الحَدِيث الثَّالِث كَانَ إِذا كَانَ سائرًا فِي وَقت الأولَى أَخّرهَا إِلَى الثَّانِيَة
الحَدِيث الثَّالِث ثَبت أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا كَانَ سائرًا فِي وَقت الأولَى أَخّرهَا إِلَى الثَّانِيَة ، وَإِذا كَانَ نازلاً فِي وَقت الأولَى قدم الثَّانِيَة إِلَيْهَا . هُوَ كَمَا قَالَ ، أما الْقطعَة الأولَى وَهِي جمع التَّأْخِير فثابتة فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا عَرفته (آنِفا) من حَدِيث (أنس) رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَأما الْقطعَة الثَّانِيَة - وَهِي جمع التَّقْدِيم - فثابت (من) حَدِيث جَابر الطَّوِيل الْآتِي بِطُولِهِ فِي الْحَج - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فَإِن فِيهِ : ثمَّ أذن ثمَّ أَقَامَ فَصَلى الظّهْر ، ثمَّ أَقَامَ فَصَلى الْعَصْر وَلم يصل بَينهمَا شَيْئا ، وَكَانَ ذَلِك بعد الزَّوَال (كَمَا) ستعلمه هُنَاكَ - إِن شَاءَ الله وَقدره - وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم . وَورد أَيْضا فِي عدَّة أَحَادِيث : أَحدهَا : (فِي) حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَقد سقته بِطُولِهِ وَالْكَلَام (عَلَيْهِ) فِي أَحَادِيث الْمُهَذّب فَرَاجعه مِنْهُ ، ونقلنا هُنَاكَ عَن التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي حَامِد أَحْمد بن عبد الله التَّاجِر الْمروزِي أَنه قَالَ فِيهِ : (إِنَّه) حسن صَحِيح غَرِيب من حَدِيث ابْن عَبَّاس .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث كريب وَعِكْرِمَة أَن ابْن عَبَّاس قَالَ : أَلا أخْبركُم عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي السّفر ؟ قُلْنَا : بلَى . قَالَ : كَانَ إِذا زاغت (لَهُ الشَّمْس) فِي منزله جمع بَين الظّهْر وَالْعصر قبل أَن يركب ، وَإِذا لم تزغ لَهُ فِي منزله سَار حَتَّى إِذا حانت الْعَصْر نزل فَجمع بَين الظّهْر وَالْعصر ، (و) إِذا حانت الْمغرب فِي منزله جمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء ، وَإِذا لم تحن فِي منزله ركب حَتَّى إِذا حانت الْعشَاء (نزل) فَجمع بَينهمَا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رَوَى هَذَا الحَدِيث حجاج ، عَن ابْن جريج ، (قَالَ : أَخْبرنِي) حُسَيْن ، عَن كريب وَحده ، عَن ابْن عَبَّاس .
وَرَوَاهُ عُثْمَان بن عمر ، عَن ابْن جريج ، (عَن حُسَيْن ، عَن [ عِكْرِمَة ] ، عَن ابْن عَبَّاس . وَرَوَاهُ عبد الْمجِيد ، عَن ابْن جريج) ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن حُسَيْن عَن كريب ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَكلهمْ ثِقَات (فَاحْتمل) أَن يكون ابْن جريج (سَمعه) أَولا من هِشَام بن عُرْوَة ، عَن حُسَيْن كَقَوْل عبد الْمجِيد عَنهُ ، ثمَّ لَقِي ابْن جريج حُسَيْنًا فَسَمعهُ مِنْهُ ، كَقَوْل عبد الرَّزَّاق وحجاج عَن ابْن جريج قَالَ : حَدثنِي حُسَيْن . وَاحْتمل أَن يكون حُسَيْن سَمعه من كريب وَمن عِكْرِمَة جَمِيعًا عَن ابْن عَبَّاس ، فَكَانَ يحدث بِهِ مرّة عَنْهُمَا جَمِيعًا كَرِوَايَة عبد الرَّزَّاق (عَنهُ) وَمرَّة عَن كريب وَحده كَقَوْل حجاج وَابْن أبي رواد ، وَمرَّة عَن عِكْرِمَة وَحده عَن ابْن عَبَّاس كَقَوْل عُثْمَان بن عمر ، وَتَصِح الْأَقَاوِيل كلهَا .
ثمَّ رَوَى (بأسانيده) عَن حُسَيْن ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا زاغت الشَّمْس (صَلَّى) الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ، وَإِذا ارتحل قبل أَن تزِيغ [ أخرهما ] حَتَّى [ يُصَلِّيهمَا ] (فِي) وَقت الْعَصْر وَفِي رِوَايَة لَهُ كَانَ إِذا نزل منزلا فَزَالَتْ الشَّمْس لم يرتحل حَتَّى يُصَلِّي (الظّهْر) ، وَإِذا ارتحل قبل الزَّوَال صَلَّى كل وَاحِدَة لوَقْتهَا وَفِي رِوَايَة لَهُ : كَانَ إِذا ارتحل حِين تزِيغ الشَّمْس (يجمع) بَين الظّهْر وَالْعصر ، وَإِذا ارتحل قبل ذَلِك أخر ذَلِك إِلَى وَقت الْعَصْر . (ثَانِيهَا) : عَن معَاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك إِذا زاغت الشَّمْس قبل أَن يرتحل جمع بَين الظّهْر وَالْعصر ، وَإِن ارتحل قبل أَن تزِيغ الشَّمْس أخر الظّهْر حَتَّى ينزل الْعَصْر ، وَفِي الْمغرب مثل ذَلِك إِن (غَابَتْ) الشَّمْس قبل أَن يرتحل جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء ، وَإِن ارتحل (قبل) أَن يغيب الشَّفق أخر الْمغرب (حَتَّى) ينزل الْعشَاء ثمَّ يجمع (بَينهمَا) . رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث قُتَيْبَة بن سعيد ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن (معَاذ بِهِ) وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ لكنه (فَرد) من الْأَفْرَاد ، لَا جرم أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ إثره : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب تفرد بِهِ قُتَيْبَة لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن اللَّيْث غَيره .
قَالَ : وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم حَدِيث معَاذ من حَدِيث أبي الزبير . يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَلَيْسَ فِيهِ جمع التَّقْدِيم . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لم يرو هَذَا (الحَدِيث إِلَّا) قُتَيْبَة وَحده .
وَقَالَ - فِيمَا حَكَاهُ ( الْمُنْذِرِيّ ) - : هَذَا حَدِيث مُنكر وَلَيْسَ فِي تَقْدِيم الْوَقْت حَدِيث قَائِم . وَقَالَ ( أَبُو مُحَمَّد عَلّي) بن حزم : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي الطُّفَيْل ، وَلَا (يعلم أحد) من أَصْحَاب الحَدِيث أَن ليزِيد بن أبي حبيب سَمَاعا من أبي الطُّفَيْل . قلت : وَأثبت أَبُو الْقَاسِم هبة الله اللالكائي (سَمَاعه مِنْهُ) وَهُوَ مُحْتَمل ؛ (لِأَن عمره) حِين مَاتَ أَبُو الطُّفَيْل (أَكثر من أَرْبَعِينَ سنة ؛ لِأَنَّهُ ولد سنة ثَلَاث وَخمسين وَمَات أَبُو الطُّفَيْل) سنة مائَة ، سِيمَا وَيزِيد بن أبي حبيب مِمَّن خرج حَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاحْتج بِهِ ابْن حزم فِي مَوَاضِع وَلم يتهم بالتدليس .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو سعيد بن يُونُس : لم يحدث بِهَذَا الحَدِيث إِلَّا قُتَيْبَة وَيُقَال : إِنَّه غلط فِيهِ (فغيَّر) بعض الْأَسْمَاء (وَأَن) مَوضِع يزِيد بن أبي حبيب أَبُو الزبير . وَقَالَ قُتَيْبَة بن سعيد : هَذَا الحَدِيث عَلَيْهِ عَلامَة من الْحفاظ كتبُوا عني هَذَا الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل وَيَحْيَى بن معِين والْحميدِي وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة ، وَأَبُو خَيْثَمَة . حَتَّى عد (سَبْعَة) ، نَقله ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَنهُ .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : لَا أعرفهُ من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب ، وَالَّذِي عِنْدِي أَنه دخل لَهُ حَدِيث فِي حَدِيث . وَقَالَ (الْحَاكِم) أَبُو عبد الله فِي عُلُوم الحَدِيث : ( هَذَا الحَدِيث) رُوَاته أَئِمَّة ثِقَات وَهُوَ شَاذ الْإِسْنَاد والمتن ، ثمَّ (لَا تُعرف) لَهُ عِلّة نعلله بهَا ، فَلَو كَانَ الحَدِيث عِنْد اللَّيْث ، عَن أبي الزبير ، عَن أبي الطُّفَيْل (لعللنا) الحَدِيث ، وَلَو كَانَ عِنْد يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي الزبير (لعللناه) بِهِ ، فَلَمَّا لم نجد (التعليلين) خرج عَن أَن يكون معلولاً ، ثمَّ نَظرنَا فَلم نجد ليزِيد بن أبي حبيب عَن أبي الطُّفَيْل رِوَايَة ، وَلَا وجدنَا هَذَا الْمَتْن بِهَذِهِ السِّيَاقَة عِنْد أحد من أَصْحَاب أبي الطُّفَيْل ، وَلَا عِنْد أحد مِمَّن رَوَى عَن معَاذ غير أبي الطُّفَيْل ، (فَقُلْنَا) الحَدِيث شَاذ . وحدثونا عَن أبي الْعَبَّاس الثَّقَفِيّ قَالَ : كَانَ قُتَيْبَة بن سعيد يَقُول لنا : عَلَى هَذَا الحَدِيث عَلامَة أَحْمد بن حَنْبَل وَعَلِيّ ابْن الْمَدِينِيّ وَيَحْيَى بن معِين وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي خَيْثَمَة ، حَتَّى عد قُتَيْبَة (سَبْعَة) أسامي من أَئِمَّة الحَدِيث كتبُوا عَنهُ هَذَا الحَدِيث .
قَالَ الْحَاكِم : فأئمة الحَدِيث إِنَّمَا سَمِعُوهُ من قُتَيْبَة تَعَجبا من إِسْنَاده وَمَتنه ، ثمَّ لم يبلغنَا عَن أحد مِنْهُم أَنه ذكر للْحَدِيث (عِلّة) وَلم يذكر لَهُ أَبُو عَلّي الْحَافِظ وَلَا النَّسَائِيّ عِلّة - وهما حَافِظَانِ - فَنَظَرْنَا فَإِذا الحَدِيث مَوْضُوع ، وقتيبة ثِقَة مَأْمُون . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى البُخَارِيّ قَالَ : قلت (لقتيبة بن سعيد) مَعَ من (كتبت) عَن اللَّيْث بن سعد حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي الطُّفَيْل ؟ قَالَ : (كتبته) مَعَ خَالِد الْمَدَائِنِي . (قَالَ البُخَارِيّ : وَكَانَ خَالِد الْمَدَائِنِي ) يدْخل الْأَحَادِيث عَلَى الشُّيُوخ .
يُرِيد (أَنه) يدْخل فِي روايتهم مَا لَيْسَ مِنْهَا ؛ (قَالَه) ابْن حزم . قلت : ( وخَالِد ) هَذَا مَتْرُوك ، قَالَ البُخَارِيّ : تَركه عَلّي وَالنَّاس . وَقَالَ ( أَحْمد ) : لَا أروي عَنهُ شَيْئا .
وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه : كَانَ كذابا . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : أَجمعُوا عَلَى تَركه . وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : مَتْرُوك الحَدِيث ، كل أَصْحَابنَا (يجمع) عَلَى تَركه (سُوَى ابْن الْمَدِينِيّ فَإِنَّهُ كَانَ حسن الرَّأْي فِيهِ) .
قلت : قد أسلفنا عَن (البُخَارِيّ) عَن ( عَلّي بن) الْمَدِينِيّ أَنه تَركه ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : مَتْرُوك الحَدِيث . وأحرق ابْن معِين مَا (كتب) عَن خَالِد ، وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ عَن اللَّيْث بن سعد غير حَدِيث مُنكر ، وَاللَّيْث [ بَرِيء ] من رِوَايَة خَالِد عَنهُ تِلْكَ الْأَحَادِيث . وَأعله أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه بأوجه : أَحدهَا : أَنه لم يَأْتِ هَكَذَا إِلَّا من طَرِيق يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي الطُّفَيْل ، وَلَا يُعلم (أحد) من أَصْحَاب (الحَدِيث) ليزِيد سَمَاعا من أبي الطُّفَيْل ، وَقد أسلفنا هَذَا عَنهُ (مَعَ) جَوَابه .
ثَانِيهَا : أَن أَبَا الطُّفَيْل صَاحب راية الْمُخْتَار ، وَذكر أَنه كَانَ يَقُول بالرجعة . ثَالِثهَا : مَا تقدم عَن البُخَارِيّ . وَأجَاب عبد الْحق عَن الْعلَّة الثَّانِيَة فَقَالَ : هَذَا لَيْسَ بعلة ، وَلَعَلَّ أَبَا الطُّفَيْل كَانَ لَا يعلم (بِسوء) مَذْهَب الْمُخْتَار ، وَإِنَّمَا خرج الْمُخْتَار يطْلب (دم) الْحُسَيْن وَكَانَ قَاتله حيًّا فَخرج أَبُو الطُّفَيْل مَعَه .
قلت : وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِك أَن أَبَا عمر بن عبد الْبر ذكر فِي كِتَابه عَن أبي الطُّفَيْل أَنه كَانَ (محبًّا فِي) عَلّي ، وَكَانَ من أَصْحَابه فِي مشاهده ، وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا يعْتَرف بِفضل الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَنه كَانَ يقدم عليًّا ، وَأما مَا (ذكر) عَنهُ من أَمر الرّجْعَة فَلَعَلَّ ذَلِك لم يَصح عَنهُ . وَقَوله : لم يَأْتِ هَذَا الحَدِيث هَكَذَا (إِلَّا) من طَرِيق يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي الطُّفَيْل . فِيهِ نظر ؛ فقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله أَن (الْمفضل) بن فضَالة رَوَى عَن اللَّيْث ، عَن هِشَام بن سعد ، عَن أبي الزبير ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن معَاذ (الْقِصَّة) بِعَينهَا ، وَقد أخرجهَا ابْن حزم أَيْضا .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَهُوَ (أشبه) بِالصَّوَابِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّمَا أَنْكَرُوا من هَذَا رِوَايَة يزِيد عَن أبي الطُّفَيْل ، فَأَما رِوَايَة أبي الزبير عَن أبي الطُّفَيْل فَهِيَ مَحْفُوظَة صَحِيحَة . وَهَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إسنادها هِشَام بن سعد وَقد استضعف ، وَكَانَ يَحْيَى (بن سعيد ) لَا يحدث عَنهُ ، وأعلها ابْن حزم فِي محلاه (بِهِ) ، لَكِن احْتج بِهِ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز الحَدِيث حسن الحَدِيث .
وَقَالَ أَبُو زرْعَة : شيخ مَحَله الصدْق . وَقَالَ عبد الْحق : لم أر فِيهِ أحسن من قَول أبي بكر الْبَزَّار : لم أر أحدا توقف عَن حَدِيث هِشَام بن سعد وَلَا (اعتل) عَلَيْهِ (بعلة) بعد توجب التَّوَقُّف عَنهُ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي غير سنَنه : إِنَّه حَدِيث مُنكر .
قلت : (فتحصلنا) عَلَى خمس مقالات فِي هَذَا الحَدِيث للحفاظ (إِحْدَاهَا) : أَنه حسن غَرِيب . قَالَه ( التِّرْمِذِيّ ) . ثَانِيهَا : أَنه مَحْفُوظ صَحِيح .
قَالَه ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ . ثَالِثهَا : أَنه مُنكر . قَالَه أَبُو دَاوُد .
رَابِعهَا : أَنه مُنْقَطع . قَالَه ابْن حزم . خَامِسهَا : أَنه مَوْضُوع .
قَالَه الْحَاكِم . وأصل حَدِيث أبي الطُّفَيْل عَن معَاذ فِي صَحِيح مُسلم وَهُوَ مَعْدُود من أَفْرَاده وَلَفظه عَنهُ : جمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي غَزْوَة تَبُوك بَين الظّهْر وَالْعصر وَبَين الْمغرب وَالْعشَاء قَالَ : فَقلت : مَا حمله عَلَى ذَلِك ؟ (فَقَالَ) : أَرَادَ أَن لَا يحرج أمته . وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه .
(ثَالِثهَا) : عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ارتحل حِين تَزُول الشَّمْس جمع بَين الظّهْر وَالْعصر ، وَإِذا جد بِهِ السّير أخر الظّهْر وَعجل الْعَصْر ثمَّ يجمع بَينهمَا . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد ، عَن الْمُنْذر بن مُحَمَّد ، (عَن أَبِيه) ، عَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن (ابن عَلّي) ابن الْحُسَيْن قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي . فَذكره .
قَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : الْمُنْذر وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن لم أجد (لَهما) ذكرا . وَفِي مُسْند أَحْمد من زيادات ابْنه عبد الله : ثَنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، نَا أَبُو أُسَامَة ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَلّي ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن عليًّا كَانَ (يسير) حَتَّى إِذا غربت الشَّمْس وأظلم نزل (فَصَلى) الْمغرب ، ثمَّ صَلَّى الْعشَاء عَلَى إثْرهَا ثمَّ يَقُول : هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يصنع . (رَابِعهَا) : عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا كَانَ فِي سفر فَزَالَتْ الشَّمْس صَلَّى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا ثمَّ ارتحل .
رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، قَالَ النَّوَوِيّ : وَإِسْنَاده صَحِيح . وَذكره صَاحب الإِمَام من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ وَأقرهُ ، وَأما الذَّهَبِيّ فَذكره فِي مِيزَانه فِي تَرْجَمَة إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَنهُ عَن (شَبابَة) ، عَن اللَّيْث ، عَن عقيل ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أنس مَرْفُوعا - كَمَا سَاقه الْإِسْمَاعِيلِيّ - ثمَّ قَالَ : هَذَا مَعَ (نبل) رُوَاته (مُنكر ) ثمَّ أعله بِرِوَايَة الصَّحِيح الْمُتَقَدّمَة . وَرَوَى الْحَاكِم فِي الْأَرْبَعين الَّتِي خرجها فِي شعار أهل الحَدِيث عَن أبي الْعَبَّاس الْأَصَم - أحد الثِّقَات الْأَثْبَات - ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق (الصغاني) قَالَ : أَخْبرنِي حسان بن عبد الله ، عَن الْمفضل بن فضَالة ، (عَن عقيل) عَن ابْن شهَاب ، عَن أنس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا ارتحل قبل (أَن) تزِيغ الشَّمْس .
الحَدِيث كَمَا سلف وَفِيه فَإِن زاغت الشَّمْس قبل أَن يرتحل صَلَّى الظّهْر وَالْعصر ثمَّ ركب ثمَّ (قَالَ) : أخرجه الشَّيْخَانِ . وَمرَاده : أَصله لَا بِهَذِهِ (اللَّفْظَة) كَمَا سلف فِي الحَدِيث الثَّانِي من أَحَادِيث الْبَاب ، وَهَذِه الزِّيَادَة من الْأَصَم إِلَى أنس كلهم رجال الصَّحِيح . ثمَّ اعْلَم أَن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ لما ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَالَ عقبه : وَقد صَحَّ ذَلِك من حَدِيث أنس .
ثمَّ سَاقه بِلَفْظ البُخَارِيّ وَمُسلم كَمَا قَدمته وَعَزاهُ إِلَيْهِمَا ، وَقد علمت أَنه لَيْسَ فِيهَا الصراحة بِجمع التَّقْدِيم ، فَتنبه لَهُ .