن عمرَان العائذي ، ثَنَا ابْن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو بن مُسلم الجندي ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : نهَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن تُوطأ حَامِل حتَّى تضع ، أَو حَائِل حتَّى تحيض ، ثمَّ قَالَ : قَالَ لنا ابْن صاعد : مَا قَالُوا لنا فِي هَذَا الْإِسْنَاد أحدا عَن ابْن عَبَّاس إِلَّا العائذي . وَله شَاهد ثَالِث أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَكِن بِإِسْنَاد ضَعِيف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ : أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى فِي وقْعَة أَوْطَاس أَن يَقع الرجل عَلَى حَامِل حتَّى تضع ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن دَاوُد إِلَّا الْحجَّاج ، تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، وَلَا رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل إِلَّا بَقِيَّة . فَائِدَة : أَوْطَاس - بِفَتْح أَوله وبالطاء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ - وادٍ فِي بِلَاد هوَازن ، وَبِه كَانَت غَزْوَة النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هوَازن .
قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فِي كَلَامه عَلَى نِكَاح الْمُتْعَة : عَام أَوْطَاس وعام الْفَتْح وَاحِد ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب الْآيَات الْبَينَات : وَكَانَت بعد فتح مَكَّة بِيَوْم . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، وَأما آثاره فَثَلَاثَة : أَولهَا عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ : إِن أقل الْحيض يَوْم وَلَيْلَة . ثَانِيهَا : عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ : مَا زَاد عَلَى خَمْسَة عشر فَهُوَ اسْتِحَاضَة ، وَلَا يحضرني من خرجها .
ثَالِثهَا : مَذْهَب عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : من جَامع فِي الْحيض فَعَلَيهِ عتق رَقَبَة ، وَهَذَا ورد فِي خبر مَرْفُوع لكنه ضَعِيف ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَ رجل فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أصبت امْرَأَتي وَهِي حَائِض ، فَأمره رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يعْتق النَّسمَة ، وَقِيمَة النَّسمَة يومئذٍ دِينَار . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث مُنكر ، تفرد بروايته عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن تَمِيم . قَالَ أَحْمد : قلب أَحَادِيث شهر بن حَوْشَب فَجَعلهَا حَدِيث الزُّهْرِيّ وَجعل يُضعفهُ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . قلت : وَهَذَا عَجِيب إِذْ يروي لَهُ فِي سنَنه وَيَقُول : هُوَ مَتْرُوك ! وَقَالَ صَاحب الإِمَام : عبد الرَّحْمَن هَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم : ضَعِيف الحَدِيث . وَضَعفه الإِمَام أَحْمد أَيْضا ، وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَلَا يَصح فِي إتْيَان الْحَائِض إِلَّا التَّحْرِيم .
وَهَذَا قد أسلفناه عَنهُ فِي أثْنَاء الْكَلَام عَلَى الحَدِيث الْحَادِي عشر من هَذَا الْبَاب . وأسلفنا هُنَاكَ عَن ابْن الْقطَّان أَنه قَالَ : لَا يعول عَلَى هَذَا . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق آخر ، وَفِي إِسْنَاده مُوسَى بن أَيُّوب وَهُوَ ضَعِيف .
قلت : لَا ، قد وَثَّقَهُ الْعجلِيّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق . آخر الْجُزْء السَّادِس عشر من تَحْرِير المُصَنّف غفر الله لَهُ بِحَمْد الله وَمِنْه وَكَرمه . يتلوه : كتاب الصَّلَاة .