الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أَمرنِي رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن أؤذن فِي صَلَاة الْفجْر
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أؤذن فِي صَلَاة الْفجْر ، فَأَذنت ، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن أَخا صداءٍ قد أذن ، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم الأفريقي ، عَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ ، عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه ، وَلَفظ أَحْمد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أذن يَا أَخا صداء . قَالَ : فَأَذنت ، وَذَلِكَ حِين أَضَاء الْفجْر ، فَلَمَّا تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَامَ إِلَى الصَّلَاة ، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يُقيم أَخُو صداء ؛ فَإِن من أذن فَهُوَ يُقيم .
وَلَفظ أبي دَاوُد : عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ : لما كَانَ أول أَذَان الصُّبْح أَمرنِي - يَعْنِي : النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَذنت ، فَجعلت أَقُول : أقيم يَا رَسُول الله ؟ فَجعل ينظر إِلَى نَاحيَة الْمشرق - إِلَى الْفجْر - فَيَقُول : لَا ، حَتَّى إِذا طلع الْفجْر نزل فبرز ، ثمَّ انْصَرف إِلَيّ وَقد تلاحق أَصْحَابه - يَعْنِي : فَتَوَضَّأ - ، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم ، فَقَالَ لَهُ نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن أَخا صداء هُوَ أذن ؛ وَمن أذن فَهُوَ يُقيم . قَالَ : فأقمت . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يعرف من حَدِيث الأفريقي ، وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث ، ضعفه يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَغَيره .
وَقَالَ أَحْمد : لَا أكتب حَدِيثه . قَالَ : وَرَأَيْت مُحَمَّد ابن إِسْمَاعِيل يُقَوي أمره ، وَيَقُول : هُوَ مقارب الحَدِيث . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم أَن من أذن فَهُوَ يُقيم .
وَنقل النَّوَوِيّ عَن الْبَغَوِيّ تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث أَيْضا وَسَببه الطعْن فِي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الأفريقي الْمَذْكُور - كَمَا قدمْنَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ - ، وَقد ضعفه مَعَ من تقدم النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب فرض التَّشَهُّد : ضعفه الْقطَّان ، وَابْن مهْدي ، وَابْن معِين ، وَابْن حَنْبَل وَغَيرهم . وَقَالَ فِي بَاب عتق أُمَّهَات الْأَوْلَاد : ضَعِيف .
وَقَالَ ابْن حبَان : إِنَّه يروي الموضوعات عَن الثِّقَات ، وَيُدَلس عَن مُحَمَّد بن سعيد المصلوب . وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه فِي حَدِيث : لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر : هَالك ، وَقد أسلفت ذَلِك هُنَاكَ . وَقَالَ : هَذَا الْأَثر الْمَرْوِيّ : إِنَّمَا يُقيم من أذن ، إِنَّمَا جَاءَ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم ، وَهُوَ هَالك .
قلت : قد أخرجه أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب الْأَذَان من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَلَيْسَ فِيهِ الأفريقي ، والأفريقي قد وَثَّقَهُ جمَاعَة ، كَمَا أسلفت ذَلِك عَنْهُم فِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين من من كتاب الصَّلَاة ، وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه : سَمِعت يَحْيَى الْقطَّان يَقُول : عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد ثِقَة . وَهَذَا خلاف مَا نَقله التِّرْمِذِيّ عَنهُ من تَضْعِيفه لَهُ ، وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد : إِنَّمَا تكلم النَّاس فِي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم ، وضعفوه ؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَن مُسلم بن يسَار فَقيل لَهُ : أَيْن رَأَيْت مُسلم بن يسَار ؟ ! فَقَالَ : بإفريقية . فكذبه النَّاس وضعفوه ، وَقَالُوا : مَا دخل مُسلم بن يسَار إفريقية قطّ ! - يعنون : الْبَصْرِيّ - وَلم يعلمُوا أَن مُسلم بن يسَار آخر يُقَال لَهُ : أَبُو عُثْمَان الطنبذي ، وطنبذ بطن من الْيمن ، وَعنهُ رَوَى ، وَكَانَ الأفريقي رجلا صَالحا ، قَالَ ابْن يُونُس : هُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بإفريقية .
وَاعْترض الْمُنْذِرِيّ عَلَى قَوْله فِي طنبذ أَنَّهَا بطن من الْيمن ؛ فَقَالَ : فِيهِ نظر ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرْيَة من قرَى مصر من أَعمال البهنسا ، وَهِي بِضَم الطَّاء ، ثمَّ نون سَاكِنة ، ثمَّ بَاء مَضْمُومَة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام : هُوَ من أهل الْعلم والزهد بِلَا خلاف ، وَكَانَ من النَّاس من يوثقه ، وَلَكِن الْحق أَنه ضَعِيف بِكَثْرَة رِوَايَة الْمُنْكَرَات ، وَهُوَ أَمر يعتري الصَّالِحين كثيرا ؛ لقلَّة نقدهم للرواة وَلذَلِك قيل : لم نر الصَّالِحين فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ : الأفريقي هَذَا غمزه بَعضهم فِي الحَدِيث ، وَوَثَّقَهُ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ وَآخَرُونَ . قَالَ : وَهُوَ قَاضِي إفريقية ، وَكَانَ عابدًا قوالًا بِالْحَقِّ ، ورد بَغْدَاد عَلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وشكا عماله وخشن لَهُ فِي القَوْل .
وعلق الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن و الْمعرفَة القَوْل فِي هَذَا الحَدِيث ؛ فَقَالَ : إِن ثَبت كَانَ أولَى مِمَّا رُوِيَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد - يَعْنِي : الْآتِي - أَن بِلَالًا أذن ، فَقَالَ عبد الله : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أرَى الرُّؤْيَا وَيُؤذن بِلَال ! فَقَالَ : أقِم أَنْت ، لما فِي إِسْنَاده وَمَتنه من الِاخْتِلَاف ، وَأَنه كَانَ فِي أول شرع الْأَذَان ، وَحَدِيث الصدائي كَانَ بعد . قلت : وَقواهُ جمَاعَة ، وَصرح جمَاعَة بِهِ ، قَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء : إِسْنَاده صَالح . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي ناسخه ومنسوخه : هَذَا حَدِيث حسن .
وقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الْأَعْلَام : إِنَّه حَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَهَذِه الْعبارَة لَا أسلمها لَهُ ، وَقَالَ فِي تَحْقِيقه : إِن قيل فِي الْإِسْنَاد الأفريقي ، وَهُوَ ضَعِيف . قُلْنَا : قد قوى أمرَه البخاريُ ، وَقَالَ : هُوَ مقارب الحَدِيث .
وَلَا نسلم لَهُ ذَلِك أَيْضا ؛ فقد ذكره هُوَ فِي ضُعَفَائِهِ كَمَا أسلفنا ذَلِك عَنهُ فِي الْموضع السالف ، وَالْأَقْرَب ضعفه ، وَفِي حسنه وَقْفَة ، وَالله أعلم . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : هَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ عَلَى أَنه إِذا أذن جمَاعَة عَلَى التَّرْتِيب ؛ فَالْأول أولَى بِالْإِقَامَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِذا انْتَهَى الْأَمر إِلَى الْإِقَامَة فَإِذا أذنوا عَلَى التَّرْتِيب ؛ فَالْأول أولَى بِالْإِقَامَةِ ، ثمَّ ذكر الحَدِيث ، وَلَيْسَ مطابقًا لما ادَّعَاهُ ؛ إِذْ هُوَ دَلِيل عَلَى أَن من أذن وَحده يُقيم ، وَلَا يلْزم من إِقَامَة من انْفَرد بِالْأَذَانِ انْفِرَاد من أذن أَولا بِالْإِقَامَةِ ، وَفِي حَدِيث عبد الله بن زيد الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ بعد هَذَا النّظر ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تعدد الْأَذَان ، وإِنَّمَا فِيهِ انْفِرَاد وَاحِد بِهِ وَالْآخر بِالْإِقَامَةِ ، فتفطن لَهُ . ثَانِيهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وإِذا سبق غير الْمُؤَذّن الرَّاتِب وَأذن فَهَل يسْتَحق ولَايَة الْإِقَامَة ؟ فِيهِ وَجْهَان : أَحدهمَا : نعم ؛ لإِطْلَاق الْخَبَر ، وأظهرهما لَا ؛ لِأَنَّهُ مسيء بالتقدم ، وَفِي الْقِصَّة المروية كَانَ بِلَال غَائِبا ، وَزِيَاد أذن بِإِذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، انْتَهَى .
وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب ، فَقَالَ : لم يكن بِلَال حَاضرا حِينَئِذٍ ، وزَاد أَن أَذَان زِيَاد كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح فِي السّفر . وَهُوَ كَمَا قَالَا ؛ فقد رَوَى ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه من حَدِيث خَلاد بن يَحْيَى ، نَا سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد ، عَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ ، عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ : كنت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمرنِي فَأَذنت للفجر ، فجَاء بِلَال ليقيم ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : يَا بِلَال ، إِن أَخا صداء أذن ، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ : كنت مَعَه فِي سفر فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح ، فَقَالَ لي : أذن يَا أَخا صداء ، وَأَنا عَلَى رَاحِلَتي ، وَفِي لفظ لَهُ : فَلَمَّا تحين الصُّبْح أَمرنِي فَأَذنت ، ثمَّ قَالَ : يَا أَخا صداء ، مَعَك مَاء ؟ قلت : نعم ، وَجَاء بِلَال ليقيم ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : إِن أَخا صداء أذن ، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم .
وَرَوَى ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، والعقيلي فِي ضُعَفَائِهِ من حَدِيث سعيد بن رَاشد الْمَازِني ، نَا عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي مسير لَهُ ، فَحَضَرت الصَّلَاة ، فَنزل الْقَوْم فطلبوا بِلَالًا ، فَلم يجدوه ، فَقَامَ رجل فَأذن ثمَّ جَاءَ بِلَال ، فَقَالَ الْقَوْم : إِن رجلا قد أذن ، فَسكت الْقَوْم هونا ثمَّ إِن بِلَالًا أَرَادَ أَن يُقيم ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام : مهلا يَا بِلَال ؛ فَإِنَّمَا يُقيم من أذن ، وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْمُبْهم هُوَ الصدائي السالف . وابْن رَاشد هَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : ضَعِيف الحَدِيث ، مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ فِي علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْأنْصَارِيّ ، عَن سعيد بن رَاشد ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من أذن فَهُوَ يُقيم قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَسَعِيد ضَعِيف الحَدِيث .
وَقَالَ مرّة : مَتْرُوك . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : سعيد هَذَا يروي : من أذن فَهُوَ يُقيم ، ولَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء . وَقَالَ البُخَارِيّ والرازي : مُنكر الحَدِيث .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن عدي : لَا يُتَابِعه عَلَى رواياته أحد . وَقَالَ ابْن حبَان : ينْفَرد عَن الثِّقَات بالمعضلات .
قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء : وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَتْن بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد - أَعنِي : رِوَايَة ابْن عمر - من وجهٍ صَالح ، وَقد أسلفنا ذَلِك عَنهُ ، وَذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن بِلَالًا كَانَ فِي حَاجَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَظَاهر مَا ذَكرْنَاهُ بل صَرِيحه أَنه لم يصدر من بِلَال حِين حضر أَذَان ، لَكِن فِي تَعْلِيق للْقَاضِي حُسَيْن أَنه حضر بعد طُلُوع الْفجْر وَأذن . ثَالِثهَا : الصدائي - بِضَم الصَّاد وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد - مَنْسُوب إِلَى صداء بِالْمدِّ، يصرف وَلَا يصرف ، وهُوَ أَبُو هَذِه الْقَبِيلَة ، واسْمه : يزِيد بن حَرْب . قَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه : صداء حَيّ من الْيمن .