الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ كَانَت النُّفَسَاء تجْلِس عَلَى عهد رَسُول الله َ أَرْبَعِينَ يَوْمًا
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ عَن أم سَلمَة رَضي اللهُ عَنها قَالَت : كَانَت النُّفَسَاء تجْلِس عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَرْبَعِينَ يَوْمًا . هَذَا الحَدِيث جيد ، رَوَاهُ أَحْمد والدارمي فِي مسنديهما وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من حَدِيث عَلّي بن عبد الْأَعْلَى عَن أبي سهل عَن مُسَّة - بِضَم الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة - الْأَزْدِيَّة ، وكنيتها : أم بُسَة - بِضَم الْبَاء وَفتح السِّين - كَمَا قيدها الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وبخط ابْن المهندس فِي تَهْذِيب الْكَمَال للمزي بِفَتْحِهَا خطأ عَن أم سَلمَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، إِلَّا أَن لفظ أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ ، وَإِحْدَى روايتي الإِمَام أَحْمد : كَانَت النُّفَسَاء عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعد بعد نفَاسهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، وَهُوَ لفظ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته زَاد أَبُو دَاوُد والدارمي وَالتِّرْمِذِيّ : وَكُنَّا نطلي عَلَى وُجُوهنَا بالورس من الكلف ، وَهَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا أَيْضا أَحْمد وَابْن مَاجَه . وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ : كَانَت النُّفَسَاء عَلَى عهد رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَكُنَّا نطلي وُجُوهنَا بالورس من الكلف .
وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه كَلَفْظِ التِّرْمِذِيّ وَمن تَابعه ، إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ : وَكُنَّا نطلي وُجُوهنَا بالورس والزعفران . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِزِيَادَة عدم قَضَاء الصَّلَاة عَلَيْهَا ، وَهَذَا لَفظه : عَن كثير بن زِيَاد قَالَ : حَدَّثتنِي الْأَزْدِيَّة قَالَت : حججْت فَدخلت عَلَى أم سَلمَة ، فَقلت : يَا أم الْمُؤمنِينَ ، إِن سَمُرَة بن جُنْدُب يَأْمر النِّسَاء يقضين صَلَاة الْمَحِيض ؟ فَقَالَت : لَا يقضين ، كَانَت الْمَرْأَة من نسَاء النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعد فِي النّفاس أَرْبَعِينَ لَيْلَة لَا يأمرها النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَضَاء صَلَاة النّفاس . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا ، وَذكر اللَّفْظ الأول شَاهدا لَهُ .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْعَرْزَمِي ، عَن أَبِيه ، عَن الحكم بن عُتيبة ، عَن مَسة ، عَن أم سَلمَة ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنَّهَا سَأَلته : كم تجْلِس الْمَرْأَة إِذا ولدت ؟ قَالَ : تجْلِس أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَن ترَى الطُّهْر قبل ذَلِك ، وَهَذِه الرِّوَايَة مبينَة للروايات السالفة إِذْ لَا يُمكن أَن تتفق عَادَة نسَاء عصر فِي نِفَاس أَو حيض ، وَالْمعْنَى : كَانَت تُؤمر النُّفَسَاء أَن تجْلِس إِلَى الْأَرْبَعين . وأعل هَذَا الحَدِيث بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : بالطعن فِي أبي سهل رَاوِيه عَن مسَّة ، واسْمه كثير بن زِيَاد ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : كثير بن زِيَاد لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَذكره أَبُو حَاتِم فِي كتاب الْمَجْرُوحين وَاسْتحبَّ مجانبة مَا انْفَرد بِهِ .
قلت : وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد وَثَّقَهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة أبي عِيسَى عَنهُ ، وَذكر أَنه لَيْسَ لمسة إِلَّا هَذَا الحَدِيث . ثَانِيهَا : أَن مسَّة هَذِه مَجْهُولَة ، قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام : عِلّة هَذَا الْخَبَر ، مَسّه الْمَذْكُورَة ، وَهِي تكنى أم بسة ، وَلَا يعرف حَالهَا وَلَا عينهَا ، وَلَا تعرف فِي غير هَذَا الحَدِيث . قَالَه التِّرْمِذِيّ فِي علله .
قَالَ : فخبرها هَذَا ضَعِيف الْإِسْنَاد ومنكر الْمَتْن ، فَإِن أَزوَاج النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْهُنَّ من كَانَت نفسَاء أَيَّام كَونهَا مَعَه إِلَّا خَدِيجَة ، فَإِن تَزْوِيجهَا كَانَ قبل الْهِجْرَة ، فَإِذن لَا مَعْنَى لقولها : قد كَانَت الْمَرْأَة من نسَاء النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقعد فِي النّفاس أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، إلا أن تُرِيد بنسائه غير أَزوَاجه من قَرَابَات وَبَنَات وسريته مَارِيَة . وَكَأَنَّهُ تبع فِي ذَلِك أَبَا مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ قَالَ : مسَّة مَجْهُولَة . وَالْجَوَاب عَن الْعلَّة الأولَى : أَن أَبَا سهل قد وَثَّقَهُ أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ : البُخَارِيّ ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَقَوْلهمْ مقدم عَلَى تَضْعِيف ابْن حبَان لَهُ .
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث أبي سهل ، عَن مسَّة ، عَن أم سَلمَة . قَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل - يَعْنِي : البُخَارِيّ - : عَلّي بن عبد الْأَعْلَى ثِقَة ، وَأَبُو سهل ثِقَة ، وَلم يعرف مُحَمَّد هَذَا الحَدِيث إِلَّا من حَدِيث أبي سهل . وَقَالَ الْخطابِيّ : حَدِيث مسَّة هَذَا أَثْنَى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ، وَقَالَ : مسَّة هَذِه أزدية ، وَاسم أبي سهل : كثير بن زِيَاد ، وَعلي بن عبد الْأَعْلَى ثِقَة .
وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَلَا أعرف فِي مَعْنَاهُ غير هَذَا ، ثمَّ ذكر الشَّاهِد الَّذِي أسلفناه عَنهُ . قلت : وتوثيق البُخَارِيّ لَهُ لَا يُعَارضهُ عدم ذكره فِي الصَّحِيحَيْنِ .
وَأما الْجَواب عَن الْعلَّة الثَّانِيَة فَلَا نسلم لِابْنِ حزم وَابْن الْقطَّان دَعْوَى جَهَالَة عين مسَّة ، فَإِنَّهُ قد رَوَى عَنْهَا جماعات : كثير بن زِيَاد ، وَالْحكم بن عتيبة - كَمَا أسلفاه - ، وَزيد بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم ، وَرَوَى أَيْضا مُحَمَّد بن كناسَة ، عَن مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ، عَن الْحسن ، عَن مسَّة أَيْضا ، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَة رووا عَنْهَا فارتفعت جَهَالَة عينهَا . وَأما جَهَالَة حَالهَا ، فَهِيَ مُرْتَفعَة بِبِنَاء البُخَارِيّ عَلَى حَدِيثهَا وَتَصْحِيح الْحَاكِم لإسناده ، فَأَقل أَحْوَاله أَن يكون حسنا لَا جرم ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي خلاصته : قَول جمَاعَة من مصنفي الْفُقَهَاء أَن هَذَا الحَدِيث ضَعِيف مَرْدُود عَلَيْهِم . قلت : ولعلهم أَرَادوا طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ الَّتِي فِيهَا الْعَرْزَمِي فَإِنَّهُ ضَعِيف جدًّا ، بل قَالَ الْبَيْهَقِيّ : مَتْرُوك .
وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه عقب ذكر رِوَايَة أبي دَاوُد الْأَخِيرَة : قد رُوِيَ فِي هَذَا عَن أنس ، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ، وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّفَسَاء : أَنَّهَا تقعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، وَفِي بَعْضهَا : إِلَّا أَن ترَى الطُّهْر قبل ذَلِك ، وَهِي أَحَادِيث معتلة بأسانيد متروكة ، وأحسنها حَدِيث أبي دَاوُد