الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ فأقم أَنْت
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ أَن عبد الله بن زيد لما ألقِي الْأَذَان عَلَى بِلَال قَالَ عبد الله : أَنا رَأَيْته ، وَأَنا كنت أريده يَا رَسُول الله ! قَالَ : فأقم أَنْت .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَأَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" ، والسياق لَهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله ، عَن عَمه عبد الله بن زيد قَالَ : أَرَادَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْأَذَان أَشْيَاء لم يصنع مِنْهَا شَيْئا ، قَالَ : فأري عبد الله بن زيد فِي الْمَنَام الْأَذَان ، فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخْبرهُ ، قَالَ : فألقه عَلَى بِلَال ، قَالَ : فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَأذن
بِلَال ، قَالَ عبد الله : أَنا رَأَيْته ، وَأَنا كنت أريده ! قَالَ : فأقم أَنْت .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو قَالَ : سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ : كَانَ جدي عبد الله بن زيد ... ، فَذكر الْخَبَر ، قَالَ : فَأَقَامَ جدي ، قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي : هَذَا حَدِيث حسن ، وَفِي إِسْنَاده مقَال .
قلت : لم يبين ذَلِك الْمقَال وَهُوَ من وُجُوه :
أَحدهَا : أَن مُحَمَّد بن عَمْرو الْمَذْكُور هُوَ الوَاقِفِي الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ - كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ لهَذَا الحَدِيث - وَقد ضعفه يَحْيَى بن سعيد جدًّا ، وَقَالَ ابْن نمير : لَا يُسَاوِي شَيْئا . وَقَالَ ابْن معِين : ضَعِيف .
ثَانِيهَا : أَن مُحَمَّد بن عبد الله لَا يعرف حَاله ، كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان ، قَالَ : وَكَذَلِكَ عبد الله بن مُحَمَّد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الآخر .
ثَالِثهَا : أَن الْعقيلِيّ نقل فِي " تَارِيخ الضُّعَفَاء " عَن البُخَارِيّ عقب هَذَا الحَدِيث : إِن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد
عَن أَبِيه ، عَن جده لم يذكر سَماع بَعضهم من بعض . قَالَ الْعقيلِيّ - لما ذكر الحَدِيث - : الرِّوَايَة فِي هَذَا الْبَاب فِيهَا لين ، وَبَعضهَا أفضل من بعض . انْتَهَى .
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَان رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" من حَدِيث أبي العميس قَالَ : سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ "يحدث" عَن أَبِيه ، عَن جده أَنه رَأَى الْأَذَان مثنى مثنى ، وَالْإِقَامَة مثنى مثنى قَالَ : فَأتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَخْبَرته ، فَقَالَ : علمهن بِلَالًا . فعلمتهن بِلَالًا ، قَالَ : فتقدمت ، فَأمرنِي أَن أقيم فأقمت بهم ، قَالَ : قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث واه إِسْنَادًا ومتنًا ، أما الْإِسْنَاد ؛ فَإِن الْحفاظ من أَصْحَاب أبي العميس رَوَوْهُ عَن أبي العميس ، عَن زيد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد ، وَأما الْوَهم الظَّاهِر فِي مَتنه ؛ فَإِنَّهُ أَتَى بمعضلة لم يروها أحد ، وَذَلِكَ أَنه أخبر أَن بِلَالًا أذن وَأقَام عبد الله بن زيد ، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : "من أذن فَهُوَ يُقيم" ، فِي أَخْبَار كَثِيرَة . قَالَ : وَعبد السَّلَام بن حَرْب الْملَائي أعلم الْكُوفِيّين بِحَدِيث أبي العميس وَأَكْثَرهم عَنهُ رِوَايَة ، وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث فَلم فَذكر فِيهِ تَثْنِيَة الْإِقَامَة . هَذَا آخر كَلَام الْحَاكِم عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ ، وَلَا يَخْلُو من مشاحة .
وَله طَرِيق ثَالِث رَوَاهَا أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ عَلَى مَا عزاهُ إِلَيْهِ صَاحب
"الإِمَام" من حَدِيث الحكم عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَ أول من أذن فِي الْإِسْلَام بِلَال وَأول من أَقَامَ عبد الله بن زيد ، فَلَمَّا أذن بِلَال أَرَادَ أَن يُقيم ، فَقَالَ عبد الله بن زيد : أَنا الَّذِي رَأَيْت الرُّؤْيَا ؛ فَأذن بِلَال ويُقيم أَيْضا ! قَالَ : فأقم أَنْت ، وستعلم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْكَلَام عَلَى رفع الْيَدَيْنِ أَن الحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث ؛ فَإِن لم يكن هَذَا من تِلْكَ ، فَيكون مُنْقَطِعًا وأجمل عبد الْحق فِي " الْأَحْكَام " القَوْل فِي تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث ؛ فَقَالَ : إِقَامَة عبد الله بن زيد لَيست تَجِيء من وَجه قوي - فِيمَا أعلم - وضعفها النَّوَوِيّ أَيْضا ، وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فحسنها فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب ، وَاحْتج بهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " ، وَمن الرِّوَايَات الغريبة : أَن عمر بن الْخطاب أَقَامَ بعد أَذَان بِلَال .
رَوَاهَا ابْن شاهين فِي "ناسخه ومنسوخه" من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو الوَاقِفِي ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ ، عَن عَمه عبد الله بن زيد أَنه رَأَى الْأَذَان فِي الْمَنَام ، فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكر ذَلِك لَهُ ، قَالَ : فَأذن بِلَال . قَالَ : فجَاء عمر بن الْخطاب إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أَنا أرَى الرُّؤْيَا ، وَيُؤذن بِلَال ! قَالَ : فأقم أَنْت . قَالَ
ابْن شاهين : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا أعلم أَن أحدا قَالَ فِيهِ أَن الَّذِي أَقَامَ الصَّلَاة عمر بن الْخطاب إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَالْمَعْرُوف أَن الَّذِي أَقَامَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه .
قلت : وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن عَمْرو الوَاقِفِي أَيْضا كَمَا سلف ، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي "ناسخه ومنسوخه" : اتّفق أهل الْعلم فِي الرجل يُؤذن وَيُقِيم غَيره عَلَى أَن ذَلِك جَائِز ، وَاخْتلفُوا فِي الْأَوْلَوِيَّة ، فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنه لَا فرق ، وَالْأَمر متسع ، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِك : مَالك وَأكْثر أهل الْحجاز ، وَأَبُو حنيفَة وَأكْثر أهل الْكُوفَة ، وَأَبُو ثَوْر ، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الأولَى أَن من أذن فَهُوَ يُقيم ، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ : كَانَ يُقَال : من أذن فَهُوَ يُقيم .
وروينا عَن أبي مَحْذُورَة أَنه جَاءَ وَقد أذن إِنْسَان ، فَأذن وَأقَام ، وَإِلَى هَذَا ذهب أَحْمد ، وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي رِوَايَة الرّبيع عَنهُ : وَإِذا أذن الرجل أَحْبَبْت أَن يتَوَلَّى الْإِقَامَة لشَيْء يرْوَى : إِن من أذن فَهُوَ يُقيم .
قَالَ الْحَازِمِي : وَحجَّة هَذَا الْمَذْهَب حَدِيث الصدائي ؛ لِأَنَّهُ أقوم إِسْنَادًا من حَدِيث عبد الله بن زيد ، ثمَّ حَدِيث عبد الله بن زيد كَانَ فِي أول شرع الْأَذَان ، وَذَلِكَ فِي السّنة الأولَى ، وَحَدِيث الصدائي كَانَ بعده بِلَا شكّ ، وَالْأَخْذ بآخر الْأَمريْنِ أولَى . قَالَ : وَطَرِيق الْإِنْصَاف أَن يُقَال : الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب عَلَى التَّوسعَة وادعاء النّسخ مَعَ إِمْكَان الْجمع
بَين الْحَدِيثين عَلَى خلاف الأَصْل ؛ إِذْ لَا عِبْرَة بِمُجَرَّد التَّرَاخِي ، ثمَّ نقُول فِي حَدِيث عبد الله بن زيد : إِنَّمَا فوض الْأَذَان إِلَى بِلَال ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أندى صَوتا من عبد الله - عَلَى مَا ذكر فِي الحَدِيث - وَالْمَقْصُود من الْأَذَان الْإِعْلَام ، وَمن شَرطه الصَّوْت ، فَكلما كَانَ الصَّوْت أَعلَى كَانَ أولَى ، وَأما زِيَاد بن الْحَارِث ، فَكَانَ جَهورِي الصَّوْت وَمن صلح للأذان كَانَ للإقامة أصلح ، وَهَذَا الْمَعْنى يُؤَكد قَول من قَالَ : من أذن فَهُوَ يُقيم .