الحَدِيث الرَّابِع صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام بِذَات الرّقاع
الحَدِيث الرَّابِع صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام بِذَات الرّقاع رَوَاهُ مَالك عَن يزِيد بن رُومَان ، عَن صَالح بن خَوات بن جُبَير ، عَمَّن صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم ذَات الرّقاع . وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن صَالح ، عَن سهل بن أبي (حثْمَة) ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَرَوَاهَا ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . أما حَدِيث صَالح فمتفق عَلَيْهِ من حَدِيث عَمَّن صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم ذَات الرّقاع صَلَاة الْخَوْف أَن طَائِفَة (صفت) مَعَه وَطَائِفَة وجاه الْعَدو ، فَصَلى بالذين مَعَه رَكْعَة ، ثمَّ ثَبت قَائِما وَأَتمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ، ثمَّ انصرفوا (وصفوا) وجاه الْعَدو ، وَجَاءَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَصَلى الرَّكْعَة الَّتِي بقيت ، ثمَّ ثَبت جَالِسا وَأَتمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ، ثمَّ سلم بهم . وَرَوَاهُ مَالك بلفظين : أَحدهمَا هَذَا .
وَثَانِيهمَا : عَن صَالح أَن سهل بن أبي حثْمَة حَدثهُ أَن صَلَاة الْخَوْف أَن يقوم الإِمَام وَمَعَهُ طَائِفَة من أَصْحَابه وَطَائِفَة مُوَاجهَة الْعَدو ، فيركع الإِمَام رَكْعَة ، وَيسْجد بالذين مَعَه ، ثمَّ يقوم ، فَإِذا اسْتَوَى قَائِما ثَبت وَأَتمُّوا لأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة الْبَاقِيَة ، ثمَّ يسلمُونَ وينصرفون ، وَالْإِمَام قَائِم ، فيكونون وجاه الْعَدو ، ثمَّ يقبل الْآخرُونَ الَّذين لم (يسلمُوا) فيكبرون وَرَاء الإِمَام ، فيركع بهم وَيسْجد ثمَّ يسلم ، فَيقومُونَ فيركعون لأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة (الثَّانِيَة) ثمَّ يسلمُونَ . وَأما رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ لَهُ ، عَن صَالح ، عَن سهل بن أبي حثْمَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَصَحِيح كَمَا عزاهُ الرَّافِعِيّ إِلَيْهِمَا .
قَالَ عبد الْحق : وَمُرَاد صَالح بن خَوات بِمن صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هُوَ سهل بن أبي حثْمَة . وَتوقف ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك ؛ لِأَن ذَات الرّقاع كَانَت بعد بني النَّضِير فِي صدر السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة ، وَسَهل توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين . قَالَه جماعات .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم إِنَّه بَايع تَحت الشَّجَرَة وَشهد الْمشَاهد كلهَا إِلَّا بَدْرًا ، وَكَانَ دَلِيل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يَصح ؛ إِنَّمَا كَانَ الدَّلِيل أَبوهُ عَامر بن سَاعِدَة ، وَهُوَ الَّذِي بَعثه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خارصًا ، وَأَبُو بكر وَعمر بعده . وَتُوفِّي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة ؛ فسهل كَانَ سنه فِي زمن ذَات الرّقاع سنتَيْن أَو نَحْوهَا . ثمَّ أوضح ذَلِك بدلائله .
وَأما حَدِيث ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - فمتفقٌ عَلَيْهِ من حَدِيثه ، قَالَ : (صَلَّى) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْخَوْف بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة ، والطائفة الْأُخْرَى مُوَاجهَة الْعَدو ، ثمَّ انصرفوا ، وَقَامُوا فِي مقَام أَصْحَابهم مُقْبِلين عَلَى الْعَدو ، وَجَاء أُولَئِكَ ، ثمَّ صَلَّى بهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ سلم (بهم) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَة وَهَؤُلَاء رَكْعَة . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة . (فَائِدَة : خوَّات - بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ وَاو مُشَدّدَة ، ثمَّ مثناة فَوق - وَهُوَ فِي اللُّغَة : الرجل الجريء .
كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي . وحثمة بمثلثة بعد الْمُهْملَة ، والحثمة هِيَ الأكمة الْحَمْرَاء ، وَبهَا سميت الْمَرْأَة حثْمَة . قَالَه الْجَوْهَرِي .
قَالَ : وَتقول حثمْتُ بِمَعْنى أَعْطَيْت ، وَبِمَعْنى دلكت) . فَائِدَة : - ذَات الرّقاع بِكَسْر الرَّاء - : مَوضِع قبل نجد من أَرض غطفان ، وَاخْتلف فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك عَلَى أَقْوَال ، أَصَحهَا كَمَا قَالَه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ وَالنَّوَوِيّ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَالَ فِيهَا : نقبت أقدامنا فَكُنَّا نلف عَلَى أَرْجُلنَا الخِرق ؛ فسميت غَزْوَة ذَات الرّقاع ؛ لما كُنَّا نعصب عَلَى أَرْجُلنَا من الْخرق . ونقبت - بِفَتْح النُّون ، وَضمّهَا - أَي : تقرحت وتقطعت جلودها .
(وَعبارَة الرَّافِعِيّ ، قيل : كَانَ الْقِتَال فِي سفح جبل فِيهِ جدد بيض وحمر كالرقاع . انْتَهَى . وسفح الْجَبَل : أَسْفَله ، حَيْثُ يسفح فِيهِ المَاء ، أَي يُراق .
والجُدد : الطّرق ، جمع جُدد ، بِضَم الْجِيم فيهمَا ، فالجبل الْمَذْكُور كَانَت فِيهِ طرائق تخَالف لون الْجَبَل) . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب : الْأَصَح أَنه اسْم مَوضِع ؛ لقَوْله فِي صَحِيح مُسلم : حَتَّى إِذا كُنَّا بِذَات الرّقاع . وَهَذَا يدل عَلَى أَنه مَوضِع ، قَالَ : وَذَات الرّقاع ، قيل : إِنَّه اسْم شَجَرَة هُنَاكَ سميت بِهِ الْغَزْوَة ، وَقيل : (إِنَّه) اسْم جبل هُنَالك بِنَجْد من أَرض غطفان فِيهِ بَيَاض وَحُمرَة وَسَوَاد يُقَال لَهَا الرّقاع ، فسميت الْغَزْوَة بِهِ .
وَيحْتَمل أَن هَذِه الْأُمُور كلهَا وجدت فِيهَا . وَجمع أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي أَمَالِيهِ أقوالاً فِي اسْمهَا ، فَقَالَ : قَالَ بعض أهل الْعلم : التقَى الْقَوْم فِي أَسْفَل أكمة ذَات ألوان ، فَهِيَ ذَات الرّقاع . وَقَالَ ابْن (جرير) : ذَات الرّقاع من نخل .
قَالَ : و(الْجَبَل) الَّذِي سميت بِهِ ذَات الرّقاع ، هُوَ جبل فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد . قَالَ ابْن إِسْحَاق : وَيُقَال : ذَات الرّقاع لشَجَرَة بذلك الْموضع . وَقيل : بل تقطعت راياتهم فرقعت ، فَلذَلِك سميت ذَات الرّقاع .
قَالَ غَيره : وَقيل : بل كَانَت راياتهم ملونة الرّقاع . وَكَانَت غَزْوَة ذَات الرّقاع سنة أَربع من الْهِجْرَة . وَذكر البُخَارِيّ أَنَّهَا بعد خَيْبَر ؛ لِأَن أَبَا مُوسَى (الْأَشْعَرِيّ) جَاءَ بعد خَيْبَر .
فَائِدَة (ثَالِثَة) : جَاءَت صَلَاة الْخَوْف عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى سِتَّة عشر نوعا ، وَهِي مفصلة فِي صَحِيح مُسلم ، ومعظمها فِي سنَن أبي دَاوُد وَاخْتَارَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهَا هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة ، أَعنِي : صلَاته بِبَطن نخل ، وبذات الرّقاع ، وبعسفان ، وَذكر الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه مِنْهَا ثَمَانِيَة أَنْوَاع ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه مِنْهَا تِسْعَة ، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَخْبَار لَيْسَ بَينهَا تضَاد وَلَا تهاتر ، وَلَكِن الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاة الْخَوْف مرَارًا فِي أَحْوَال مُخْتَلفَة بأنواع متباينة عَلَى حسب مَا ذَكرنَاهَا ، أَرَادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام تَعْلِيم أمته صَلَاة الْخَوْف ، أَنه مُبَاح لَهُم أَن يصلوها أَي نوع من الْأَنْوَاع التِّسْعَة (الَّتِي صلاهَا فِي الْخَوْف عَلَى حسب الْحَاجة إِلَيْهَا ، والمرء مُبَاح لَهُ أَن يُصَلِّي مَا شَاءَ) عِنْد الْخَوْف من هَذِه الْأَنْوَاع الَّتِي ذَكرنَاهَا ، إِذْ هِيَ من الِاخْتِلَاف الْمُبَاح من غير أَن يكون بَينهَا تضَاد وَلَا تهاتر . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : قد جَاءَ فِيهَا نَحْو أَرْبَعَة عشر نوعا . و(نقل) ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ : مَا أعلم فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيثا صَحِيحا .
وَاخْتَارَ حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة . وَقَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيّ : جَمِيع مَا ورد عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فِي صَلَاة الْخَوْف) جَائِز لَا يرجح بعضه عَلَى بعض . قَالَ أهل الحَدِيث وَالسير عَلَى مَا نَقله عَنْهُم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَأول صَلَاة صلاهَا الشَّارِع للخوف صَلَاة بِذَات الرّقاع .
وَقَول الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط والرافعي فِي الْكتاب أَنَّهَا آخر غَزَوَاته غير صَحِيح ، بل آخرهَا غَزْوَة تَبُوك كَمَا هُوَ الْمَشْهُور من أهل الْمَغَازِي وَالسير .