فصل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْأَمَاكِن الَّتِي يسْتَحبّ فِيهَا رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة
هَذَا مَا حَضَرنَا من الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الرّفْع ، قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي كتاب " اخْتِلَاف الحَدِيث " : رَوَى الرّفْع جمع من الصَّحَابَة ، لَعَلَّه لم يرو قطّ حَدِيث بِعَدَد أَكثر مِنْهُم : أحد عشر من الصَّحَابَة ، وَأَبُو حميد رَوَاهُ وثَلَاثَة عشر رجلا . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : لم يخْتَلف أهل الْعلم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يرفع يَدَيْهِ إِذا افْتتح الصَّلَاة . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي " تمهيده" : رَوَى رفع الْيَدَيْنِ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاثَة عشر رجلا من الصَّحَابَة . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي فِي بعض " أَمَالِيهِ " : رَوَى رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة سَبْعَة عشر رجلا من الصَّحَابَة عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِنْهُم : عَلّي بن أبي طَالب ، وَأَبُو الدَّرْدَاء ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، والعبادلة : ابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس ، وَابْن عَمْرو ، وَابْن الزبير ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَأنس . وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب : قَالَ أَبُو عَلّي : رَوَى الرّفْع عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَيف وَثَلَاثُونَ من الصَّحَابَة . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : قد روينَا عَن سَبْعَة
عشر نفسا من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنهم كَانُوا يرفعون أَيْديهم عِنْد الرُّكُوع فَمنهمْ : أَبُو قَتَادَة الْأنْصَارِيّ ، وَأَبُو أسيد السَّاعِدِيّ البدري ، وَمُحَمّد بن مسلمة البدري ، وَسَهل بن سعد ، وَعبد الله بن عمر ، وَعبد الله بن عَبَّاس ، وَأنس ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ، وَعبد الله بن الزبير ، وَوَائِل بن حجر ، وَمَالك بن الْحُوَيْرِث ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَأَبُو حميد السَّاعِدِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَجْمَعِينَ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد رَوَيْنَاهُ عَن هَؤُلَاءِ وَعَن الصّديق ، وَعمر بن الْخطاب ، وَعلي ، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ، وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ ، وَعبد الله بن جَابر البياضي ، وَقَالَ فِي "خلافياته" : رُوِيَ الرّفْع عِنْد الِافْتِتَاح وَالرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ مَرْفُوعا عَن أبي بكر ، وَعمر ، وَعلي ، وَأنس ، وَجَابِر بن عبد الله ، وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَأبي هُرَيْرَة ، قَالَ : وَقد روينَا رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ عَن الصّديق ، وَعمر ، وَعلي ، وَابْن عمر ، وَمَالك بن الْحُوَيْرِث ، وَوَائِل بن حجر ، وَأبي حميد السَّاعِدِيّ ، فِي عشرَة من الصَّحَابَة مِنْهُم : أَبُو قَتَادَة ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَمُحَمّد بن مسلمة ، وَأَبُو أسيد ، وَسَهل بن سعد ، وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَأنس ، وَجَابِر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بأسانيد صَحِيحَة مُحْتَج بهَا .
قَالَ : وَسمعت الْحَاكِم أَبَا عبد الله يَقُول : لَا يعلم سنة اتّفق عَلَى رِوَايَتهَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ثمَّ بَاقِي الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْجنَّةِ فَمن بعدهمْ من أكَابِر الصَّحَابَة عَلَى تفرقهم فِي الْبِلَاد الشاسعة غير هَذِه السّنة .
قلت : قد شاركها فِي ذَلِك سنة الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ - كَمَا أسلفت لَك فِي بَابه - وَكَذَا حَدِيث : " من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ كَمَا قَالَ أستاذنا أَبُو عبد الله : فقد رَوَى هَذِه السّنة عَن أبي بكر - ثمَّ عدد بَاقِي الْعشْرَة - ومعاذ بن جبل ، وَمَالك بن الْحُوَيْرِث ، وَزيد بن ثَابت ، وَأبي بن كَعْب ، وَعبد الله بن مَسْعُود ، وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَعبد الله بن عَبَّاس ، وَابْن عمر ، وَالْحسن بن عَلّي بن أبي طَالب ، والبراء بن عَازِب ، وَزِيَاد بن الْحَارِث الصدائي ، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ ، وَأبي سعيد ، وَأبي قَتَادَة ، وسلمان الْفَارِسِي ، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ، وَعقبَة بن عَامر ، وَبُرَيْدَة بن الْحصيب الْأَسْلَمِيّ ، وَأبي هُرَيْرَة ، وعمار بن يَاسر ، وَأبي أُمَامَة صدي بن عجلَان الْبَاهِلِيّ ، وَعُمَيْر بن قَتَادَة اللَّيْثِيّ ، وَأبي مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ ، وَعَائِشَة بنت الصّديق ، وأعرابي آخر صَحَابِيّ ، كلهم عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَذكره ابْن مَنْدَه فِي "مستخرجه" ، وَابْن الْجَوْزِيّ من رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن ، وَفِي "تَارِيخ ابْن عَسَاكِر" عَن سَلمَة الْأَعْرَج قَالَ : " أدْركْت ألفا من الصَّحَابَة كلهم يرفع يَدَيْهِ عِنْد كل خفض
وَرفع " ، وَنقل البُخَارِيّ عَن الْحسن وَحميد بن هِلَال : " كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يرفعون أَيْديهم" ، وَلم يسْتَثْن أحدا مِنْهُم .
قَالَ البُخَارِيّ : وَلم يثبت عَن أحد من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه لم يرفع يَدَيْهِ . قَالَ : وَيروَى عَن عدَّة من أهل مَكَّة وَأهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق وَالشَّام وَالْبَصْرَة وَأهل الْيمن أَنهم كَانُوا يرفعون أَيْديهم عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ مِنْهُم : سعيد بن جُبَير ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح ، وَمُجاهد ، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد ، وَسَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز ، والنعمان بن أبي عَيَّاش ، وَالْحسن ، وابْن سِيرِين ، وَطَاوُس ، وَمَكْحُول ، وَعبد الله بن دِينَار ، وَنَافِع ، وَعبيد الله بن عمر ، وَالْحسن بن مُسلم ، وَقيس بن سعد ، وَغَيرهم عدَّة كَثِيرَة . وَكَذَلِكَ يرْوَى عَن أم الدَّرْدَاء " أَنَّهَا كَانَت ترفع يَديهَا " ، وَكَانَ ابْن الْمُبَارك يرفع يَدَيْهِ ، وَكَذَلِكَ عَامَّة أَصْحَابه ، ومحدثي أهل بُخَارَى مِنْهُم : عِيسَى بن مُوسَى ، وَكَعب بن سعيد ، وَمُحَمّد بن سَلام ، وَعبد الله بن مُحَمَّد المسندي ، وعدة مِمَّن لَا تحصى ، لَا اخْتِلَاف بَين من وَصفنَا من أهل الْعلم ، وَكَانَ عبد الله بن الزبير - يَعْنِي : الْحميدِي -
شَيْخه ، وَعلي ابن الْمَدِينِيّ ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يثبتون عَامَّة هَذِه الْأَخْبَار عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ويرونها حقًّا ، وَهَؤُلَاء أهل الْعلم من أهل زمانهم .
هَذَا آخر مَا نَقله البُخَارِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : رَوَى أَحَادِيث رفع الْيَدَيْنِ فِي المواطن الثَّلَاثَة نَحْو من ثَلَاثِينَ صحابيًّا فسردهم ، وَقد أسلفناهم بِزِيَادَة ، ثمَّ قَالَ : وَبِه يَقُول أَكثر أهل الْعلم من الصَّحَابَة ، مِنْهُم أَبُو بكر ، وَعمر ، وَابْنه ، وَابْن عَبَّاس ، وَأَبُو سعيد ، وَجَابِر ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَأنس ، وَابْن الزبير ، وَغَيرهم . وَإِلَيْهِ ذهب من التَّابِعين الْحسن ، وَابْن سِيرِين ، وَعَطَاء ، وَطَاوُس ، وَمُجاهد ، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد ، وَسَالم بن عبد الله وابْن جُبَير ، وَنَافِع ، وَقَتَادَة ، وَمَكْحُول ، وَغَيرهم قَالَ : وَهُوَ قَول جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ، وَلَيْسَ للمخالفين فِيهَا حَدِيث صَحِيح ، وبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ ، وَابْن الْمُبَارك ، وَالشَّافِعِيّ ، وَأحمد ، وَإِسْحَاق .
وَرَوَى الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَادِهِ عَن نَافِع قَالَ : " كَانَ ابْن عمر إِذا رَأَى مُصَليا لَا يرفع يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة حصبه " .
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب "رفع الْيَدَيْنِ" بِإِسْنَاد صَحِيح عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر " أَنه كَانَ إِذا رَأَى رجلا لَا يرفع يَدَيْهِ إِذا ركع وَإِذا رفع رَمَاه بالحصى " .
قَالَ عبد الله بن أَحْمد : وَسمعت أبي يَقُول : يرْوَى عَن عقبَة بن عَامر أَنه قَالَ فِيمن رفع يَدَيْهِ فِي الصَّلَاة : "لَهُ بِكُل إِشَارَة عشر حَسَنَات " .
وَقَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين : " من تَمام الصَّلَاة رفع الْأَيْدِي فِيهَا " .
وَرَوَى ابْن عبد الْبر بِسَنَدِهِ إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ : " إِن كُنَّا لنؤدب عَلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ - يَعْنِي : إِذا لم يرفعوا أَيْديهم فِي الصَّلَاة " .
وَرَوَى الْأَثْرَم بِسَنَدِهِ عَن الْحسن وَمُحَمّد أَنَّهُمَا كَانَا يرفعان أَيْدِيهِمَا إِذا كبرا وَإِذا رفعا ، قَالَ مُحَمَّد : هُوَ من تَمام الصَّلَاة .
وَرَوَى البُخَارِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن قَالَ : كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَأَنَّمَا أَيْديهم المراوح يرفعونها إِذا ركعوا وَإِذا رفعوا رُءُوسهم .
ورَوَى الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن جُبَير " أَنه سُئِلَ عَن رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة فَقَالَ : هُوَ شَيْء يزين بِهِ الرجل صلَاته ، كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يرفعون أَيْديهم فِي الِافْتِتَاح وَعند الرُّكُوع وَإِذا رفعوا رُءُوسهم " .
وَرَوَى البُخَارِيّ عَنهُ نَحوه .
وَرَوَى الْأَثْرَم ، عَن النُّعْمَان بن أبي عَيَّاش قَالَ : " كَانَ يُقَال : إِن لكل شَيْء زِينَة ، وزينة الصَّلَاة رفع الْأَيْدِي عِنْد استفتاح الصَّلَاة ، وَحين يُرِيد أَن يرْكَع ، وَحين يُرِيد أَن يرفع يَدَيْهِ " .
وَقَالَ عبد الرَّزَّاق : أَخذ أهل مَكَّة رفع الْيَدَيْنِ فِي الِافْتِتَاح وَالرُّكُوع وَالرَّفْع مِنْهُ عَن ابْن جريج وَأَخذه عَن عَطاء ، وَأَخذه عَطاء عَن ابْن الزبير ، وَأَخذه ابْن الزبير عَن أبي بكر ، وَأَخذه أَبُو بكر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .