الحديث الأول خمس صلوَات كتبهن الله عَلَيْكُم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة
بَاب تَارِك الصَّلَاة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث . (أَحدهَا) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خمس صلوَات كتبهن الله عَلَيْكُم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ، فَمن جَاءَ بِهن فَلم يضيع مِنْهُنَّ شَيْئا كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة ، وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد ، إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ أدخلهُ الْجنَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان ، عَن ابن محيريز أَن رجلا من بني كنَانَة يُدعَى المخدجي سمع رجلا بِالشَّام يكنى أَبَا مُحَمَّد يَقُول : إِن الْوتر وَاجِب .
قَالَ المخدجي : فَرُحتُ إِلَى عبَادَة بن الصَّامِت ، فعرضت لَهُ وَهُوَ رائح إِلَى الْمَسْجِد . فَأَخْبَرته بِالَّذِي ، قَالَ أَبُو مُحَمَّد . قَالَ عبَادَة : كذب أَبُو مُحَمَّد ؛ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : خمس صلوَات كتبهن الله عَلَى الْعباد ، فَمن جَاءَ بِهن ، لَا يُضيع مِنْهُنَّ شَيْئا ، اسْتِخْفَافًا بحقهن ؛ كَانَ لَهُ عهد عِنْد الله (أَن يدْخلهُ الْجنَّة .
وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد إِن) شَاءَ عذبه ، وَإِن شَاءَ أدخلهُ الْجنَّة . وَرَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن أَيْضا ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك أَيْضا ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث شُعْبَة ، عَن عبد ربه بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان ، عَن ابْن محيريز ، عَن المخدجي ، عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : خمس صلوَات افترضهن الله عَلَى عباده ، فَمن جَاءَ بِهن لم ينتقص مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن ، فَإِن الله جَاعل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة عهدا أَن يدْخلهُ الْجنَّة ، وَمن جَاءَ بِهن قد نقص مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن ؛ لم يكن لَهُ عِنْد الله عهد ، إِن شَاءَ عذبه ، وَإِن شَاءَ غفر لَهُ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده فَقَالَ : نَا يزِيد ، أَنا يَحْيَى بن سعيد .
فَذكره كَرِوَايَة مَالك ، إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره : وَإِن شَاءَ غفر لَهُ . قَالَ ابْن عبد الْبر : وَعبد الله بن محيريز من جلة التَّابِعين ، وَهُوَ مَعْدُود فِي الشاميين ، قَالَ : والمخدجي مَجْهُول لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ مَالك : المخدجي لقب وَلَيْسَ ينْسب فِي شيء من قبائل الْعَرَب ، وَقيل : إِن المخدجي اسْمه رفيع ، وَذكر ذَلِك عَن يَحْيَى بن معِين . وَأما أَبُو مُحَمَّد فَيُقَال : إِنَّه مَسْعُود بن أَوْس الْأنْصَارِيّ ، وَيُقَال : سعيد بن أَوْس ، وَيُقَال : إِنَّه بَدْرِي .
وَاعْترض الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَلَى ابْن عبد الْبر فِيمَا قَالَه ، فَقَالَ : هَكَذَا ذكر أَبُو عمر أَن المخدجي مَجْهُول ، وَقد كَانَ ، (قدم) قبل ذَلِك أَنه لم يخْتَلف عَن مَالك فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، وَأَنه حَدِيث صَحِيح ثَابت ، فَتَأمل تَصْحِيح أبي عمر مَعَ حكمه بِأَن المخدجي مَجْهُول . قلت : والمخدجي ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، فَقَالَ : أَبُو رفيع المخدجي من بني كنَانَة ، يروي عَن عبَادَة بن الصَّامِت ، روى عَنهُ : ابْن محيريز ، ثمَّ سَاق لَهُ الحَدِيث الْمَذْكُور ، وَأخرجه فِي صَحِيحه من طَرِيقين إِلَيْهِ ، وَلَفظه : من جَاءَ بالصلوات الْخمس قد كملهن لم ينقص من حقهن شَيْئا كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن لَا يعذبه ، وَمن جَاءَ بِهن وَقد أنقص من حقهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد ، إِن شَاءَ رَحمَه ، وَإِن شَاءَ عذبه . ثمَّ قَالَ : وَأَبُو مُحَمَّد هَذَا اسْمه مَسْعُود بن زيد بن سبيع الْأنْصَارِيّ ، من بني دِينَار بن النجار ، لَهُ صُحْبَة ، سكن الشَّام .
قَالَ : وَقَول عبَادَة : كذب أَبُو مُحَمَّد يُرِيد بِهِ أَخطَأ ، وَهَذِه لَفْظَة مستعملة لأهل الْحجاز ، إِذا أَخطَأ أحدهم يُقَال لَهُ : كذب ، وَالله - تَعَالَى جلّ وَعلا - نزه أقدار الصَّحَابَة عَن إلزاق الْقدح بهم ، حَيْثُ قَالَ : يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ ...) ، فَمن (أخبر) الله - جلّ وَعز - أَن لَا يخزيه فِي الْقِيَامَة فبالحري أَن لَا يُجَرح ، وَكَذَا قَالَ : أَرَادَ بقوله : كذب أَخطَأ فِي الْفَتْوَى ؛ لِأَن الْكَذِب إِنَّمَا يكون فِي الْإِخْبَار ، وَلم يخبر عَن غَيره . قلت : وَلِحَدِيث عبَادَة هَذَا طرق أُخْرَى ، تركناها خوف الطول ، ومتابع من حَدِيث أبي قَتَادَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَكَعب بن عجْرَة رَوَاهُ أَحْمد . تَنْبِيه : تحصلنا فِي اسْم المخدجي عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَفِي اسْم أبي مُحَمَّد عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضا ، وَفِي اسْم وَالِده عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضا ، وَلما ذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن الْخطابِيّ أَنه قَالَ : أَبُو مُحَمَّد صَحَابِيّ ، اسْمه مَسْعُود بن زيد بن سبيع ، اعْتَرَضَهُ فَقَالَ : كَذَا قَالَ ، وَلَا نعرفه فِي الصَّحَابَة .
قلت : عرفه أَبُو عمر ، وَابْن حبَان ، وَغَيرهمَا ، كَمَا أسلفناه .