الحَدِيث التَّاسِع عشر أَن الْملك الَّذِي رَآهُ عبد الله بن زيد فِي الْمَنَام كَانَ قَائِما
الحَدِيث التَّاسِع عشر أَن الْملك الَّذِي رَآهُ عبد الله بن زيد فِي الْمَنَام كَانَ قَائِما . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث شُعْبَة ، عَن عَمْرو بن مرّة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى قَالَ : أحيلت الصَّلَاة ثَلَاثَة أَحْوَال ، قَالَ : ونا أَصْحَابنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لقد أعجبني أَن تكون صَلَاة الْمُسلمين - أَو الْمُؤمنِينَ - وَاحِدَة ، حَتَّى لقد هَمَمْت أَن أبث رجَالًا فِي الدّور ينادون النَّاس بِحِين الصَّلَاة ، وَحَتَّى هَمَمْت أَن آمُر رجَالًا يقومُونَ عَلَى الْآطَام ينادون الْمُسلمين بِحِين الصَّلَاة حَتَّى نقسوا - أَو كَادُوا أَن ينقسوا - قَالَ : فجَاء رجل من الْأَنْصَار قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي لما رجعت لما رَأَيْت من اهتمامك رَأَيْت رجلا كَأَن عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أخضرين ، فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِد فَأذن ، ثمَّ قعد قعدة ، ثمَّ قَامَ فَقَالَ مثلهَا ، إِلَّا أَنه يَقُول : قد قَامَت الصَّلَاة . وَلَوْلَا أَن يَقُول النَّاس - قَالَ ابْن الْمثنى أَن تَقولُوا - لَقلت : إِنِّي كنت يقظانًا غير نَائِم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لقد أَرَاك الله خيرا ؛ فَمر بِلَالًا فليؤذن .
قَالَ : فَقَالَ عمر : أما إِنِّي قد رَأَيْت مثل الَّذِي رَأَى ، وَلَكِنِّي لما سبقت استحييت .. . وَذكر بَاقِي الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث وَكِيع عَن الْأَعْمَش ، عَن عَمْرو بن مرّة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى قَالَ : ثَنَا أَصْحَاب مُحَمَّد أَن عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ جَاءَ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، رَأَيْت فِي الْمَنَام رجلا قَامَ عَلَى جذم حَائِط فَأذن مثنى ، وَأقَام مثنى ، وَقعد قعدة ، وَعَلِيهِ بردَان أخضران .
ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش ، عَن الْأَعْمَش ، عَن عَمْرو بْن مرّة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن معَاذ بن جبل قَالَ : قَامَ رجل من الْأَنْصَار - عبد الله بن زيد يَعْنِي - إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن رجلا نزل من السَّمَاء عَلَيْهِ بردَان أخضران ، نزل عَلَى جذم حَائِط من الْمَدِينَة ، فَأذن مثنى مثنى ثمَّ جلس ، ثمَّ قَامَ ، فَقَالَ مثنى مثنى ثمَّ جلس - قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش : عَلَى نَحْو من أذاننا الْيَوْم - قَالَ : علمهَا بِلَالًا ، فَقَالَ عمر : قد رَأَيْت مثل الَّذِي رَأَى ، وَلكنه سبقني . وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق وَلَفظه : أَن عبد الله بن زيد قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي لم أكن نَائِما ، بَين النَّائِم وَالْيَقظَان ، رَأَيْت شخصا عَلَيْهِ ثَوْبَان أخضران ، قَامَ فَاسْتقْبل الْقبْلَة فَقَالَ : الله أكبر الله أكبر ، حَتَّى فرغ من الْأَذَان - مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ - قَالَ فِي آخر أَذَانه : الله أكبر الله أكبر ، لَا إِلَه إِلَّا الله ، ثمَّ أمْهل شَيْئا ، ثمَّ قَالَ مثل الَّذِي قَالَ ، غير أَنه قَالَ : قد قَامَت الصَّلَاة - مرَّتَيْنِ - فَقَالَ : علمهَا بِلَالًا . فَكَانَ أول من أذن بهَا ، فجَاء عمر ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، قد أطاف بِي اللَّيْلَة مثل الَّذِي أطاف بِعَبْد الله بن زيد غير أَنه سبقني إِلَيْك .
وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بْن زيد الْأنْصَارِيّ أَنه قَالَ : لما كَانَ اللَّيْل قبل الْفجْر غشيني النعاس ، فَرَأَيْت رجلا عَلَيْهِ ثَوْبَان أخضران وَأَنا بَين النَّائِم وَالْيَقظَان ، فَقَامَ عَلَى سطح الْمَسْجِد ، فَجعل أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ ونادى .. . ، الحَدِيث بِطُولِهِ . وَرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي الشَّيْخ الأولَى مُنْقَطِعَة ؛ فَإِن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى لم يسمع من معَاذ ، كَمَا نَص عَلَيْهِ التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة .
قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَهُوَ ظَاهر ؛ فَإِن ابْن أبي لَيْلَى قَالَ : ولدت لست بَقينَ من خلَافَة عمر .. . ، كَمَا سلف ، فَيكون مولده سنة سبع عشرَة من الْهِجْرَة ، ومعاذ توفّي سنة سبع عشرَة أَو ثَمَان عشرَة ، وَقيل إِن مولده لست مضين من خلَافَة عمر ، فَيكون مولده عَلَى هَذَا بعد موت معَاذ . قلت : وينكر حِينَئِذٍ عَلَى الْحَاكِم ؛ فَإِنَّهُ أخرج حَدِيثا فِي كتاب التَّفْسِير من مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن معَاذ ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد وَرِوَايَة أبي الشَّيْخ الثَّانِيَة مُنْقَطِعَة أَيْضا ؛ فَإِن ابْن أبي لَيْلَى لم يسمع من عبد الله بن زيد أَيْضا ، كَمَا نَص عَلَيْهِ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي حَدِيث آخر ، لَكِن يُمكن سَمَاعه مِنْهُ ، فَإِن عبد الله بن زيد توفّي سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَابْن أبي لَيْلَى ولد سنة سبع عشرَة كَمَا سلف .
وَقَول ابْن أبي لَيْلَى فِي رِوَايَة أبي دَاوُد : ثَنَا أَصْحَابنَا ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِن أَرَادَ بِهِ الصَّحَابَة فَيكون الحَدِيث مُسْندًا ؛ وَإِلَّا فَهُوَ مُرْسل ، وَقد سمع من جمَاعَة من الصَّحَابَة . قلت : المُرَاد هُنَا الأول ، يُؤَيّدهُ رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ : ثَنَا أَصْحَاب مُحَمَّد ، فَهِيَ مُتَّصِلَة من غير شكّ ؛ لما عرفه من مَذَاهِب أهل السّنة فِي عَدَالَة الصَّحَابَة ، وَأَن جَهَالَة الِاسْم فيهم غير ضارة ، لَا جرم قَالَ ابْن حزم : إسنادها فِي غَايَة من الصِّحَّة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : رجالها رجال الصَّحِيحَيْنِ .