الحَدِيث الثَّالِث صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام بعسفان
الحَدِيث الثَّالِث صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام بعسفان . وَهِي (صَحِيحَة) وَقد أخرجهَا البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سهل بن أبي (حثْمَة) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْف فصفهم خَلفه صفّين ، فَصَلى بالذين يلونه رَكْعَة ، ثمَّ قَامَ فَلم يزل قَائِما حَتَّى صَلَّى الَّذين (خَلفه) رَكْعَة ، ثمَّ تقدمُوا وَتَأَخر الَّذين كَانُوا (قدامه) فَصَلى بهم رَكْعَة ، ثمَّ قعد حَتَّى صَلَّى الَّذين (تخلفوا) رَكْعَة ثمَّ سلم . وَأخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر مطولا .
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ من حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي مطولا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : (إِسْنَاده) صَحِيح إِلَّا أَن بعض أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يشك فِي سَماع مُجَاهِد من أبي عَيَّاش .
ثمَّ ذكر الحَدِيث بِإِسْنَاد جيد عَن مُجَاهِد قَالَ : نَا أَبُو عَيَّاش . وَقَالَ : بَين فِيهِ سَماع مُجَاهِد من أبي عَيَّاش . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بعد أَن أخرج الحَدِيث : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن مُجَاهدًا لم يسمع هَذَا الْخَبَر من أبي عَيَّاش وَلَا لأبي عَيَّاش الزرقي صُحْبَة فِيمَا زعم .
ثمَّ أخرجه من حَدِيث مُجَاهِد ، نَا أَبُو عَيَّاش الزرقي قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعسفان ثمَّ (سَاق) الحَدِيث ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ : سَمَاعه مِنْهُ مُتَوَجّه فَإِنَّهُ ذكر مَا يدل عَلَى أَن مولد مُجَاهِد سنة عشْرين ، وعاش أَبُو عَيَّاش إِلَى بعد الْأَرْبَعين ، وَقيل إِلَى بعد الْخمسين . قَالَ أَبُو حَاتِم ابن حبَان فِي صَحِيحه : وَأَبُو عَيَّاش هَذَا اخْتلف فِي اسْمه ، فَمنهمْ من قَالَ : هُوَ زيد بن النُّعْمَان ، وَمِنْهُم من قَالَ : زيد بن الصَّامِت ، وَمِنْهُم من قَالَ : هُوَ عبيد بن مُعَاوِيَة بن الصَّامِت ، وَمِنْهُم من قَالَ : عبيد بن معَاذ بن الصَّامِت . وَرَوَى النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم نَحْو هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس .
قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط (البُخَارِيّ) . قلت : وَأخرجه البُخَارِيّ بِلَفْظ : قَامَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَامَ النَّاس مَعَه فَكبر وَكَبرُوا مَعَه ، وَركع وَركع نَاس (مِنْهُم) ، وَسجد وسجدوا مَعَه ، ثمَّ قَامَ ثَانِيَة فَقَامَ الَّذين سجدوا وحرسوا إخْوَانهمْ ، وَأَتَتْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى [ فركعوا وسجدوا ] مَعَه وَالنَّاس كلهم فِي صَلَاة وَلَكِن يحرس بَعضهم بَعْضًا . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : لما ذكر الرَّافِعِيّ الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر أَن أهل الصَّفّ الثَّانِي يَسْجُدُونَ مَعَه فِي الرَّكْعَة الأولَى وَالْأول فِي الثَّانِيَة .
ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ اخْتِلَاف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك وَأَن مِنْهُم من قَالَ : إِن هَذِه الْكَيْفِيَّة منقولة عَن فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَمِنْهُم من قَالَ : هَذَا خلاف التَّرْتِيب فِي السّنة ، فَإِن الثَّابِت فِي السّنة أَن أهل الصَّفّ الأول يَسْجُدُونَ مَعَه فِي الرَّكْعَة الأولَى ، وَأهل الصَّفّ الثَّانِي يَسْجُدُونَ مَعَه فِي الثَّانِيَة ، وَالشَّافِعِيّ عكس ذَلِك . وَقَالُوا : الْمَذْهَب مَا ورد بِهِ الْخَبَر ؛ لِأَن الشَّافِعِي قَالَ : إِذا رَأَيْتُمْ قولي مُخَالفا (للسّنة) فاطرحوه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَاعْلَم أَن مُسلما وَأَبا دَاوُد وَابْن مَاجَه وَغَيرهم من أَصْحَاب المسانيد لم يرووا إِلَّا الثَّانِي نعم فِي بعض الرِّوَايَات أَن طَائِفَة سجدت مَعَه ، ثمَّ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة سجد مَعَه الَّذين كَانُوا قيَاما ، وَهَذَا يحْتَمل الترتيبين جَمِيعًا ، وَلم يقل الشَّافِعِي إِن الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذكرتها صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعسفان ، وَلَكِن قَالَ : وَهَذَا نَحْوهَا .
قلت : وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي قَالَ الرَّافِعِيّ أَنَّهَا مُحْتَملَة الترتيبين جَمِيعًا أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي دَاوُد بن الْحصين ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا كَانَت صَلَاة الْخَوْف إِلَّا كَصَلَاة أحراسكم (هَؤُلَاءِ الْيَوْم خلف أئمتكم إِلَّا أَنَّهَا كَانَت أَظُنهُ) قَالَ عقبه : قَامَت الطَّائِفَة وهم جَمِيع مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وسجدت مَعَه طَائِفَة ، ثمَّ قَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَسجد الَّذين (كَانُوا) قيَاما (لأَنْفُسِهِمْ) ثمَّ قَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَامُوا مَعَه جَمِيعًا ، ثمَّ ركع وركعوا مَعَه جَمِيعًا ، ثمَّ سجد (فَسجدَ) مَعَه الَّذين كَانُوا قيَاما أول مرّة ، وَقَامَ الْآخرُونَ الَّذين كَانُوا سجدوا مَعَه أول مرّة ، فَلَمَّا جلس رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالَّذين سجدوا مَعَه فِي آخر صلَاتهم سجد الَّذين كَانُوا قيَاما لأَنْفُسِهِمْ ثمَّ (جَلَسُوا) فَجَمعهُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالسَّلَامِ . ثَانِيهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَحَكَى أَبُو الْفضل بن عَبْدَانِ أَن من أَصْحَابنَا من قَالَ يَحْرُسُونَ فِي الرُّكُوع أَيْضا . قَالَ : وَفِي بعض الرِّوَايَات مَا يدل عَلَيْهِ .
قلت : هُوَ ظَاهر رِوَايَة البُخَارِيّ السالفة . ثَالِثهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : واشتهر فِي (البُخَارِيّ) أَن (الصَّفّ الثَّانِي يَحْرُسُونَ فِي الرَّكْعَة الأولَى ، وَفِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة يتَقَدَّم أهل الصَّفّ الثَّانِي ويتأخر أهل الصَّفّ الأول ، فَتكون الحراسة فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِمَّن خلف الصَّفّ الأول) لَا من الصَّفّ الأول ، كَذَلِك ورد فِي الْخَبَر . قلت : حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي الَّذِي (سقناه صَرِيح) فِي ذَلِك .
فَائِدَة : عسفان - بِعَين مَضْمُومَة ثمَّ سين سَاكِنة - مهملتين - قَرْيَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر وَهِي بَين مَكَّة وَالْمَدينَة . وَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ : بَين عسفان وَمَكَّة أَرْبَعَة برد . وَهُوَ صَحِيح فالأربعة برد ثَمَانِيَة و(أَرْبَعُونَ) ميلًا وَذَلِكَ مرحلتان .
و (وَقع) فِي الْمطَالع أَن بَينهمَا سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه بعد أَن حَكَاهُ عَنهُ : غير مَقْبُول مِنْهُ . وَتبع الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه صَاحب (الْمطَالع) وَأفَاد أَنَّهَا سميت بعسفان لعسف السُّيُول (بهَا) .