الحَدِيث الْخَامِس حبسنا عَن الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق
الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : حبسنا عَن الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب وهويًا من اللَّيْل ، فَدَعَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِلَالًا فَأَقَامَ الظّهْر فَصلاهَا ، ثمَّ أَقَامَ الْعَصْر فَصلاهَا ، ثمَّ أَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا ، ثمَّ أَقَامَ الْعشَاء فَصلاهَا ، وَلم يُؤذن لَهَا مَعَ الْإِقَامَة .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "الْأُم" عَن ابْن أبي فديك ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن المَقْبُري ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، عَن أبي سعيد قَالَ : حبسنا يَوْم الخَنْدَق عَن الصَّلَاة ، حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب بهوي من اللَّيْل حَتَّى كفيناه ، وَذَلِكَ قَول الله - تَعَالَى - : ( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) ، فَدَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِلَالًا فَأمره فَأَقَامَ الظّهْر فَصلاهَا فَأحْسن صلَاتهَا كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا ، ثمَّ أَقَامَ الْعَصْر فَصلاهَا كَذَلِك ، ثمَّ أَقَامَ الْمغرب فَصلاهَا كَذَلِك ثمَّ أَقَامَ الْعشَاء فَصلاهَا كَذَلِك أَيْضا ، قَالَ : وَذَلِكَ
قبل أَن ينزل فِي صَلَاة الْخَوْف ( فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ) ، وَهُوَ مخرج فِي "مُسْند الشَّافِعِي" ، و"السّنَن المأثورة" وَالَّتِي رَوَاهَا الْمُزنِيّ عَنهُ أَيْضا .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" أَيْضا بقريب من هَذَا اللَّفْظ ، وَبِنَحْوِ من رِوَايَة الرَّافِعِيّ وَرِوَايَة النَّسَائِيّ فِي "سنَنه" عَن عَمْرو بن عَلّي ، عَن يَحْيَى ، عَن ابْن أبي ذِئْب بِالْإِسْنَادِ قَالَ : شغلنا الْمُشْركُونَ يَوْم الخَنْدَق عَن صَلَاة الظّهْر حَتَّى غربت الشَّمْس ، وَذَلِكَ قبل أَن ينزل فِي الْقِتَال ، فَأنْزل الله - تَعَالَى - : ( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) ، فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِلَالًا فَأذن لِلظهْرِ فَصلاهَا فِي وَقتهَا ، ثمَّ أذن للعصر فَصلاهَا فِي وَقتهَا ، ثمَّ أذن للمغرب فَصلاهَا فِي وَقتهَا ، كَذَا نقلته من أصل أصيل لكتاب النَّسَائِيّ ، وَوَقع لعبد الْحق والنَّوَوِيّ اخْتِلَاف فِي النَّقْل عَنهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " : ورواة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات ؛ فقد احْتج مُسلم بِعَبْد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وسائرهم مُتَّفق عَلَى عدالتهم .
قلت : لَا جرم أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" عَن شَيْخه ابْن خُزَيْمَة ، نَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا يَحْيَى بن سعيد ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، نَا سعيد المَقْبُري ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، عَن أَبِيه قَالَ : حبسنا يَوْم الخَنْدَق حَتَّى كَانَ بعد الْمغرب وَذَلِكَ قبل أَن ينزل الْقِتَال ، فَلَمَّا كفينا فِي الْقِتَال - وَذَلِكَ قَول الله - تَعَالَى - : ( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) - أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِلَالًا فَأَقَامَ الظّهْر فَصَلى كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا ، ثمَّ أَقَامَ الْعَصْر فَصَلى كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا ، ثمَّ أَقَامَ الْمغرب فَصَلى كَمَا كَانَ يُصليهَا فِي وَقتهَا " ، وَذكره ابْن السكن أَيْضا فِي "صحاحه" .
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي "شرح الْمسند" : وَرَوَى أَبُو عَلّي الزَّعْفَرَانِي ، عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي كِتَابه الْقَدِيم : أَنا غير وَاحِد ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن المَقْبُري ... وَذكر الحَدِيث ، لَكِن قَالَ : بعد الْعشَاء بهوي من اللَّيْل ، فَأمر بِلَالًا فَأذن فَأَقَامَ فَصَلى الظّهْر ، ثمَّ أمره فَأَقَامَ فَصَلى الْعَصْر ... وَذكر بَاقِي الحَدِيث . قَالَ : فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن ابْن أبي ذِئْب فِي الْأَذَان لِلظهْرِ ، والأثبت عَنهُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "الْأُم" .
قلت : لَكِن لَهُ شَاهد عَلَى الْأَذَان رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث مُؤَمل ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق ، عَن مُجَاهِد ، عَن جَابر بن عبد الله : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شغل يَوْم الخَنْدَق عَن صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء ، فَأمر بِلَالًا فَأذن وَأقَام فَصَلى الظّهْر ، ثمَّ أمره فَأَقَامَ فَصَلى الْعَصْر ، ثمَّ أمره فَأذن وَأقَام فَصَلى الْمغرب ، ثمَّ أمره فَأذن وَأقَام فَصَلى الْعشَاء ، ثمَّ قَالَ : مَا عَلَى وَجه الأَرْض قوم يذكرُونَ الله هَذِه السَّاعَة غَيْركُمْ ، ثمَّ قَالَ الْبَزَّار : هَذَا حَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَقد اخْتلف عَن مُجَاهِد فَرَوَاهُ مُؤَمل من حَدِيث عبد الْكَرِيم عَنهُ ، عَن أبي عُبَيْدَة ، عَن عبد الله ، وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ رَوَاهُ عَن حَمَّاد بن سَلمَة بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا مُؤَمل .
قلت : وَقد ضعفه أَبُو حَاتِم ، وَعبد الْكَرِيم كذب وَترك ، وَأخرج لَهُ (خ) تَعْلِيقا ، و(م) مُتَابعَة ، و(ت ، ق) وَله شَاهد ثَانِي من
حَدِيث أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن ابْن مَسْعُود قَالَ : شغل الْمُشْركُونَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الخَنْدَق عَن الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء ، فَأمر بِلَالًا فَأذن وَأقَام فَصَلى الظّهْر ، وَأذن وَأقَام فَصَلى الْعَصْر ، وَأذن وَأقَام فَصَلى الْمغرب ، وَذكر الْعشَاء أَيْضا .
وَرَوَاهُ أَحْمد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن مَسْعُود ، عَن أَبِيه : " أَن الْمُشْركين شغلوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أَربع صلوَات حَتَّى ذهب من اللَّيْل مَا شَاءَ الله ، فَأمر بِلَالًا فَأذن وأَقَامَ فَصَلى الظّهْر ، ثمَّ أَقَامَ فَصَلى الْعَصْر ، ثمَّ أَقَامَ فَصَلى الْمغرب ، ثمَّ أَقَامَ فَصَلى الْعشَاء " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْس إِلَّا أَن أَبَا عُبَيْدَة لم يسمع من عبد الله - يَعْنِي : فَيكون مُنْقَطِعًا .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : يجمع بَين هَذَا الِاخْتِلَاف فِي حَدِيث أبي سعيد وَابْن مَسْعُود بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة ؛ فَإِن أَيَّام الخَنْدَق كَانَت خَمْسَة عشر يَوْمًا كَمَا سَيَأْتِي .
ثَانِيهَا : كَانَ فَوَات هَذِه الصَّلَوَات الِاشْتِغَال بِالْقِتَالِ ، وَذَلِكَ قبل نزُول آيَة الْخَوْف كَمَا سلف ، وَالْمرَاد بشغله عَن صَلَاة الْعشَاء كَمَا
سلف : عَن وَقتهَا الَّذِي كَانَ يُصليهَا فِيهِ غَالِبا .
ثَالِثهَا : قَوْله : "حَتَّى ذهب هوي من اللَّيْل" هُوَ بِفَتْح الْهَاء وَكسر الْوَاو وَتَشْديد الْيَاء ، وَيُقَال أَيْضا : بِضَم الْهَاء حَكَاهُمَا صَاحب الْمطَالع وَغَيره ، وَالْفَتْح أفْصح وَأشهر ، وَمَعْنَاهُ : طَائِفَة مِنْهُ . وَجزم الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي "أَحْكَامه" بِأَنَّهُ بِفَتْح الْهَاء وَأَنه الْحِين الطَّوِيل من الزَّمن ، ثمَّ قَالَ : وَقيل إِنَّه يخْتَص بِاللَّيْلِ .
رَابِعهَا : يَوْم الخَنْدَق وهُوَ يَوْم الْأَحْزَاب ، وَكَانَ فِي سنة أَربع من الْهِجْرَة ، كَمَا نَقله البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" عَن مُوسَى بن عقبَة وَقيل : سنة خمس ، وَسمي يَوْم الْأَحْزَاب ؛ لِأَن الْكفَّار تحزبوا من كل قَبيلَة حَتَّى بلغُوا عشرَة آلَاف ، فَلَمَّا بلغ خبرهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شاور الْمُسلمين فِي أَمرهم ، فَأَشَارَ سلمَان الْفَارِسِي بِحَفر الخَنْدَق ، فَاسْتَحْسَنَهُ الْمُسلمُونَ وتقاسموا الخَنْدَق ، وَكَانُوا ثَلَاثَة آلَاف ، فحفروه فِي سِتَّة أَيَّام ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ يحْفر مَعَهم وَيَقُول : اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا ... إِلَى آخِره ، وَكَانَ مُدَّة حصارهم خَمْسَة عشر يَوْمًا ، ثمَّ أرسل الله تَعَالَى عَلَى الْكفَّار ريحًا وجنودًا لم يرهَا الْمُسلمُونَ فَهَزَمَهُمْ الله بهَا وَللَّه الْحَمد والْمنَّة .