الحَدِيث السَّادِس عشر أَن الزبير وَعبد الرَّحْمَن شكيا الْقمل فِي بعض الْأَسْفَار فَرخص لَهما
الحَدِيث السَّادِس عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيجوز لبس الْحَرِير لدفع الْقمل أَيْضا ؛ لِأَن فِي بعض الرِّوَايَات أَن الزبير وَعبد الرَّحْمَن شكيا الْقمل فِي بعض الْأَسْفَار فَرخص لَهما . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس أَيْضا (وَفِي رِوَايَة) أَحْمد (وَابْن حبَان) فَرَأَيْت عَلَى كل (وَاحِد) مِنْهُمَا قَمِيصًا من حَرِير . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه أَيْضا بِلَفْظ : إِن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : التَّكْبِير فِي الْفطر سبع فِي الأولَى وَخمْس فِي (الْآخِرَة) ، وَالْقِرَاءَة بعدهمَا كلتيهما .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِلَفْظ : (إِن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) كبر فِي (صَلَاة) (الْعِيدَيْنِ) سبعا وخمسًا . ومدار الحَدِيث عَلَى عبد الله الطرائفي م د ت ق الْمَذْكُور (وَنسب) بالطرائفي لاستطرافهم طرائف يَأْتِيهم بهَا . (قَالَه) ابْن الْقطَّان فِي علله .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : الطَّائِفِي . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ وَهُوَ (من) فرسَان مُسلم ، كَمَا أطلقهُ الْمزي والذهبي (بِالْأولِ فِيهِ) . وَقَالَ صَاحب الْكَمَال : أخرج لَهُ فِي المتابعات وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب .
وَقَالَ ابْن معِين فِي حَقه : صَالح . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَغَيره : قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله : سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هُوَ حَدِيث صَحِيح .
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : أَنا ذَاهِب إِلَى هَذَا . نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ، (ثمَّ قَالَ) : هَذَا (أصلح) أَحَادِيث الْبَاب . وَقَالَ عبد الْحق : صحّح البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث .
وَأنكر ابْن الْقطَّان هَذَا عَلَى عبد الْحق ، وَقَالَ : البُخَارِيّ لم يُصَحِّحهُ ؛ فَإِن الْمَنْقُول عَنهُ فِي ذَلِك مَا ذكره ( التِّرْمِذِيّ ) عَنهُ فِي كتاب الْعِلَل : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن (كثير السالف) فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْبَاب أصح من هَذَا ، وَبِه أَقُول ، وَحَدِيث عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطرائفي ، عَن (عَمْرو) بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده فِي هَذَا الْبَاب هُوَ صَحِيح أَيْضا . هَذَا نَص مَا ذكره وَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيح البُخَارِيّ لوَاحِد مِنْهُمَا . قَالَ : وَلَعَلَّ قَوْله : وَحَدِيث [ عبد الله بن ] عبد الرَّحْمَن .. .
إِلَى آخِره من كَلَام التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي عهد فصحح هَذِه النُّسْخَة . وَأما (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فَذكره فِي محلاه بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَقَالَ : هَذَا لَا يَصح . فَدفعهُ بِالْقُوَّةِ ، وَجَاء فِي رِوَايَة غَرِيبَة لأبي دَاوُد فِي هَذَا الحَدِيث كبر فِي الأولَى سبعا وَفِي (الثَّانِيَة) أَرْبعا وَحكم الْبَيْهَقِيّ بخطئها .
(الطَّرِيق الثَّالِث) عَن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ سبعا وخمسًا قبل الْقِرَاءَة . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن أبي سعيد مولَى بني (هَاشم) ، نَا ابْن لَهِيعَة ، عَن عقيل ، عَن ابْن شهَاب ، عَن عُرْوَة ، عَنْهَا بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه بِلَفْظ : كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات ، وَفِي الثَّانِيَة خمس تَكْبِيرَات وَابْن لَهِيعَة قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَإِسْنَاده مُضْطَرب ، وَالِاضْطِرَاب فِيهَا من ابْن لَهِيعَة .
(الطَّرِيق الرَّابِع) عَن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن (عمار) بن سعد مُؤذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، نَا أبي ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكبر فِي الْعِيدَيْنِ : فِي الأولَى سبعا قبل الْقِرَاءَة ، وَفِي (الْآخِرَة) خمْسا قبل الْقِرَاءَة . رَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَعبد الرَّحْمَن هَذَا مُنكر الحَدِيث . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سعد بن عمار ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمار ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكبر فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأولَى سبعا وَفِي (الْأُخْرَى) خمْسا وَعبد الله هَذَا ضعفه ابْن معِين .
قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه : قَالَ عُثْمَان بن سعيد : قلت ليحيى بن معِين : عبد الله بن مُحَمَّد بن عمار بن سعد ، وعمار وَعمر (ابْني) حَفْص بن عمر بن سعد ، عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم ، كَيفَ حَال هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : لَيْسُوا بِشَيْء . (الطَّرِيق الْخَامِس) عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ قَالَ : شهِدت (الْعِيد) مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَكبر فِي الأولَى سبعا وَفِي الثَّانِيَة خمْسا) . ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي علله وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ .
فَقَالَ : بَاطِل . (الطَّرِيق السَّادِس) عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه : (أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة تَكْبِيرَة . سُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ ؛ فَأجَاب فِي علله (بِأَنَّهُ) رُوِيَ مَوْصُولا هَكَذَا ، ومرسلاً بِإِسْقَاط (أَبِيه) وَأَن الْمُرْسل (أصح ) .
(وَرَوَاهُ) الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث الْحسن البَجلِيّ ، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تخرج لَهُ العنزة (فِي الْعِيدَيْنِ) ، وَكَانَ يكبر ثَلَاث عشرَة تَكْبِيرَة ، وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر يفْعَلَانِ ذَلِك . ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَّا من هَذَا الْوَجْه (بِهَذَا الْإِسْنَاد) ، قَالَ : وَالْحسن هَذَا [ فلين ] الحَدِيث ، وَقد (سكت النَّاس) عَن حَدِيثه وَأَحْسبهُ الْحسن بن (عمَارَة) . (الطَّرِيق السَّابِع) عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة : فِي الأولَى سبعا ، وَفِي الْآخِرَة (خمْسا) وَيذْهب فِي طَرِيق وَيرجع (من) آخر .
فِيهِ سُلَيْمَان بن أَرقم وَقد تَرَكُوهُ ، وَسَيَأْتِي كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته فِيهِ قَرِيبا . (الطَّرِيق الثَّامِن) عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - . رَوَاهُ الْبَزَّار كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا .
فَهَذِهِ (طرق) الحَدِيث مَجْمُوعَة وأقواها - عِنْدِي - الطَّرِيق الثَّانِي ، وَالْبَاقِي شَوَاهِد (لَهُ) ، وَقد ورد أَيْضا من قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام . رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده قَالَ : أَنا يَحْيَى ، نَا ابْن لَهِيعَة ، نَا الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة .
قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : التَّكْبِير فِي الْعِيدَيْنِ سبع قبل الْقِرَاءَة ، (وَخمْس قبل الْقِرَاءَة) . وَابْن لَهِيعَة قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : لَا شكّ فِي صِحَّته مَوْقُوفا عَلَى ( أبي) هُرَيْرَة .
(قَالَ) : وَعَن ابْن عَبَّاس مثله ، و(رُوَاته) ثِقَات . وَكَذَا قَالَ ( الدَّارَقُطْنِيّ ) فِي علله فِيهِ - أَعنِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - فَإِنَّهُ (قَالَ) لما سُئِلَ عَنهُ : رُوِيَ مَرْفُوعا (وموقوفًا) وَالصَّحِيح الْمَوْقُوف . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث فرج بن فضَالة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، (عَن نَافِع) ، عَن ابْن عمر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : التَّكْبِير فِي الْعِيدَيْنِ ، فِي الرَّكْعَة الأولَى سبع تَكْبِيرَات ، وَفِي الْآخِرَة خمس تَكْبِيرَات .
وَفرج (د ت ق) هَذَا ضَعَّفُوهُ ، قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَفِي علل (ابْن) أبي حَاتِم : سَألَتْ أبي عَن حَدِيث ابْن عمر أَنه كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ : سبعا فِي الأولَى ، وخمسًا فِي الثَّانِيَة . فَقَالَ : هَذَا خطأ ، يرْوَى هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يكبر .
وَاعْلَم أَن عبد الْحق عزا فِي أَحْكَامه حَدِيث ابْن عمر إِلَى الْبَزَّار ، وَأعله بفرج بن فضَالة ، وَتعقبه ابْن الْقطَّان فَقَالَ : (إِنِّي) قد جهدت أَن أجد هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند (ابْن) عمر عِنْد الْبَزَّار ، فَمَا [ قدرت عَلَيْهِ ] وَقد (رَجَوْت) أَن يكون فِي بعض أَمَالِيهِ وَالَّذِي فِي مُسْند الْبَزَّار إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل دون القَوْل ، وَمن غير رِوَايَة فرج بن فضَالة (وَهَذَا هُوَ) : (نَا) عَبدة بن عبد الله ، نَا عمر بن حبيب ، نَا عبد الله بن [ عَامر ] ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي (صَلَاة) الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة (تَكْبِيرَة) : سبعا فِي الأولَى ، وخمسًا فِي الْآخِرَة . قلت : (وَفِي الْجُمْلَة) فأحاديث الْبَاب كلهَا مُتَكَلم فِيهَا . قَالَ الإِمَام أَحْمد : لَيْسَ يرْوَى فِي التَّكْبِير فِي الْعِيدَيْنِ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَدِيث صَحِيح .
نَقله الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَنهُ . وَقَالَ ابْن رشد : إِنَّمَا (صَارُوا) إِلَى الْأَخْذ بأقاويل الصَّحَابَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ؛ لِأَنَّهُ لم يثبت فِيهَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْء . وَنقل ذَلِك عَن أَحْمد ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : فِي الْبَاب عَن عَائِشَة وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن (عَمْرو) و(الطَّرِيق) إِلَيْهِم فَاسِدَة .
قَالَ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه بناسخ الحَدِيث ومنسوخه : وَفِي الْبَاب عَن جَابر أَيْضا . قَالَ : وَأما حَدِيث أبي مُوسَى وَحُذَيْفَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبعا فَلَا يثبت ؛ فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن ثَابت (د ت ق) قَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مَنَاكِير . قلت : هُوَ فِي سنَن أبي دَاوُد وَأعله ابْن حزم بِعَبْد الرَّحْمَن هَذَا وَهُوَ ابْن ثَوْبَان - وَقَالَ أَحْمد وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
ووثق أَيْضا - وبأبي عَائِشَة ، وَقَالَ : هُوَ مَجْهُول لَا نَدْرِي من هُوَ وَلَا يعرفهُ أحد .