حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث الْخَمْسُونَ كَانَ يُصَلِّي بعد الْعَصْر وَينْهَى عَنْهَا

الحَدِيث الْخَمْسُونَ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يُصَلِّي بعد الْعَصْر وَينْهَى عَنْهَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء ، عَن ذكْوَان مولَى عَائِشَة أَنَّهَا حدثته أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يُصَلِّي بعد الْعَصْر وَينْهَى عَنْهَا ، ويواصل وَينْهَى عَن الْوِصَال . وَابْن إِسْحَاق هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار أَبُو بكر ، وَيُقَال : أَبُو عبد الله المطلبي ، مَوْلَاهُم الْمدنِي الإِمَام صَاحب الْمَغَازِي ، رَأَى أنسا ، وَرَوَى عَن عَطاء وطبقته ، وَعنهُ الْأَئِمَّة وَكَانَ مِمَّن يحوز الْعلم وَله غرائب فِي سَعَة مَا رَوَى وَهُوَ صَدُوق ، وَحَدِيثه فَوق الْحسن ، وَقد صَححهُ جمَاعَة .

قَالَ أَحْمد : حسن الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : كثير التَّدْلِيس . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح .

وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَيْضا مُحَمَّد بن شهَاب وَشعْبَة وَابْن عُيَيْنَة وَأَبُو زرْعَة وَالْبُخَارِيّ ، ووثقه الْعجلِيّ وَابْن سعد . وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : حَدِيثه صَحِيح . وَقَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة الدوري والساجي : ثِقَة .

وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا وَاسْتشْهدَ بِهِ مُسلم فِي خَمْسَة أَحَادِيث . وأفظع مَالك القَوْل فِيهِ ، فَقَالَ : هُوَ دجال من الدجاجلة ، وَقد أنكر ذَلِك عَلَيْهِ غير وَاحِد حَتَّى قَالَ الْخَطِيب : أطلق مَالك لِسَانه فِي قوم معروفين بالثقة وَالصَّلَاح ، وَقَالَ ابْن نمير : لم يعرفهُ مَالك وَلم يجالسه . وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي : ذاكرت دحيمًا قَول مَالك فَرَأَى أَن ذَلِك لَيْسَ للْحَدِيث ، إِنَّمَا ذَلِك لِأَنَّهُ اتهمه بِالْقدرِ ، قَالَ ابْن نمير : وَقد كَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ - أَي من الْقدر - وَذكر ابْن حبَان شبه مقَالَته هَذِه فِيهِ فَقَالَ فِي ثقاته فِي أَتبَاع التَّابِعين : تكلم فِيهِ رجلَانِ ، هِشَام بن عُرْوَة وَمَالك بن أنس ؛ أما هِشَام فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان : إِن ابْن إِسْحَاق حدث عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ؟ قَالَ : وَهل كَانَ يصل إِلَيْهَا ؟ ! قَالَ ابْن حبَان : وَهَذَا لَيْسَ مِمَّا يجرح بِهِ الْإِنْسَان ، وَذَلِكَ أَن التَّابِعين مثل الْأسود وعلقمة من أهل الْعرَاق ، وَأبي سَلمَة وَعَطَاء ودونهما من أهل الْحجاز قد سمعُوا من عَائِشَة من غير أَن ينْظرُوا إِلَيْهَا ، سمعُوا صَوتهَا ، وَقبل النَّاس أخبارهم من غير أَن يصل إِلَيْهَا حَتَّى ينظر إِلَيْهَا عيَانًا ، وَكَذَلِكَ ابْن إِسْحَاق كَانَ يسمع من فَاطِمَة والسّتْر من بَينهمَا مُسْبَل أَو بَينهمَا حَائِل بِحَيْثُ يسمع كَلَامهَا ، فَهَذَا سَماع صَحِيح ، والقادح فِيهِ بِهَذَا غير منصف .

وَأما مَالك ؛ فَإِنَّهُ كَانَ ذَلِك مِنْهُ مرّة ، ثمَّ عَاد إِلَى مَا يحب ، وَذَلِكَ أَنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الْعَرَب وأيامهم من مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَكَانَ يزْعم أَن مَالِكًا من موَالِي ذِي أصبح ، وَكَانَ مَالك يزْعم أَنه من أنفسهم ، فَوَقع بَينهمَا لهَذَا مُعَارضَة ، فَلَمَّا صنف مَالك الْمُوَطَّأ قَالَ ابْن إسحاق : ائْتُونِي بِهِ فَإِنِّي بيطاره ، فَنقل ذَلِك إِلَى مَالك ، فَقَالَ : هُوَ دجال من الدجاجلة يروي عَن الْيَهُود ، وَكَانَ بَينهم مَا يكون بَين النَّاس ، حَتَّى عزم مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَلَى الْخُرُوج إِلَى الْعرَاق فتصالحا حِينَئِذٍ ، فَأعْطَاهُ مَالك عِنْد ذَلِك الْوَدَاع خمسين دِينَارا نصف ثَمَرَته تِلْكَ السّنة ، وَلم يكن يقْدَح فِيهِ مَالك من أجل الحَدِيث ، إِنَّمَا كَانَ يُنكر عَلَيْهِ تتبعه غزوات النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أَوْلَاد الْيَهُود الَّذين أَسْلمُوا وحفظوا قصَّة خَيْبَر وَقُرَيْظَة وَالنضير وَمَا أشبههَا من الْغَزَوَات عَن أسلافهم ، وَكَانَ ابْن إِسْحَاق يتتبع هَذَا عَنْهُم ليَعْلَمَ من غير أَن يحْتَج بهم ، وَكَانَ مَالك لَا يرَى الرِّوَايَة إِلَّا عَن متقن صَدُوق فَاضل يحسن مَا يروي ، ويروي مَا يحدث . قَالَ عَلّي بن الْحُسَيْن بن وَاقد : دخلت عَلَى ابْن الْمُبَارك وَإِذا هُوَ وَحده ، فَقلت : يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ، كنت أشتهي أَن أَلْقَاك عَلَى هَذِه الْحَالة . قَالَ : هَات .

قلت : مَا تَقول فِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق ؟ قَالَ : أما إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَدُوقًا - ثَلَاث مَرَّات . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : كَانَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ثبتًا فِي الحَدِيث . قَالَ ابْن حبَان : لم يكن أحد بِالْمَدِينَةِ يُقَارب ابْن إِسْحَاق فِي علمه وَلَا يوازيه فِي جمعه .

وَكَانَ شُعْبَة وسُفْيَان يَقُولَانِ : مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث ، وَهُوَ من أحسن النَّاس سياقًا للْأَخْبَار ، وَأَحْسَنهمْ حفظا لمتونها ، وَإِنَّمَا أُذي ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلس عَلَى الضُّعَفَاء ؛ فَوَقع الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته من قبل أُولَئِكَ ، فَأَما إِذا بَين السماع فِيمَا يرويهِ فَهُوَ ثَبت يحْتَج بروايته . قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَدُوق ، وَالدَّلِيل عَلَى صدقه أَنه مَا رَوَى عَن أحد من الجلة إِلَّا وَرَوَى عَن رجل عَنهُ ؛ فَهَذَا يدل عَلَى صدقه . وَفِي رِوَايَة أَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ سُئِلَ عَنهُ أَيْضا ، فَقَالَ : ثِقَة قد أدْرك نَافِعًا وَرَوَى عَنهُ وَرَوَى عَن رجل عَنهُ ، وَعَن رجل عَن رجل عَنهُ هَل يدل ذَلِك إِلَّا عَلَى الصدْق .

قَالَ ابْن حبَان : كَانَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق يكْتب عَن من فَوْقه وَمثله ودونه لرغبته فِي الْعلم وحرصه عَلَيْهِ ، فَرُبمَا يروي عَن رجل قد رَآهُ ، ويروي عَن آخر عَنهُ فِي مَوضِع آخر ، ويروي عَن رجل ، عَن رجل عَنهُ ، فَلَو كَانَ مِمَّن يسْتَحل الْكَذِب لم يحْتَج إِلَى الْإِنْزَال ؛ بل كَانَ يحدث عَمَّن يرَاهُ ويقتصر عَلَيْهِ ، فَهَذَا مِمَّا يدلك عَلَى صدقه وشهرة عَدَالَته فِي الرِّوَايَات . قَالَ يَحْيَى بن يَحْيَى وَذكر عِنْده مُحَمَّد بن إِسْحَاق : فوثقه . هَذَا آخر كَلَام ابْن حبَان ، وَقد أوضح تَرْجَمته وأجاد .

وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان - وَهُوَ المدقق فِي النّظر - : المتحصل من أَمر ابْن إِسْحَاق الثِّقَة وَالْحِفْظ ، وَلَا سِيمَا السّير وَلم يَصح عَلَيْهِ قَادِح . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله ومنته وَذكر فِيهِ من الْآثَار عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِض : تطهر قبل طُلُوع الْفجْر بِرَكْعَة يلْزمهَا الْمغرب وَالْعشَاء وَهُوَ أثر مَشْهُور عَنْهُمَا رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ . أما الأول فَرَوَاهُ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي ، عَن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن يَرْبُوع ، عَن جده عبد الرَّحْمَن ، عَن مولَى لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ : إِذا طهرت الْحَائِض قبل أَن تغرب الشَّمْس صلت الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ، وَإِذا طهرت الْحَائِض قبل أَن يطلع الْفجْر صلت الْمغرب وَالْعشَاء جَمِيعًا .

قَالَ الْخلال : كَانَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي : أَحْمد بن حَنْبَل - يَقُول مُحَمَّد بن عُثْمَان هَذَا كَانَ ثِقَة ، فِي إِسْنَاده مولَى لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف - لَعَلَّه - يَعْنِي أَنه مَجْهُول - قَالَ : وَكَانَ ابْن عُيَيْنَة يهم فِيهِ فَيَقُول : سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع وَإِنَّمَا هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن يَرْبُوع ، قيل لأبي عبد الله : رَوَاهُ حَاتِم والدراوردي - يَعْنِي عَن مُحَمَّد بن عُثْمَان - فَأَيّهمَا أحب إِلَيْك ؟ قَالَ : حَاتِم ، وَحمل عَلَى الدَّرَاورْدِي يحدث أَحَادِيث مَنَاكِير . وَأما أثر ابْن عَبَّاس - وَهُوَ الثَّانِي - فَرَوَاهُ من حَدِيث زَائِدَة ، عَن يزِيد بن أبي زِيَاد ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : إِذا طهرت الْمَرْأَة فِي وَقت صَلَاة الْعَصْر فلتبدأ بِالظّهْرِ فلتصلها ثمَّ لتصل الْعَصْر ، وَإِذا طهرت فِي وَقت الْعشَاء الْآخِرَة فلتبدأ فلتصل الْمغرب وَالْعشَاء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ لَيْث بن أبي سليم ، عَن طَاوس وَعَطَاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : وَإِذا طهرت قبل الْفجْر صلت الْمغرب وَالْعشَاء .

قَالَ : وَقيل عَنهُ عَنْهُمَا من قَوْلهمَا . قَالَ : ورويناه عَن جمَاعَة من التَّابِعين سواهُمَا ، وَعَن الْفُقَهَاء السَّبْعَة من الْمَدِينَة ، وَقَالَ فِي خلافياته قَالَ أَبُو بكر بن إِسْحَاق : وَلَا أعلم أحدا من الصَّحَابَة خالفهما فِي ذَلِك - يَعْنِي ابْن عَوْف وَابْن عَبَّاس . قلت : وَفِي الْكتاب الْمُسَمَّى بـ موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب من حَدِيث عبَادَة بن نسي ، عَن ابْن غنم أَنه سَأَلَ معَاذ بن جبل عَن الْمَرْأَة تطهر قبل غرُوب الشَّمْس ؛ قَالَ : تصلي الْعَصْر .

قَالَ : قبل ذهَاب الشَّفق ؟ قَالَ : تصلي الْمغرب ، قَالَ : قبل طُلُوع الشَّمْس ؟ قَالَ : تصلي الْفجْر ، ثمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعلمنَا ويأمرنا أَن نعلم نِسَاءَنَا .

ورد في أحاديث2 حديثان
يُخرِّج هذا المحتوى2 حديثان
موقع حَـدِيث