الحَدِيث الثَّانِي الصَّدَقَة فِي أَرْبَعَة
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الصَّدَقَة فِي أَرْبَعَة : فِي التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير ، وَلَيْسَ فِيمَا سواهَا صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وخلافياته من حَدِيث ( أبي) بُرْدَة ، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، ومعاذ بن جبل ، رضي الله عَنهُمَا ، حِين بعثهما رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، يعلمَانِ النَّاس أَمر دينهم : لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَة (إِلَّا) من هَذِه الْأَرْبَعَة : الشّعير ، وَالْحِنْطَة ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب . قَالَ الْحَاكِم : إِسْنَاده صَحِيح .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : رُوَاته ثِقَات ، وَهُوَ مُتَّصِل . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث مُوسَى ابن طَلْحَة ، عَن عمر بن الْخطاب ؛ قَالَ : إِنَّمَا سنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الزَّكَاة فِي هَذِه الْأَرْبَعَة : فِي الْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالزَّبِيب ، وَالتَّمْر . وَمن حَدِيث الْعَرْزَمِي - وَهُوَ واه - عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سُئِلَ عبد الله بن عَمْرو عَن الْجَوْهَر والدر والفصوص والخرز ، وَعَن نَبَات الأَرْض ؛ البقل والقثاء وَالْخيَار ، فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحجر زَكَاة ، وَلَيْسَ فِي الْبُقُول زَكَاة ، إِنَّمَا سنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب .
(وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا ؛ وَهَذَا لَفظه : عَن جده عبد الله بن (عَمْرو ) قَالَ : إِنَّمَا سنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الزَّكَاة فِي هَذِه الْخَمْسَة : فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب) والذرة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة ؛ قَالَ : عندنَا كتاب معَاذ بن جبل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث قد احْتج بِجَمِيعِ (رُوَاته) .
قَالَ : (و) مُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير (لَا) يُنكر لَهُ (أَنه) يدْرك أَيَّام معَاذ . وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام ؛ فَقَالَ بعد أَن نقل عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِيهِ : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَزعم أَن مُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير لَا يُنكر أَن يدْرك أَيَّام (معَاذ) : وَفِيمَا قَالَ نظر كَبِير ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث مُوسَى أَنه قَالَ : عندنَا كتاب معَاذ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر وَهَذَا يشْعر أَنه كتاب ، وَذكر أَبُو زرْعَة أَن مُوسَى عَن عمر مُرْسل ؛ فَإِن كَانَ لم يدْرك (عمر فَلم يدْرك) معَاذًا . وَقَالَ فِي الإِمَام : فِي قَول الْحَاكِم نظر - أَعنِي فِي الِاتِّصَال مَا بَين مُوسَى ومعاذ - وَقد ذكرُوا فِي وَفَاة مُوسَى (أَنَّهَا) كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَمِائَة وَقيل : أَربع .
قلت : وَأما ابْن عبد الْبر فَقَالَ فِي استذكاره : لم يلق معَاذًا وَلَا أدْركهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد تَخْرِيجه : رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي ، عَن سُفْيَان ، وَزَاد فِيهِ : قَالَ : بعث الْحجَّاج بمُوسَى بن الْمُغيرَة عَلَى الْخضر والسواد ، فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ من الْخضر الرطاب والبقول ، فَقَالَ مُوسَى بن طَلْحَة : عندنَا كتاب معَاذ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه أمره أَن يَأْخُذ من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب . قَالَ : فَكتب إِلَى الْحجَّاج فِي ذَلِك ، فَقَالَ : صدق وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن مُوسَى بن طَلْحَة أعلم من مُوسَى بن الْمُغيرَة .
ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد ؛ قَالَ : لم تكن الصَّدَقَة فِي عهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا فِي خَمْسَة (أَشْيَاء) : الْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب ، والذرة . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن قَالَ : لم يفْرض النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا فِي عشرَة أَشْيَاء : الْإِبِل ، وَالْبَقر ، وَالْغنم ، وَالذَّهَب ، وَالْفِضَّة ، وَالْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب قَالَ ابْن عُيَيْنَة : أرَاهُ قَالَ - والذرة . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْحسن ؛ قَالَ : لم يَجْعَل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الصَّدَقَة إِلَّا فِي عشرَة .. .
فَذَكرهنَّ ، وَذكر (فِيهِنَّ) السُلت وَلم يذكر : الذّرة . وَفِيه ( عَمْرو) بن عبيد ، رَأس الاعتزال ، الْمَتْرُوك . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن الشّعبِيّ ؛ قَالَ : كتب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أهل الْيمن : إِنَّمَا الصَّدَقَة فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب .
ثمَّ رَوَى أَيْضا حَدِيث معَاذ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الأول ، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا مَرَاسِيل ، إِلَّا (أَنَّهَا) من طرق مُخْتَلفَة فيؤكّد بَعْضهَا بَعْضًا ، وَمَعَهَا حَدِيث أبي مُوسَى ، وَمَعَهَا قَول بعض الصَّحَابَة ؛ كَقَوْل عمر : لَيْسَ فِي الخضروات صَدَقَة ، (وَقَول عَلّي : لَيْسَ فِي الخضروات [ والبقول ] صَدَقَة ) وَقَول عَائِشَة فِيمَا ذكرت أَن السّنة جرت بِهِ : وَلَيْسَ فِيمَا أنبتت الأَرْض من الخضروات زَكَاة ، وَقَول عَطاء : لَا صَدَقَة إِلَّا فِي نخل (أَو) عِنَب أَو حب ، وَلَيْسَ فِي شَيْء من (الْخضر) بعد [ و] الْفَوَاكِه كلهَا صَدَقَة .