آثار الباب
أما آثاره (فعشر) : أَولهَا : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَانَ يضْرب عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب . وَهَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْه لَا أعرفهُ ، وَإِنَّمَا ( فِي) الصَّحِيح عَنهُ أَنه كَانَ يضْرب عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر . (كَمَا أخرجه مُسلم عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه سَأَلَ الْمُخْتَار بن فلفل عَن التَّطَوُّع بعد الْعَصْر) قَالَ : (كَانَ) عمر يضْرب الْأَيْدِي عَلَى صَلَاة بعد الْعَصْر ، وَكُنَّا نصلي عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَكْعَتَيْنِ بعد غرُوب الشَّمْس قبل صَلَاة الْمغرب ، فَقلت لَهُ : أَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صلاهما ؟ قَالَ : قد كَانَ يَرَانَا نصليهما (فَلم يَأْمُرنَا وَلم ينهنا ) .
وَفِي مُسْند أَحْمد (ثَنَا) عبد الرَّزَّاق ، نَا (معمر ، عَن) ابْن جريج قَالَ : سَمِعت أَبَا (سعد) الْأَعْمَى يخبر عَن رجل يُقَال لَهُ : السَّائِب - مولَى الفارسيين - وَعَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ أَنه رَآهُ عمر بن الْخطاب - وَهُوَ خَليفَة - ركع رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر فَمَشى إِلَيْهِ فَضَربهُ بِالدرةِ وَهُوَ يُصَلِّي كَمَا هُوَ ، فَلَمَّا انْصَرف قَالَ زيد : وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ (فوَاللَّه) لَا أدعهما أبدا بعد إِذْ رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّيهمَا (قَالَ) : فَجَلَسَ إِلَيْهِ عمر وَقَالَ : يَا زيد بن خَالِد ، لَوْلَا أَن (نخشى) أَن يتخذها النَّاس سلما إِلَى الصَّلَاة حَتَّى اللَّيْل لم أضْرب فيهمَا . نعم فِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه أَن أَبَا أَيُّوب (الْأنْصَارِيّ ) صَلَّى مَعَ أبي بكر بعد غرُوب الشَّمْس قبل الصَّلَاة ، ثمَّ لم يكن يُصَلِّي مَعَ عمر ، ثمَّ صَلَّى مَعَ عُثْمَان . فَذكر (ذَلِك لَهُ) فَقَالَ : إِنِّي صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ صليت مَعَ أبي بكر (ثمَّ فرقت) من عمر فَلم أصل مَعَه ، وَصليت مَعَ عُثْمَان ؛ إِنَّه لين .
قلت : (وَظَاهر) هَذَا أَن عمر كَانَ لَا يراهما . الْأَثر الثَّانِي : أَن (ابْن) عمر كَانَ يسلم وَيَأْمُر بَينهمَا - يَعْنِي : بَين الشفع وَالْوتر - بحاجته . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ من رِوَايَة نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يسلم بَين الرَّكْعَة والركعتين فِي الْوتر ، حَتَّى يَأْمر بِبَعْض حَاجته .
الْأَثر الثَّالِث : عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه كَانَ يُوتر قبل أَن ينَام ، فَإِذا قَامَ تهجد وَلم يعد الْوتر . وَهَذَا الْأَثر سلف فِي أثْنَاء طرق الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن رِوَايَة بَقِي بن مخلد فِي مُسْنده وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر أَيْضا . وَوَافَقَ الصّديق عَلَى هَذَا - أَعنِي : عدم نقض الْوتر - الْفَارُوق وَسعد وعمار وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَجُمْهُور الْعلمَاء ، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن نصر بن عمرَان الضبعِي قَالَ : سَأَلت عَائِذ بن عَمْرو الصَّحَابِيّ : هَل ينْقض الْوتر ؟ (قَالَ) : إِذا أوترت من أَوله فَلَا (توتر) من آخِره .
الْأَثر الرَّابِع : أَن ابْن عمر كَانَ ينْقض الْوتر ، فيوتر أول اللَّيْل (فَإِذا) قَامَ ليتهجد صَلَّى رَكْعَة شفع بهَا (تِلْكَ) ثمَّ يُوتر آخر اللَّيْل . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك . قَالَ ابْن الصّلاح : وَهُوَ ثَابت عَنهُ .
وَرَوَاهُ أَحْمد وَلَفظه : عَن ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا سُئِلَ عَن الْوتر قَالَ : أما أَنا (لَو) أوترت قبل أَن أَنَام ثمَّ أردْت (أَن) أُصَلِّي بِاللَّيْلِ شفعت (وَاحِدَة) مَا مَضَى من وتري ، ثمَّ صليت مثنى مثنى ، فَإِذا قضيت صَلَاتي أوترت بِوَاحِدَة ؛ إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمرنَا أَن نجْعَل آخر صَلَاة اللَّيْل الْوتر . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة أَنه سَأَلَ سعيد بن الْمسيب عَن الْوتر ، فَقَالَ : كَانَ عبد الله بن عمر يُوتر أول اللَّيْل ؛ فَإِذا قَامَ نقض وتره ، ثمَّ صَلَّى ثمَّ أوتر آخر صلَاته - أَو آخر اللَّيْل . وَكَانَ عمر يُوتر آخر اللَّيْل ، وَكَانَ (خير) مني ( وَمِنْهَا أَن) أَبَا بكر يُوتر من أول اللَّيْل ويشفع (فِي) آخِره ، يُوتر بذلك [ يُصَلِّي ] مثنى مثنى وَلَا ينْقض وتره .
قلت : وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِك عُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَعَمْرو بن مَيْمُون (وَابْن) سِيرِين وَإِسْحَاق (و) حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَنهُ . الْأَثر الْخَامِس : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه جمع النَّاس عَلَى أبيّ بن كَعْب فِي صَلَاة التَّرَاوِيح (و) لم يقنت إِلَّا فِي النّصْف الثَّانِي . وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من طَرِيقين : أولاهما : عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَن عمر بن الْخطاب جمع النَّاس عَلَى أبيّ بن كَعْب (وَكَانَ) يُصَلِّي لَهُم عشْرين لَيْلَة (و) لَا يقنت (بهم) إِلَّا فِي النّصْف (الثَّانِي) فَإذْ (كَانَ) الْعشْر الْأَوَاخِر تخلف (فَيصَلي) فِي بَيته ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : أبق أبيٌّ ! .
ثَانِيهمَا : عَن ابْن سِيرِين ، عَن بعض أَصْحَابه أَن أبي بن كَعْب أمّهم - يَعْنِي : فِي رَمَضَان - وَكَانَ يقنت فِي النّصْف (الْأَخير) مِنْهُ . وَهَذَا فِيهِ جَهَالَة كَمَا ترَى ، وَالْأول مُنْقَطع ؛ لِأَن الْحسن لم يدْرك عمر ، بل ولد لِسنتَيْنِ من خِلَافَته . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَوَافَقَهُ الصَّحَابَة .
يَعْنِي (عمر) عَلَى جمعه النَّاس عَلَى أبيّ . وَهُوَ كَمَا قَالَ .