الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين صلوا خلف كل بر وَفَاجِر
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : صلوا خلف كل بر وَفَاجِر . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق ضَعِيفَة أمثلها : رِوَايَة مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْجِهَاد وَاجِب عَلَيْكُم مَعَ كل أَمِير برًّا كَانَ أَو (فَاجِرًا) ، وَالصَّلَاة (وَاجِبَة) عَلَيْكُم خلف كل مُسلم برًّا كَانَ أَو فَاجِرًا وَإِن عمل الْكَبَائِر . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْجِهَاد من سنَنه فِي بَاب الْغَزْو مَعَ أَئِمَّة الْجور من حَدِيث مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن الْعَلَاء بن الْحَارِث ، عَن مَكْحُول بِهِ .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من هَذَا الْوَجْه مُخْتَصرا بِلَفْظ : صلوا خلف (كل) بر وَفَاجِر ، وَجَاهدُوا مَعَ كل بر وَفَاجِر ثمَّ قَالَ : (مَكْحُول) لم يسمع من أبي هُرَيْرَة ، وَمن دونه ثِقَات . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : إِسْنَاده صَحِيح إِلَّا أَن (فِيهِ) إرْسَالًا بَين مَكْحُول وَأبي هُرَيْرَة . وَقَالَ فِي سنَنه فِي الْجَنَائِز : إِنَّه أصح مَا فِي الْبَاب إِلَّا أَن فِيهِ إرْسَالًا .
( وأعلّه) ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَعلله بِمُعَاوِيَة بن صَالح ، وَنقل (عَن) أبي حَاتِم الرَّازِيّ أَنه لَا يحْتَج بِهِ ، وَمُعَاوِيَة هَذَا من رجال مُسلم وَهُوَ صَدُوق وَإِن لينه ( يَحْيَى الْقطَّان ) أَيْضا ، وأعلَّه بمكحول أَيْضا فَقَالَ : (رَوَى) مُحَمَّد بن سعد أَن جمَاعَة من الْعلمَاء ضعفوا رِوَايَة مَكْحُول . وَقد ذكرنَا فِي كتاب الصَّلَاة أَن جمَاعَة وثقوه ، وَأَنه من رجال مُسلم ، وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقين آخَرين إِلَى أبي هُرَيْرَة . أَولهمَا : من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن الْأَشْعَث ، عَن يزِيد بن يزِيد بن جَابر ، عَن مَكْحُول ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد السالف إِلَّا أَنه قَالَ : وَزَاد (فِيهِ) : وَإِن عمل الْكَبَائِر فِي الْجِهَاد وَبَقِيَّة حَاله مَعْرُوفَة سلفت ، وَأَشْعَث هَذَا نسبه ابْن الْقطَّان إِلَى الْجَهَالَة فَقَالَ : بَقِيَّة مَعْرُوف الْحَال وَهُوَ أروى النَّاس عَن المجهولين ، وَأَشْعَث هَذَا مُتَّهم .
وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي تَحْقِيقه : الْأَشْعَث مَجْرُوح ، وَبَقِيَّة لَا (يعول) عَلَى رواياته . قلت : وَأَشْعَث الْمَجْرُوح (الَّذِي أَشَارَ) إِلَيْهِ هُوَ ابْن سوار الْكُوفِي وَلَيْسَ هَذَا ، فَالصَّوَاب مَعَ ابْن الْقطَّان . ثَانِيهَا : من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن (عُرْوَة) ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أبي صَالح (السمان) ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : سيليكم بعدِي وُلَاة ، فيليكم الْبر ببره والفاجر (بِفُجُورِهِ) ، فَاسْمَعُوا لَهُم وَأَطيعُوا فِيمَا وَافق الْحق ، وصلوا وَرَاءَهُمْ ، فَإِن أَحْسنُوا فلكم وَلَهُم ، وَإِن أساءوا فلكم وَعَلَيْهِم وَعبد الله هَذَا واه ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث .
وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يحل كتب حَدِيثه ، يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات ، وَيَأْتِي عَن هِشَام بِمَا لم يروه قطّ . الطَّرِيق الثَّانِي : من أصل طرق الحَدِيث عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه : من أصل الدَّين الصَّلَاة خلف كل بر وَفَاجِر (و) الْجِهَاد مَعَ كل أَمِير وَلَك أجره ، وَالصَّلَاة عَلَى من مَاتَ من أهل الْقبْلَة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث فرات بن (سُلَيْمَان) ، عَن مُحَمَّد بن علوان ، (عَن الْحَارِث) ، عَن عَلّي (بِهِ) . وَقَالَ فِيهِ : وَفِي (طرق) حَدِيث ابْن عمر الْآتِيَة لَيْسَ فِيهَا شَيْء يثبت .
قلت : وفرات هَذَا (أعله) ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه (بِهِ) وَنقل عَن ابْن حبَان أَنه قَالَ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث جدًّا (يَأْتِي) بِمَا لَا يشك فِيهِ أَنه مَعْمُول . لكنه لم يذكرهُ فِي ضُعَفَائِهِ ، وَذكر كَلَام ابْن حبَان هَذَا (فِي) فرات بن سليم وَقَالَ : إِنَّه (يروي) عَن (عَمْرو) بن عَاتِكَة ، وَتَابعه الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي ، وراجعت الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان فَوَجَدته كَمَا ذكره فِي ضُعَفَائِهِ لَا كَمَا ذكره فِي تَحْقِيقه ، وَفِي كتاب الصريفيني - وَمن خطه نقلت - : فرات بن (سُلَيْمَان) مولَى ابْن عقيل من أهل الرقة ، رَوَى عَن مَيْمُون بن مهْرَان . ثمَّ نقل عَن (خطّ) ابْن حبَان أَنه قَالَ : لَيْسَ هَذَا بفرات بن السَّائِب الْجَزرِي ، ذَاك واه ضَعِيف .
وَمُحَمّد بن علوان قَالَ الْأَزْدِيّ : يروي عَن نَافِع ، مَتْرُوك الحَدِيث . والْحَارث هُوَ الْأَعْوَر ، كذبه ابْن الْمَدِينِيّ وَمِنْهُم من وَثَّقَهُ . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عبد الله بن مَسْعُود (رَفعه : ثَلَاث من السّنة) : الصَّلَاة خلف كل إِمَام ، لَك صلَاته (وَعَلِيهِ) إثمه ، و(الْجِهَاد مَعَ كل أَمِير لَك) جهادك وَعَلِيهِ شَره ، وَالصَّلَاة عَلَى كل ميت من (أهل التَّوْحِيد وَإِن كَانَ قَاتل) نَفسه رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عمر بن صبح (عَن مَنْصُور ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة و) الْأسود ، عَن عبد الله بِهِ .
وَعمر هَذَا كَذَّاب (اعْترف بِالْوَضْعِ ، قَالَ عَن نَفسه) أَنا وضعت خطْبَة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله - (قَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب (ذامر)) . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن ابْن عمر ، وَسَيَأْتِي فِي الحَدِيث الْآتِي بعده بِطرقِهِ مُعَللا . الطَّرِيق الْخَامِس : عَن وَاثِلَة رَفعه : لَا تكفرُوا أهل قبلتكم وَإِن عمِلُوا الْكَبَائِر ، وصلوا مَعَ كل إِمَام ، وَجَاهدُوا مَعَ كل أَمِير ، وصلوا عَلَى كل ميت .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة الْحَارِث بن نَبهَان ، عَن عتبَة بن يقظان ، عَن أبي سعيد ، عَن مَكْحُول ، عَن وَاثِلَة بِهِ . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، ( الْحَارِث هَذَا ضَعَّفُوهُ ) قَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَعتبَة بن يقظان قَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد : لَا يُسَاوِي شَيْئا .
وَأَبُو سعيد هَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَقه : إِنَّه مَجْهُول . وَمَكْحُول قد سلف مَا فِيهِ ، لَا جرم قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي ( كناه ) : هَذَا حَدِيث مُنكر . قَالَ : والْحَارث بن نَبهَان وَعتبَة بن يقظان وَأَبُو سعيد إِذا اجْتَمعُوا (فَغير) مستنكر (مثل) هَذَا فِيمَا بَينهم ، وَالله يرحمهم جَمِيعًا .
الطَّرِيق السَّادِس : عَن أبي الدَّرْدَاء رَفعه : لَا تكفرُوا أحدا من (أهل) قِبْلَتِي بذنب وَإِن عمِلُوا الْكَبَائِر ، وصلوا خلف كل إِمَام ، وَجَاهدُوا - (أَو) قَالَ : وقاتلوا - مَعَ كل أَمِير ، وَلَا تَقولُوا فِي أبي بكر الصّديق وَلَا فِي عمر وَلَا فِي عُثْمَان وَلَا فِي عَلّي إِلَّا خيرا ، قُولُوا : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة عباد بن الْوَلِيد (عَن الْوَلِيد) [ بن الْفضل ، أَخْبرنِي عبد الْجَبَّار ] بن الْحجَّاج الْخُرَاسَانِي ، عَن مكرم ابن حَكِيم (الْخَثْعَمِي) ، عَن سيف بن مُنِير ، عَن أبي الدَّرْدَاء بِهِ . ثمَّ قَالَ : لَا يثبت إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، (مَا) بَين عباد وَأبي الدَّرْدَاء ضعفاء .
وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ (أَيْضا) من حَدِيث إِسْحَاق بن وهب العلاف ، عَن الْوَلِيد بن الْفضل الْعَنزي ، عَن عبد الْجَبَّار بن الْحجَّاج بن مَيْمُون ، عَن مكرم بِهِ بِلَفْظ : صلوا خلف كل إِمَام ، وقاتلوا مَعَ كل أَمِير ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده مَجْهُول غير مَحْفُوظ . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : سيف لَا يكْتب حَدِيثه ، ومكرم لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء . وَقَالَ ابْن حبَان : الْوَلِيد بن الْفضل الْعَنزي يروي الْمَنَاكِير الَّتِي لَا شكّ أَنَّهَا مَوْضُوعَة .
وَقَالَ ( أَبُو حَاتِم ) : مَجْهُول . قلت : ( وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الحَدِيث) من كل طرقه ضَعِيف كَمَا قَدمته أَولا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد رُوِيَ (فِي) الصَّلَاة عَلَى كل بر وَفَاجِر ، وَالصَّلَاة عَلَى من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله (أَحَادِيث) كلهَا ضَعِيفَة غَايَة الضعْف .
وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب حَدِيث مَكْحُول ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه إِلَّا أَن فِيهِ إرْسَالًا (كَمَا) ذكره الدَّارَقُطْنِيّ . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْمَتْن إِسْنَاد يثبت . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه و علله وأوضح ضعفه وَقَالَ فِي علله : كلهَا لَا تصح .
وَنقل (فيهمَا) عَن الإِمَام أَحْمد أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث : صلوا خلف كل بر وَفَاجِر فَقَالَ : مَا سمعنَا بِهَذَا .