الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ الْجُمُعَة حق وَاجِب عَلَى كل مُسلم
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ ( رُوِيَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْجُمُعَة حق وَاجِب عَلَى كل مُسلم فِي جمَاعَة إِلَّا أَرْبَعَة : عبد أَو امْرَأَة أَو صبي أَو مَرِيض . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة طَارق بن شهَاب عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وطارق هَذَا هُوَ ابْن شهَاب (بن عبد شمس الأحمسي) ، عده أَبُو نعيم وَابْن مَنْدَه وَأَبُو عمر وَصَاحب الْكَمَال وَابْن حبَان فِي ثقاته فِي الصَّحَابَة .
وَرَوَى الْبَغَوِيّ وَأَبُو نعيم فِي معجميهما وَابْن أبي حَاتِم فِي مراسيله بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وغزوت مَعَ أبي بكر وَفِي مَرَاسِيل ابْن أبي حَاتِم أَيْضا عَن عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ وَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم أَنه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زَاد أَبُو حَاتِم : وَلَيْسَت لَهُ صُحْبَة . وَلَعَلَّ مُرَاده بذلك طول الصُّحْبَة (و (عبارَة) أبي زرْعَة : لَهُ رُؤْيَة وَلَيْسَت لَهُ رِوَايَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي حَدِيثه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ سُئِلَ : أَي الْجِهَاد أفضل ؟ فَقَالَ : كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر : هُوَ مُرْسل .
قَالَ (وَلَده : قلت لَهُ : أدخلته) فِي مُسْند الوحدان قَالَ : إِنَّمَا أدخلته فِي الوحدان لما حُكيَ من رُؤْيَة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : طَارق هَذَا مِمَّن يعد فِي الصَّحَابَة . (وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : أَنه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ يُعد فِي الصَّحَابَة) .
وَلم يسمع مِنْهُ . كَذَا رَأَيْته فِيهَا ، وَعبارَة الْبَيْهَقِيّ فِي النَّقْل عَنهُ أَنه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا . وَقَالَ الْخطابِيّ : لَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث بِذَاكَ ، وطارق لَا يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا أَنه قد لَقِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
وَفِي قَول الْخطابِيّ : لَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث بِذَاكَ نظر ؛ فَإِن رِجَاله كلهم ثِقَات . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب والْخُلَاصَة : إِسْنَاده (صَحِيح) عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَصرح ابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول بِسَمَاع طَارق من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فَقَالَ : رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) وَلَيْسَ لَهُ سَماع مِنْهُ إِلَّا شاذًّا .
وَعبارَة الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصر كتاب ابْن الْأَثِير أُسْد الغابة : طَارق بن شهَاب لَهُ رُؤْيَة وَرِوَايَة . (هَذَا) لَفظه . وَعبارَة النَّوَوِيّ فِي تهذيبه أَنه صَحَابِيّ أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَصَحب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
قلت : وَعَلَى تَقْدِير (عدم) سَمَاعه الْبَتَّةَ لَا يقْدَح ذَلِك فِي صِحَة الحَدِيث ؛ لِأَن نهايته (أَنه مُرْسل) صَحَابِيّ وَهُوَ حجَّة (بِالْإِجْمَاع) إِلَّا من شَذَّ ، وَقد رَوَاهُ طَارق مرّة أُخْرَى عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : ثَنَا أَبُو بكر بن إِسْحَاق الْفَقِيه - يَعْنِي ابْن خُزَيْمَة - ثَنَا عبيد بن مُحَمَّد الْعجلِيّ ، حَدثنِي (الْعَبَّاس) بن عبد الْعَظِيم ، حَدثنِي إِسْحَاق بن مَنْصُور ، نَا هريم بن سُفْيَان ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر ، عَن قيس بن مُسلم ، عَن طَارق بن شهَاب ، عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَذكره بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، فقد اتفقَا جَمِيعًا عَلَى الِاحْتِجَاج بهريم بن سُفْيَان ، وَلم يخرجَاهُ .
(و) قَالَ : وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة ، (عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد) بن الْمُنْتَشِر ، وَلم يذكر أَبَا مُوسَى فِي إِسْنَاده . وَأَشَارَ إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد السالفة أَولا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : حَدِيث طَارق هَذَا (وَإِن) كَانَ فِيهِ إرْسَال (فَهُوَ) (إرْسَال) جيد ؛ فطارق من كبار التَّابِعين وَمِمَّنْ رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يسمع مِنْهُ . قلت : هَذَا الْكَلَام مِنْهُ مُخَالف لرأي الْجُمْهُور ؛ فَإِن عِنْدهم أَن الصُّحْبَة تثبت بِالرُّؤْيَةِ فَقَط ، (وَقد عده) من أسلفنا من الصَّحَابَة ، ثمَّ قَالَ - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - : و(لحديثه) هَذَا شَوَاهِد فَذكرهَا بأسانيده : من رِوَايَة تَمِيم الدَّارِيّ ، وَمولى لآل الزبير يرفعهُ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَابْن عمر .
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من سنَنه : رَوَى هَذَا الحَدِيث عبيد بن مُحَمَّد (عَن) الْعَبَّاس بن عبد الْعَظِيم ، فوصله بِذكر أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ ؛ فقد رَوَاهُ غير الْعَبَّاس - يُرِيد بِهِ الطَّرِيقَة السالفة عَن الْمُسْتَدْرك - عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور دون ذكر أبي مُوسَى فِيهِ . قلت : وَلقَائِل أَن يَقُول لَا نجْعَل رِوَايَة الْعَبَّاس بن عبد الْعَظِيم غير (مَحْفُوظَة) بِهَذَا الْقدر ؛ فقد يكون للْحَدِيث إسنادان (فَيُؤَدِّي) كل من رُوَاته مَا سمع ، وَقد يكون عِنْد الشَّخْص الْوَاحِد إسنادان لحَدِيث وَاحِد فيرويه كل مرّة عَلَى نمط . وَقَالَ فِي (كِتَابه) فَضَائِل الْأَوْقَات : تفرد بوصله عَن طَارق عبيد بن مُحَمَّد الْعجلِيّ .
قلت : هُوَ ثِقَة فَلَا يضر تفرده إِذن ، وَقد علم مَا فِي تعَارض (الْوَصْل) والإرسال ، وَحَدِيث تَمِيم (الَّذِي) ذكره الْبَيْهَقِيّ خرجه الْعقيلِيّ وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد من حَدِيث ضرار بن عَمْرو عَن أبي عبد الله الشَّامي عَن تَمِيم بِزِيَادَة : أَو مُسَافر كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ ، قَالَ الْعقيلِيّ : وَلَا يُتَابع ضرار عَلَى ذَلِك . وَقَالَ البُخَارِيّ : فِيهِ نظر . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد أَيْضا : لَا يُتَابع عَلَيْهِ .
وَقَالَ ( ابْن أبي حَاتِم ) فِي علله : سُئِلَ أَبُو زرْعَة (عَنهُ) فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث مُنكر . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : فِيهِ أَرْبَعَة أنفس يعل بِكُل وَاحِد مِنْهُم .