الحَدِيث الثَّامِن وَالتَّاسِع بعد الْأَرْبَعين أَنه أسلم خلق كثير وَلم يَأْمُرهُم النَّبِي بالاغتسال
الحَدِيث الثَّامِن وَالتَّاسِع بعد الْأَرْبَعين
"أَنه أسلم خلق كثير وَلم يَأْمُرهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالاغتسال ، وَأمر بِهِ قيس بن عَاصِم وثمامة بن أَثَال لما أسلما" .
هُوَ كَمَا قَالَ ، أما حَدِيث قيس (بن عَاصِم) فَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن الْأَغَر ، عَن خَليفَة بن حُصَيْن ، عَن جده قيس بن عَاصِم قَالَ : "أتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُرِيد الْإِسْلَام ، فَأمرنِي أَن أَغْتَسِل بِمَاء وَسدر " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن .
قلت : وصحيح ، فَإِن أَبَا حَاتِم بن حبَان أخرجه فِي "صَحِيحه" بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ : عَن قيس "أَنه أسلم فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر" . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" كَذَلِك ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" كَذَلِك سَوَاء ، كَمَا أَفَادَهُ صَاحب "الإِمَام" ، وَفِي رِوَايَة لَهُ "(أَنه) أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فاستخلاه (فَأمره) أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر " .
وَرَوَاهُ أَبُو عَلّي بن السكن - فِيمَا حَكَى أَبُو الْحسن بن الْقطَّان - من حَدِيث وَكِيع ، عَن سُفْيَان ، عَن الْأَغَر ، عَن خَليفَة ابن (حُصَيْن) ، عَن أَبِيه ، عَن جده قيس بن عَاصِم أَنه قَالَ : "أسلمت فَأمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أَغْتَسِل بِمَاء وَسدر " .
قَالَ ابْن الْقطَّان : فقد (تبين) لَك أَن رِوَايَة يَحْيَى وَمُحَمّد ابن كثير الْمُتَقَدّمَة عَن سُفْيَان مُنْقَطِعَة ، فَإِنَّهَا كَانَت معنعنة ، فجَاء وَكِيع - وَهُوَ من الْحِفْظ (من هُوَ) - فَزَاد : "عَن أَبِيه" فارتفع الْإِشْكَال وَتبين الِانْقِطَاع . قَالَ : ثمَّ نقُول : (فَإذْ) لَا بُد للإسناد من زِيَادَة "حُصَيْن" [ بَين خَليفَة وَقيس ] فَالْحَدِيث ضَعِيف ؛ فَإِنَّهَا زِيَادَة عَادَتْ بِنَقص ؛ فَإِنَّهُ ارْتَفع بهَا الِانْقِطَاع (وَتحقّق ضعف الْخَبَر ؛ فَإِن حَاله مَجْهُول بل هُوَ فِي نَفسه غير مَذْكُور ، فَلم يجر) ذكره فِي كتاب البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم إِلَّا (غير) مَقْصُود برسم يَخُصُّهُ . انْتَهَى كَلَامه .
وَفِي "علل ابْن أبي حَاتِم " ، عَن أَبِيه : أَن من قَالَ عَن خَليفَة بن حُصَيْن ، عَن أَبِيه ، عَن جده فقد أَخطَأ ؛ وَصَوَابه عَن خَليفَة ، عَن جده . أَي كَمَا أخرجه الْأَئِمَّة (الماضون) .
وَفِي " علل الْخلال " كَمَا نَقله عَنهُ صَاحب "الإِمَام" : قَالَ عِيسَى بن جَعْفَر : قَالَ وَكِيع : عَن خَليفَة ، عَن أَبِيه ، عَن جده [ وَالنَّاس كلهم : عَن خَليفَة بن حُصَيْن عَن جده ] وَهَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقطَّان (وَغَيره) .
قَالَ صَاحب "الإِمَام" : وَقد وَقع لنا من حَدِيث قبيصَة بن عقبَة ، عَن سُفْيَان ، (عَن) الْأَغَر ، عَن خَليفَة بن حُصَيْن ، عَن أَبِيه " أَن" جده أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَأسلم ] فَأمره أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر " . رَوَاهُ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ ، عَن قبيصَة . وَرَوَاهُ أَبُو عبد الله الْحَافِظ من وَجه آخر ، عَن قبيصَة . قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق قيس بن الرّبيع ، عَن الْأَغَر ، عَن خَليفَة بِزِيَادَة غَرِيبَة ، فَأخْرجهُ البرقي (فِي) "تَارِيخه" كَذَلِك عَن قيس " أَنه أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَأسلم ] فَأمره أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر ، وَأَن يقوم بَين أبي بكر وَعمر فيعلمانه " .
قلت : رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من الْوَجْه الْمَذْكُور ، لَكِن فِي رِوَايَته أَنه قَامَ بَينهمَا من غير أَمر لَهُ بذلك .
وَأما حَدِيث ثُمَامَة بن أَثَال فَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي "مُسْنده" من حَدِيث عبيد الله بن عمر - بِالتَّصْغِيرِ - عَن سعيد
المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة ( أَن ثُمَامَة بن أَثَال أسلم فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يغْتَسل بِمَاء وَسدر " .
قَالَ الْبَزَّار : وَهَذَا الحَدِيث لَا نَعْرِف رَوَاهُ عَن عبيد الله (إِلَّا عبد الرَّزَّاق . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" من حَدِيث عبد الله) بن عمر - المكبر - عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة وَفِيه : " اذْهَبُوا بِهِ إِلَى حَائِط بني فلَان فَمُرُوهُ أَن يغْتَسل " .
وَرَوَاهُ الْخلال فِي "علله" ، عَن عبد الله بن أَحْمد ، عَن أَبِيه ، عَن سُرَيج ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة " أَن ثُمَامَة بن أَثَال الْحَنَفِيّ أسلم ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُنطلق بِهِ إِلَى حَائِط أبي طَلْحَة فيغتسل ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : حسن إِسْلَام أخيكم " .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" فَجمع بَين الطَّرِيقَيْنِ ، أخرجه (عَن أبي) عرُوبَة ، نَا سَلمَة بن شبيب ، نَا عبد الرَّزَّاق ، أَنبأَنَا عبد الله بن عمر وَعبيد الله بن عمر ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة : " أَن ثُمَامَة الْحَنَفِيّ أسر . . ." فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ : " فَمر بِهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْمًا فَأسلم ، فَبعث بِهِ إِلَى حَائِط أبي طَلْحَة ، فَأمره أَن يغْتَسل ، فاغتسل وَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لقد حسن إِسْلَام صَاحبكُم " .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، وَفِيه : " وَأمره أَن يغْتَسل " .
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى ، عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن عبد الله وَعبيد الله ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة . . . فَذكره كَمَا ذكر ابْن حبَان سَوَاء ، وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ : هَذَا الحَدِيث (عَن) سُفْيَان (عَن) عبد الله وَعبيد الله جَمِيعًا .
وَقَالَ الْخَطِيب : رَوَاهُ عبد الله الْأَشْجَعِيّ ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن عبد الله بن عمر . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق ، عَن (عبد الله وَعبيد الله) جَمِيعًا عَن سعيد المَقْبُري .
قلت : وَأخرجه (أَبُو) يعْلى الْموصِلِي فِي "مُسْنده" من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن رجل ، عَن سعيد المَقْبُري [ عَن أَبِيه ] عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : " لما أسلم ثُمَامَة أمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يغْتَسل وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ " .
قلت : و(أصل) حَدِيث ثُمَامَة هَذَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" كَمَا سلف فِي أَوَاخِر شُرُوط الصَّلَاة ، لَكِن الْمَذْكُور فِي روايتهما "أَنه اغْتسل" وَلَيْسَ فِيهَا أَمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لَهُ) بذلك ، وَلَيْسَ تَركه فِيهَا الْأَمر بِالْغسْلِ مُعَارضا لِلْأَمْرِ بِهِ عَلَى مَا عرف من قبُول الزِّيَادَة .
فَائِدَة : ثُمَامَة بن أَثَال - بِالْمُثَلثَةِ فيهمَا والهمزة مَضْمُومَة - فِي بني حنيفَة ، وَقيس بن عَاصِم من سَادَات الْعَرَب ، قدم عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي وَفد
(من) بني تَمِيم سنة تسع من الْهِجْرَة فَأسلم ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : "هَذَا سيد أهل الْوَبر" . كَمَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ وَابْن قَانِع وَغَيرهمَا ، وَكَانَ رجلا حَلِيمًا عَاقِلا ، قيل للأحنف بن قيس : (مِمَّن) تعلمت الْحلم ؟ قَالَ : من قيس بن عَاصِم .
فَائِدَة ثَانِيَة : أَمر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِالْغسْلِ عِنْد الْإِسْلَام غَيرهمَا ، فَمنهمْ وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ، كَمَا رَوَاهُ (الطَّبَرَانِيّ) فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث مَعْرُوف (أبي الْخطاب) عَنهُ قَالَ : " لما) أسلمت أتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَقَالَ لي : اذْهَبْ فاغتسل بِمَاء وَسدر وألق عَنْك (شعر) الْكفْر " .
ومعروف هَذَا ، قَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه مُنكرَة جدًّا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَتكلم بعض البغداديين (فِي سليم) بن مَنْصُور بن عمار الَّذِي وَالِده (رَوَى) هَذَا الحَدِيث عَن مَعْرُوف ، وَلم يَأْتِ هَذَا الْمُتَكَلّم بِحجَّة ، وَمِنْهُم قَتَادَة كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" أَيْضا عَن مُحَمَّد بن النَّضر الْأَزْدِيّ ، ثَنَا أَحْمد بن عبد
الْملك (بن) وَاقد الْحَرَّانِي ، ثَنَا قَتَادَة بن الْفضل بن قَتَادَة الرهاوي ، عَن أَبِيه [ حَدَّثَني (عَم أبي هَاشم) بن قَتَادَة الرهاوي ، عَن أَبِيه ] ، قَالَ : أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لي : يَا قَتَادَة ، اغْتسل بِمَاء وَسدر و(احْلق) عَنْك شعر الْكفْر . وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَأْمر من أسلم أَن (يختتن) وَإِن كَانَ ابْن ثَمَانِينَ سنة" . وَمِنْهُم عقيل ، كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "تَارِيخ نيسابور" من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن أَبِيه ، عَن جده "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أمره لما أسلم بالاغتسال " .