الحَدِيث الثَّانِي أتممت الَّذِي قصرت وَصمت الَّذِي أفطرت
الحَدِيث الثَّانِي عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (أَنَّهَا) قَالَت : سَافَرت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلَمَّا رجعت قَالَ : مَا صنعت فِي سفرك ؟ قلت : أتممت الَّذِي قصرت وَصمت الَّذِي (أفطرت) . قَالَ : أَحْسَنت . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي نعيم ، عَن الْعَلَاء بن زُهَيْر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا اعْتَمَرت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا قدمت مَكَّة قَالَت : يَا رَسُول الله ، بِأبي أَنْت وَأمي ، قصرتَ وأتممتُ ، وأفطرتَ وصمتُ .
قَالَ : أَحْسَنت يَا عَائِشَة . وَمَا عَابَ عليّ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ ، عَن الْعَلَاء - الْمَذْكُور - عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة قَالَت : خرجت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي عمْرَة فِي رَمَضَان فَأفْطر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَصمت ، وَقصر وَأَتْمَمْت ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، بِأبي وَأمي ، أفطرتَ وصمتُ وقَصرتَ وأتممتُ .
فَقَالَ : أَحْسَنت يَا عَائِشَة . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الْقَاسِم بن الحكم ، عَن الْعَلَاء ، عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن عَائِشَة - بِإِسْقَاط الْأسود كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ - وَلَفظه : اعْتَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَنا مَعَه فقصرَ وأتممتُ الصَّلَاة ، وأفطرَ وصمتُ ، فَلَمَّا دَنَوْت إِلَى مَكَّة (قلت :) بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله ، قصرتَ وأتممتُ وأفطرتَ وصمتُ . قَالَ : أَحْسَنت يَا عَائِشَة (وَمَا عَابَ) عليّ ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الأول مُتَّصِل وَهُوَ إِسْنَاد حسن .
قَالَ : وَعبد الرَّحْمَن قد أدْرك عَائِشَة وَدخل عَلَيْهَا وَهُوَ مراهق . وَقَالَ فِي علله (كهذه) الْمقَالة ، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن عبد الرَّحْمَن أَنه دخل عَلَى عَائِشَة بالاستئذان بعد احتلامه . وَذكر صَاحب الْكَمَال أَنه سمع مِنْهَا ، وَخَالف أَبُو حَاتِم فَقَالَ فِي مراسيله : أَدخل عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِير وَلم يسمع مِنْهَا .
وَلما سَاقه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة من حَدِيث أبي نعيم ، عَن الْعَلَاء كَمَا سَاقه النَّسَائِيّ قَالَ : كَذَا رَوَاهُ الْقَاسِم بن الحكم عَن الْعَلَاء ، وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح مَوْصُول ؛ فَإِن عبد الرَّحْمَن أدْرك عَائِشَة . وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْعَلَاء ، عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . قلت : وَقَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي : من قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث : عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة .
فقد أَخطَأ . قلت : وَأما (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فَإِنَّهُ طعن فِيهِ ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا خير فِيهِ . ثمَّ ادَّعَى أَن الْعَلَاء تفرد (بِهِ) وَأَنه مَجْهُول .
(وَهَذَا من أعاجيبه) فالعلاء هَذَا مَعْلُوم الْعين وَالْحَال ، أما عينه فروَى عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود ووبرة بن عبد الرَّحْمَن ، وَرَوَى عَنهُ وَكِيع وَالْفِرْيَابِي و(أَبُو) نعيم وَغَيرهم ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين (وَغَيره) وَأخرج لَهُ النَّسَائِيّ ، فَزَالَتْ إِذن عَنهُ جَهَالَة الْعين وَالْحَال . لَا جرم اعْترض (عَلَيْهِ) ابْن عبد الْحق فَقَالَ فِيمَا (رده) (عَلَى) الْمُحَلَّى : ( هَذَا) حَدِيث صَحِيح بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة ، رِجَاله كلهم ثِقَات ، وَسَمَاع كل وَاحِد مِمَّن رَوَى عَنهُ مَذْكُور . قَالَ : وَقَول ابْن حزم أَنه لَا خير فِيهِ (جهل مِنْهُ) بالآثار .
(قَالَ) : ودعواه جَهَالَة ( الْعَلَاء ) غلط ، بل هُوَ ثِقَة مَشْهُور رَوَى عَنهُ الْأَعْلَام ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين . قلت : لَكِن فِي مَتنه نَكَارَة ، وَهُوَ كَون عَائِشَة خرجت مَعَه فِي عمْرَة رَمَضَان ؛ (فَالْمَشْهُور) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يعْتَمر إِلَّا أَربع عُمر لَيْسَ مِنْهُنَّ شَيْء فِي رَمَضَان ؛ بل كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته فَكَانَ إحرامها فِي ذِي الْقعدَة وفعلها فِي ذِي الْحجَّة ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا ، وتمحل بعض شُيُوخنَا الْحفاظ فِي الْجَواب عَن هَذَا الْإِشْكَال فَقَالَ : لَعَلَّ عَائِشَة (مِمَّن) خرج مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سَفَره عَام الْفَتْح ، (وَكَانَ) سَفَره ذَلِك فِي رَمَضَان وَلم يرجع من سَفَره ذَلِك حَتَّى اعْتَمر (عُمرة) الْجِعِرَّانَة ، فَأَشَارَتْ بِالْقصرِ والإتمام ، وَالْفطر وَالصِّيَام ، وَالْعمْرَة إِلَى مَا كَانَ فِي تِلْكَ السفرة . قَالَ شَيخنَا : وَقد رُوي (من) حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر فِي رَمَضَان ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك عياضًا القَاضِي أجَاب بِهَذَا الْجَواب فَقَالَ : لَعَلَّ هَذِه هِيَ الَّتِي عَملهَا فِي شَوَّال وَكَانَ ابْتِدَاء خُرُوجهَا فِي رَمَضَان .
وَظَاهر إِيرَاد أبي حَاتِم بن حبَان أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر فِي رَمَضَان ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي صَحِيحه : اعْتَمر عَلَيْهِ السَّلَام أَربع عمر : الأولَى عمْرَة الْقَضَاء سنة الْقَابِل من عَام الْحُدَيْبِيَة وَكَانَ ذَلِك فِي رَمَضَان ، ثمَّ الثَّانِيَة حَيْثُ فتح مَكَّة وَكَانَ فتحهَا فِي رَمَضَان ، ثمَّ خرج مِنْهَا قبل هوَازن وَكَانَ من أمره مَا كَانَ فَلَمَّا رَجَعَ وَبلغ الْجِعِرَّانَة قسم الْغَنَائِم (بهَا) وَاعْتمر مِنْهَا إِلَى مَكَّة وَذَلِكَ فِي شَوَّال ، وَاعْتمر الرَّابِعَة فِي حجَّته وَذَلِكَ فِي ذِي الْحجَّة سنة عشر من الْهِجْرَة . هَذَا لَفظه ، وَاعْترض (عَلَيْهِ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي فِي كَلَام لَهُ) عَلَى هَذَا الحَدِيث وَقَالَ : وهم فِي هَذَا فِي غير (مَوضِع) . ثمَّ رد عَلَيْهِ بِحَدِيث أنس وَابْن عَبَّاس الآتيين فِي (بَاب) الْمَوَاقِيت فِي كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ الله ، وَرَوَى (أَبُو بكر عبد الله) بن دَاوُد ، عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر (عمرتين) أَو ثَلَاثًا إِحْدَاهُنَّ فِي رَمَضَان .
وَبَلغنِي عَن بعض الأكابر مِمَّن (عاصرت) أَنه أنكر هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر وَقَالَ : كَيفَ تُتم (هِيَ) مَعَ مشاهدتها (قصر) الشَّارِع وَالصَّحَابَة ، وَهِي تَقول : فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ وَزيد فِي (صَلَاة) الْحَضَر وأقرت صَلَاة السّفر وَإِنَّمَا صَحَّ إِتْمَامهَا بعده عَلَيْهِ السَّلَام متأولة مَا تَأَوَّلَه عُثْمَان ، وَهَذَا إِنْكَار عَجِيب ، وَكَيف يرد الحَدِيث بِفعل أحد (الجائزين) . وَمَعْنى أقرَّت صَلَاة السّفر فِي جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَيْهَا بِخِلَاف صَلَاة الْحَضَر فَإِن الزِّيَادَة فِيهَا (متحتمة) .