الحَدِيث السَّادِس احْفَظُوا علينا صَلَاتنَا
الحَدِيث السَّادِس "أنه عليه السلام كَانَ فِي سفر فَقَالَ : احْفَظُوا علينا صَلَاتنَا - يَعْنِي رَكْعَتي
الْفجْر - فَضرب عَلَى آذانهم فَمَا أيقظهم إِلَّا حر الشَّمْس ، فَقَامُوا فَسَارُوا هنيَّة ، ثمَّ نزلُوا فَتَوضئُوا وَأذن بِلَال فصلوا رَكْعَتي الْفجْر وركبوا .
هَذَا حَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من طَرِيقين : أَحدهمَا : من طَرِيق أبي قَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " سرنا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَيْلَة فَقَالَ بعض الْقَوْم : لَو عرَّست يَا رَسُول الله قَالَ : أَخَاف أَن تناموا عَن الصَّلَاة . قَالَ بِلَال : أَنا أوقظكم فاضطجعوا وَأسْندَ بِلَال ظَهره إِلَى رَاحِلَته فغلبته عَيناهُ فَنَامَ ، واستيقظ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد طلع حَاجِب الشَّمْس فَقَالَ : يَا بِلَال أَيْن مَا قلت ؟ ! قَالَ : مَا ألقيت عليّ نومَة مثلهَا قطّ . قَالَ : إِن الله قبض أرواحكم حِين شَاءَ وردهَا عَلَيْكُم حِين شَاءَ ، يَا بِلَال قُم فَأذن بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ . فَتَوَضَّأ ، فَلَمَّا ارْتَفَعت الشَّمْس وابياضت قَامَ فَصَلى " ، هَذَا لفظ البُخَارِيّ .
وَرَوَاهُ مُسلم مطولا ، وَفِيه : أنه عليه السلام قَالَ : احْفَظُوا علينا صَلَاتنَا . فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالشَّمْس فِي ظَهره قَالَ : فقمنا فزعين ، ثمَّ قَالَ : اركبوا ، فَرَكبُوا فسرنا حَتَّى إِذا ارْتَفَعت الشَّمْس ، ثمَّ نزل فَدَعَا بميضأة كَانَت معي فِيهَا شَيْء من مَاء ، قَالَ : فَتَوَضَّأ
مِنْهَا وضُوءًا دون وضوءٍ ، ثمَّ أذن بِلَال بِالصَّلَاةِ فَصَلى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ صَلَّى الْغَدَاة كَمَا كَانَ يصنع كل يَوْم" وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : ثمَّ أذن بِلَال فصلوا الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ، ثمَّ صلوا الْفجْر .
الطَّرِيق الثَّانِي : من طَرِيق عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أنه عليه السلام نَام فِي مسير لَهُ عَن صَلَاة الصُّبْح ، فَلَمَّا رفع رَأسه وَرَأَى الشَّمْس قد بزغت قَالَ : ارتحلوا ، فَسَار بِنَا حَتَّى ابْيَضَّتْ الشَّمْس نزل فَصَلى بِنَا ، هَذَا لفظ مُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ : ارتحلوا ، فَسَار غير بعيد ، ثمَّ نزل فَدَعَا بِالْوضُوءِ فَتَوَضَّأ ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلى بِالنَّاسِ ... ، الحَدِيث ، وخرجا فِيهِ قصَّة .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" من حَدِيث الْحسن عَن عمرَان بِلَفْظ : فَأمر الْمُؤَذّن فَأذن ثمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ، ثمَّ أَقَامَ الْمُؤَذّن فَصَلى الْفجْر ، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى مَا قدمنَا ذكره من صِحَة سَماع الْحسن من عمرَان وإعادته الرَّكْعَتَيْنِ . لم يخرجَاهُ ولَهُ طَرِيق ثَالِث : انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين قفل من غَزْوَة خَيْبَر سَار لَيْلَة حَتَّى إِذا أدْركهُ الْكرَى عرَّس ، وَقَالَ لِبلَال : إكلًا لنا اللَّيْل ، فَصَلى بِلَال مَا قدر لَهُ ، ونام رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه ، فَلَمَّا تقَارب الْفجْر اسْتندَ بِلَال إِلَى رَاحِلَته
مواجه الْفجْر فَغلبَتْ بِلَالًا عَيناهُ وَهُوَ مُسْتَند إِلَى رَاحِلَته فَلم يَسْتَيْقِظ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا بِلَال وَلَا أحد من أَصْحَابه حَتَّى ضربتهم الشَّمْس ، فَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَوَّلهمْ استيقاظًا فَفَزعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أَي بِلَال ، فَقَالَ بِلَال : أَخذ بنفسي الَّذِي أَخذ - بِأبي وَأمي أَنْت يَا رَسُول الله - بِنَفْسِك ، فَقَالَ : اقتادوا ، فاقتادوا رواحلهم شَيْئا ، ثمَّ تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأمر بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاة فَصَلى بهم الصُّبْح فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ : من نسي الصَّلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن الله عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : وَأقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ، قَالَ يُونُس : وَكَانَ ابْن شهَاب يقْرؤهَا للذِّكْرَى .
وَفِي لفظ آخر : " عرسنا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم نستيقظ حَتَّى طلعت الشَّمْس ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ليَأْخُذ كل رجل بِرَأْس رَاحِلَته ؛ فَإِن هَذَا منزل حَضَرنَا فِيهِ الشَّيْطَان . قَالَ : فَفَعَلْنَا ، ثمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأ ، ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فَصَلى الْغَدَاة" وَفِي لفظ : ثمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ .
وَفِي رِوَايَة غَرِيبَة لمُحَمد بن إِسْحَاق السراج فِي "مُسْنده" أَنه صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي مَكَانَهُ بِأَصْحَابِهِ ، ثمَّ قَالَ : اقتادوا بِنَا من هَذَا الْمَكَان ، وصلوا الصُّبْح فِي مَكَان آخر .
رَوَاهَا عَن عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء ، عَن سُفْيَان ، نَا الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَهَذَا فِيهِ زِيَادَة إِن كَانَ مَحْفُوظًا .
وَفِي رِوَايَة "للطبراني" فِي أكبر "معاجمه" من حَدِيث سعيد بن الْمسيب ، عَن بِلَال قَالَ : " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر ، فَنَامُوا حَتَّى طلعت الشَّمْس ، فَأمر بِلَالًا فَأذن ، ثمَّ صلوا رَكْعَتي الْفجْر ، ثمَّ صلوا الْغَدَاة " .
ينظر فِي سَماع سعيد من أبي هُرَيْرَة وبلال ، وَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا أَبُو جَعْفَر عِيسَى بن أبي عِيسَى ماهان الرَّازِيّ ، وستعرف كَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ فِي بَاب صفة الصَّلَاة إِن شَاءَ الله ذَلِك وَقدره .
وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق رَابِع .
من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه هُوَ الَّذِي حرسهم ، وَفِيه : "فَقَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَصنعَ كَمَا يصنع من الْوضُوء وركعتي الْفجْر ثمَّ صَلَّى بِنَا
الصُّبْح ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ : إِن الله - عَزَّ وَجَلَّ - لَو أَرَادَ أَلا تناموا عَنْهَا لم تناموا ، وَلَكِن أَرَادَ لمن بعدكم فَهَكَذَا لمن نَام أَو نسي " .
رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" وَالطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" ، وَله طَرِيق خَامِس من حَدِيث جُبَير بْن مطعم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم ، عَن أَبِيه وَلَفظه : ثمَّ توضئوا وَأذن بِلَال ، ثمَّ صلوا رَكْعَتي الْفجْر ثمَّ صلوا الْفجْر .
وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا بالسند الْمَذْكُور وَاللَّفْظ إِلَّا أَنه قَالَ : "فصلوا الرَّكْعَتَيْنِ ، ثمَّ صلوا الْفجْر" ، وَالْمعْنَى وَاحِد .
فَائِدَة : لَا تنَافِي بَين نَومه عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْوَادي عَن صَلَاة الصُّبْح حَتَّى طلعت الشَّمْس ، وَبَين قَوْله : إِن عَيْني تنامان وَلَا ينَام قلبِي ؛ لِأَن الْقلب يقظان يحس بِالْحَدَثِ وَغَيره مِمَّا يتَعَلَّق بِالْبدنِ ويشعر بِهِ الْقلب ، وَلَيْسَ طُلُوع الْفجْر من ذَلِك وَلَا هُوَ مِمَّا يدْرك بِالْقَلْبِ ، وَإِنَّمَا يدْرك بِالْعينِ وَهِي نَائِمَة ، وَأبْعد من قَالَ : إِن لنومه عَلَيْهِ السَّلَام حَالَة ينَام فِيهَا الْقلب ، وصادف هَذَا الْموضع وَحَالَة لَا ينَام فِيهَا ، وَأَنه الْغَالِب من حَاله فَإِن فِيهِ ارْتِكَاب أَمر لَا مجَال لِلْعَقْلِ فِيهِ .