الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ إِن هَذَا يَوْم قد اجْتمع لكم فِيهِ عيدَان
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أَنه اجْتمع عيدَان عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي يَوْم وَاحِد فَصَلى الْعِيد (فِي) أول النَّهَار وَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِن هَذَا يَوْم قد اجْتمع لكم فِيهِ عيدَان ، فَمن أحب أَن يشْهد مَعنا الْجُمُعَة فَلْيفْعَل ، وَمن أحب أَن ينْصَرف فَلْيفْعَل . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : (أَحدهَا) من طَرِيق زيد بن أَرقم ، رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الثَّلَاثَة أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ من حَدِيث إِيَاس بن أبي رَملَة الشَّامي - وَلَيْسَ لَهُ فِي السّنَن غَيره - قَالَ : (شهِدت) مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَهُوَ يسْأَل زيد بن أَرقم قَالَ : (هَل) شهِدت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (عيدين) اجْتمعَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَكيف صنع ؟ قَالَ : صَلَّى الْعِيد ثمَّ رخص فِي الْجُمُعَة ، ثمَّ قَالَ : من شَاءَ أَن (يُصَلِّي) فَليصل هَذَا لفظ أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه .
وَلَفظ النَّسَائِيّ : (قَالَ : نعم ، صَلَّى الْعِيد من أول النَّهَار وَرخّص فِي الْجُمُعَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ الْأَوَّلين ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده أَيْضا وَقَالَ فِي (رِوَايَته : ثمَّ) رخص فِي الْجُمُعَة ، وَقَالَ : من شَاءَ أَن يجمع فليجمع . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرط مُسلم .
فَذكره من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَسَيَأْتِي بعد . وَقَالَ الْأَثْرَم : سُئِلَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - عَن الْعِيدَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي يَوْم (وَاحِد) فَذكر هَذَا الحَدِيث . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : هَذَا حَدِيث يعْتَمد عَلَيْهِ .
وَقَالَ فِي علله : إِنَّه أصح مَا فِي الْبَاب . وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِسْنَاده حسن . وَخَالف ابْن الْقطَّان : فأعله بإياس بن أبي رَملَة ، وَقَالَ : إِنَّه مَجْهُول الْحَال .
قَالَ : وَلما ذكر ابْن الْمُنْذر هَذَا الحَدِيث قَالَ : إِنَّه لَا يثبت ، وَإِن إِيَاس بن أبي رَملَة مَجْهُول . قَالَ : وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَأعله ابْن حزم فِي محلاه بإسرائيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي (رَاوِيه) عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة ، عَن إِيَاس .
وَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَلَا يَصح . وَإِسْرَائِيل هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة ، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو حَاتِم وَغَيرهمَا وَعَن ابْن الْمَدِينِيّ تَضْعِيفه . الطَّرِيق الثَّانِي : من طَرِيق أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - (عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : قد اجْتمع فِي يومكم هَذَا عيدَان) فَمن شَاءَ أَجزَأَهُ عَن الْجُمُعَة ، وَإِنَّا مجمعون .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا وَابْن السكن فِي (صحاحه) وَلم يعزه ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه إِلَى ابْن مَاجَه ، وَعَزاهُ إِلَى النَّسَائِيّ وَلم أره فِيهِ . وَرَوَاهُ الْخلال فِي علله بِلَفْظ : فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قد أصبْتُم خيرا (فَمن) أحب أَن (يُقيم) فَليقمْ ، وَمن أحب أَن ينْصَرف فلينصرف . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِاللَّفْظِ الأول ، وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
قلت : وَهُوَ من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، عَن شُعْبَة (عَن مُغيرَة (الضَّبِّيّ) عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع الْمَكِّيّ ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَبَقِيَّة هَذَا قد علمت حَاله) فِي بَاب النَّجَاسَات من كتَابنَا هَذَا ، وَذكرنَا أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ . قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : بَقِيَّة بن الْوَلِيد لم يخْتَلف فِي صدقه إِذا رَوَى عَن الْمَشْهُورين . وَهَذَا (حَدِيث) غَرِيب من حَدِيث شُعْبَة ، والمغيرة وَعبد الْعَزِيز كلهم مِمَّن يجمع حَدِيثه .
وَقَالَ الْبَزَّار : لَا نعلم رِوَايَة عَن شُعْبَة إِلَّا بَقِيَّة ، يرويهِ بَقِيَّة (قَالَ) : أَنا شُعْبَة عَن الْمُغيرَة الضَّبِّيّ ، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقد رَوَاهُ عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع زِيَاد بن عبد الله البكائي ، وَذكره الْبَزَّار . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف وَمِنْهُم من يكذبهُ . قلت : قد رَوَاهُ غير زِيَاد أَيْضا .
ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث مُغيرَة وَلم يرفعهُ (عَنهُ غير شُعْبَة) وَهُوَ أَيْضا غَرِيب عَن شُعْبَة لم يروه عَنهُ غير بَقِيَّة ، وَقد رَوَاهُ زِيَاد البكائي وَصَالح بن مُوسَى الطلحي عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع مُتَّصِلا . وَرَوَاهُ [ جمَاعَة ] عَن عبد الْعَزِيز ، عَن أبي صَالح ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (مُرْسلا) وَلم (يذكرُوا) أَبَا هُرَيْرَة - قَالَ فِي علله : وَهُوَ الصَّحِيح - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاس عَن [ أبي ] صَالح مُرْسلا ، وتعجب من بَقِيَّة كَيفَ رَفعه وَقد كَانَ بَقِيَّة يروي عَن ضعفاء وَيُدَلس . قلت : قد صرح بَقِيَّة بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ : نَا شُعْبَة .
لَكِن لَا يَنْفَعهُ ذَلِك فَإِنَّهُ مَعْرُوف بتدليس التَّسْوِيَة . (قلت : وَأَبُو صَالح) هَذَا هُوَ السمان الثِّقَة كَمَا صرح بِهِ الْبَيْهَقِيّ . وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا مُقَيّدا بِأَهْل العوالي ، وَفِي إِسْنَاده ضعف ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن عبد الْعَزِيز عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُقَيّدا بِأَهْل الْعَالِيَة إِلَّا أَنه مُنْقَطع .
الطَّرِيق الثَّالِث : من طَرِيق نَافِع ، عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قَالَ : اجْتمع عيدَان عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَصَلى بِالنَّاسِ ، ثمَّ قَالَ : من شَاءَ أَن يَأْتِي الْجُمُعَة فليأتها ، وَمن شَاءَ أَن يتَخَلَّف فليتخلف . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه وَفِي إِسْنَاده جبارَة بن الْمُغلس ، قَالَ البُخَارِيّ : مُضْطَرب الحَدِيث . ومندل بن عَلّي قد ضعف ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث سعيد بن رَاشد (السماك) نَا عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عمر قَالَ : اجْتمع عيدَان عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ يَوْم ] فطر وجمعة فَصَلى بهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْعِيد ، ثمَّ أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِنَّكُم قد أصبْتُم خيرا وَأَجرا وَإِنَّا مجمعون ، فَمن أَرَادَ أَن يجمع مَعنا فليجمع ، و(من) أَرَادَ أَن يرجع إِلَى أَهله فَليرْجع .
وَسَعِيد هَذَا قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح . الطَّرِيق الرَّابِع : من طَرِيق ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اجْتمع عيدَان فِي يومكم هَذَا ، فَمن شَاءَ أَجزَأَهُ من الْجُمُعَة ، وَإِنَّا مجمعون - إِن شَاءَ الله تَعَالَى . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث (بَقِيَّة) نَا شُعْبَة ، نَا مُغيرَة الضَّبِّيّ ، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع ، [ عَن أبي صَالح ] عَن ابْن عَبَّاس فَذكره ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد لَوْلَا بَقِيَّة ، وَسَيَأْتِي لَهُ طَرِيق (آخر) جيد ، وَبِالْجُمْلَةِ ( فأصح) هَذِه الطّرق الطَّرِيقَة الأولَى عَلَى مَا فِيهَا - كَمَا سلف ، وَنقل عبد الْحق عَن عَلّي بن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ : فِي هَذَا (الْبَاب) غير مَا (حَدِيث) بِإِسْنَاد جيد .
قلت : وَقد رُوِيَ هَذَا الْفِعْل أَيْضا عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الله بن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أما الأول فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي جملَة حَدِيث طَوِيل عَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ( أَنه) خطب يَوْم عيد فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِن هَذَا يَوْم قد اجْتمع لكم فِيهِ عيدَان ، فَمن أحب أَن ينْتَظر الْجُمُعَة من أهل العوالي (فلينتظر) وَمن أحب أَن يرجع فقد [ أَذِنت لَهُ ] وَهَذَا الْأَثر ذكره صَاحب الْمُهَذّب وَأما الثَّانِي فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى (الصَّحِيحَيْنِ) بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَطاء قَالَ : صَلَّى ابْن الزبير فِي يَوْم عيد [ فِي ] يَوْم جُمُعَة أول النَّهَار ثمَّ (رحنا) إِلَى الْجُمُعَة فَلم يخرج إِلَيْنَا فصلينا وحدانًا ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس بِالطَّائِف ، فَلَمَّا قدم ذكرنَا ذَلِك لَهُ فَقَالَ : أصَاب السّنة . قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة : إِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الحميد ، عَن وهب بن كيسَان ، عَن ابْن عَبَّاس نَحوه مُخْتَصرا ، وَأعله ابْن حزم فِي محلاه بِعَبْد الحميد فَإِنَّهُ قَالَ : وَإِذا اجْتمع عيد فِي يَوْم جُمُعَة صلي الْعِيد ثمَّ الْجُمُعَة وَلَا يَصح أثر بِخِلَاف ذَلِك ؛ لِأَن فِي رُوَاته إِسْرَائِيل وَعبد الحميد بن جَعْفَر وليسا بالقويين .
فَأَما إِسْرَائِيل فقد أسلفنا الْجَواب عَنهُ فِي حَدِيث زيد بن أَرقم السالف قَرِيبا ، وَأما عبد الحميد فوثقه أَحْمد وجماعات وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، نعم ضعفه ( يَحْيَى) الْقطَّان ، وَضَعفه أَيْضا سُفْيَان لأجل الْقدر . وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق وهب بن كيسَان قَالَ : شهِدت ابْن الزبير (بِمَكَّة) فَوَافَقَ يَوْم فطر أَو أَضْحَى يَوْم الْجُمُعَة ، فَأخر الْخُرُوج حَتَّى ارْتَفع النَّهَار ، فَخرج وَصعد الْمِنْبَر فَخَطب فَأطَال ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلم (يصل) الْجُمُعَة (فَعَاتَبَهُ) عَلَيْهِ نَاس من بني أُميَّة بن عبد شمس ، فَبلغ ذَلِك ابْن عَبَّاس فَقَالَ : أصَاب (ابْن) الزبير السّنة . فَبلغ ابْن الزبير فَقَالَ : رَأَيْت عمر بن الْخطاب إِذا اجْتمع عيدَان صنع مثل هَذَا .
قَالَ : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . (هَذَا آخر كَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب) .