الحَدِيث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين أَن معَاذًا أمَّ قومه لَيْلَة فِي صَلَاة الْعشَاء
الحَدِيث (السَّابِع) بعد الْأَرْبَعين أَن معَاذًا أمَّ قومه لَيْلَة فِي صَلَاة الْعشَاء بَعْدَمَا صلاهَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَافْتتحَ سُورَة الْبَقَرَة فَتنَحَّى رجل من خَلفه وَصَلى وَحده فَقيل لَهُ نافقت ، ثمَّ ذكر ذَلِك للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ الرجل : يَا رَسُول الله إِنَّك أخرت الْعشَاء وَإِن معَاذًا صَلَّى مَعَك ثمَّ أمنا وافتتح سُورَة الْبَقَرَة ، وَإِنَّمَا نَحن أَصْحَاب نواضح نعمل بِأَيْدِينَا ، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك تَأَخَّرت وَصليت ، فَقَالَ : (أفتان) أَنْت يَا معَاذ ؟ اقْرَأ (سُورَة) كَذَا اقْرَأ (سُورَة) كَذَا . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث جَابر بن عبد الله (قَالَ : كَانَ معَاذ) يُصَلِّي (مَعَ) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ يَأْتِي فيؤم قومه ، فَصَلى لَيْلَة مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعشَاء ، ثمَّ أَتَى قومه فَأمهمْ فَافْتتحَ سُورَة الْبَقَرَة ، فانحرف رجل فَسلم ثمَّ صَلَّى وَحده وَانْصَرف ، فَقَالُوا لَهُ : نافقت يَا فلَان . قَالَ : لَا وَالله ولآتين رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فلأخبرنه) فَأَتَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنَّا أَصْحَاب نواضح نعمل بِالنَّهَارِ ، وَإِن معَاذًا صَلَّى مَعَك الْعشَاء ثمَّ أَتَى فَافْتتحَ (سُورَة) الْبَقَرَة .
فَأقبل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى معَاذ فَقَالَ : (يَا معَاذ ، أفتان أَنْت) ، اقْرَأ بِكَذَا واقرأ بِكَذَا قَالَ سُفْيَان : فَقلت لعَمْرو : إِن أَبَا الزبير حَدثنَا عَن جَابر أَنه قَالَ : اقْرَأ (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) (وَالضُّحَى) (وَاللَّيْل إِذا (يغشى)) و(سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) فَقَالَ عَمْرو نَحْو هَذَا . هَذَا لفظ مُسلم ، وَفِي (آخر لَهُ) : إِذا (أممت النَّاس) فاقرأ (بالشمس وَضُحَاهَا) و(سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) و(اقْرَأ باسم رَبك) (﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى ﴾. وللبخاري : أَن معَاذًا صَلَّى بِنَا البارحة فَقَرَأَ الْبَقَرَة فتجوزت ، فَزعم أَنِّي مُنَافِق : فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : أفتان أَنْت - ثَلَاثًا وَلم يذكر تعْيين السُّور .
وَله أَيْضا : أَن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ يَأْتِي قومه فَيصَلي بهم (صَلَاة) الْعشَاء (فَقَرَأَ) الْبَقَرَة ، قَالَ : فَتجوز رجل وَصَلى صَلَاة خَفِيفَة ، فَبلغ ذَلِك معَاذًا ، فَقَالَ : إِنَّه مُنَافِق . فَبلغ ذَلِك الرجلَ فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنَّا قوم نعمل بِأَيْدِينَا ونسقي نواضحنا وَإِن معَاذًا صَلَّى البارحة فَقَرَأَ الْبَقَرَة فتجوزت فَزعم أَنِّي مُنَافِق . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : يَا معَاذ ، أفتان أَنْت - ثَلَاثًا - اقْرَأ (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) و(سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) وَنَحْوهَا وَفِي (لفظ) آخر : فلولا صليت بـ (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى) (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) ، (وَاللَّيْل إِذا يغشى) فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَك (الْكَبِير وَالصَّغِير) وَذُو الْحَاجة قَالَ : أَحسب هَذَا (فِي) الحَدِيث وَلَيْسَت (عِنْده) قَول سُفْيَان لعَمْرو ، وَفِي بعض طرقه : أقبل رجل بناضحين وَقد أقبل اللَّيْل فَوَافَقَ معَاذًا يُصَلِّي فَأقبل (معَاذ) .
وَذكر الحَدِيث . وَللشَّافِعِيّ ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو ، عَن جَابر : كَانَ (معَاذ) يُصَلِّي مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعشَاء - أَو الْعَتَمَة - ثمَّ يرجع فيصليها بقَوْمه فِي بني سَلمَة . قَالَ : فَأخر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعشَاء ذَات لَيْلَة ، قَالَ : فَصَلى معَاذ مَعَه ، ثمَّ رَجَعَ فَأم قومه فَقَرَأَ (بِسُورَة) الْبَقَرَة فَتنَحَّى رجل من خَلفه فَصَلى وَحده فَقَالُوا لَهُ : نافقت .
قَالَ : لَا وَلَكِنِّي آتِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَأَتَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنَّك أخرت الْعشَاء وَإِن معَاذًا صَلَّى مَعَك ، ثمَّ رَجَعَ فأمنا وافتتح سُورَة الْبَقَرَة ، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك تَأَخَّرت فَصليت ، وَإِنَّمَا نَحن أَصْحَاب نواضح نعمل بِأَيْدِينَا . فَأقبل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أفتان أَنْت يَا معَاذ ، أفتان أَنْت يَا معَاذ ، اقْرَأ (بِسُورَة كَذَا وَسورَة) كَذَا .
قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا سُفْيَان ، أَنا أَبُو الزبير ، عَن جَابر بِمثلِهِ وَزَاد فِيهِ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُ : اقْرَأ بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾) ، ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾) ، ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ) وَنَحْوهَا قَالَ سُفْيَان فَقلت لعَمْرو : إِن أَبَا الزبير يَقُول (قَالَ) لَهُ : اقْرَأ (بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾) ( ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾) ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ) (قَالَ) عَمْرو : هُوَ هَذَا أَو نَحوه . فَوَائِد : الأولَى : قد أسلفنا أَنه قَرَأَ (سُورَة) الْبَقَرَة ، وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث (بُرَيْدَة) أَنه قَرَأَ ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) وَجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ قَرَأَ هَذِه فِي رَكْعَة وَهَذِه فِي أُخْرَى . الثَّانِيَة : هَذِه الصَّلَاة كَانَت الْعشَاء (كَمَا) سلف لَك - وَهُوَ أصح من رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَنَّهَا كَانَت فِي صَلَاة الْمغرب .
الثَّالِثَة : اخْتلف فِي اسْم (هَذَا الرجل) المنحرف أَو المتجوز عَلَى أَقْوَال ، ذكرتها فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب وَغَيره أَصَحهَا : أَنه حرَام بن ملْحَان خَال أنس ، وَلم يذكر الْخَطِيب فِي مبهماته غَيره ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب : فَانْفَرد عَنهُ أَعْرَابِي ، وَالصَّوَاب : أَنْصَارِي . بدله . الرَّابِعَة : احْتج المُصَنّف تبعا للشَّافِعِيّ وَالْأَصْحَاب بِهَذَا الحَدِيث عَلَى جَوَاز الْمُفَارقَة وَالْبناء عَلَى مَا (صَلَّى) ، لَكِن احْتج بِهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد وَآخَرُونَ عَلَى الْمُفَارقَة (و) بِغَيْر عذر وَجعلُوا تَطْوِيل الْقِرَاءَة لَيْسَ بِعُذْر وَاحْتج بِهِ صَاحب الْمُهَذّب وَآخَرُونَ عَلَى الْمُفَارقَة بِعُذْر ، وَجعلُوا طولهَا عذرا ، وَرِوَايَة مُسلم السالفة أَنه انحرف فَسلم ثمَّ صَلَّى وَحده تشكل عَلَى ذَلِك ، (كَأَنَّهُ) اسْتَأْنف وَلم يبن ، فَلَا دلَالَة فِيهِ إِذا للمفارقة وَالْبناء ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا أَدْرِي هَل حفظت الزِّيَادَة الَّتِي فِي مُسلم لِكَثْرَة من رَوَى الحَدِيث عَن سُفْيَان بِدُونِهَا ، وَإِنَّمَا انْفَرد بهَا مُحَمَّد بن عباد عَن سُفْيَان .
وَلَك أَن تَقول : هَذِه الزِّيَادَة من ثِقَة فَقبلت - كَمَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء وَالْأُصُول والْحَدِيث . وَجَوَاب هَذَا أَن أَكثر الْمُحدثين يجْعَلُونَ مثل هَذِه الزِّيَادَة شَاذَّة ضَعِيفَة مَرْدُودَة ، فَإِن الشاذ عِنْدهم أَن يروي مَا (لَا) يرويهِ سَائِر الثِّقَات سَوَاء خالفهم أم لَا ، وَمذهب الشَّافِعِي وَطَائِفَة من عُلَمَاء الْحجاز أَن الشاذ مَا يُخَالف الثِّقَات ، أما مَا لَا يخالفهم فَلَيْسَ بشاذ بل يحْتَج بِهِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح (وَقَول الْمُحَقِّقين) فعلَى الأول : (هَذِه) اللَّفْظَة شَاذَّة لَا يحْتَج بهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ ، وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي رِوَايَة الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أنس : أَن هَذَا الرجل لما رَأَى معَاذًا طول تجوز فِي صلَاته وَلحق بنخله ليسقيه ، فَلَمَّا قَضَى (معَاذ) الصَّلَاة قيل لَهُ (فِي) ذَلِك (قَالَ) : إِنَّه لمنافق يعجل عَن الصَّلَاة (لأجل سقي) نخله .