الحَدِيث الثَّامِن عشر إِذا خرصتم فاتركوا لَهُم الثُّلُث
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا خرصتم فاتركوا لَهُم الثُّلُث ، فَإِن لم تتركوا لَهُم الثُّلُث فاتركوا (لَهُم) الرّبع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث ، فَإِن لم تدعوا الثُّلُث فدعوا الرّبع . وَلَفظ أَحْمد كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ : فَإِن لم تدعوا فدعوا الرّبع .
وَلَفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان : جَاءَ سهل بن أبي حثْمَة إِلَى مَجْلِسنَا ، فَقَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث ، فَإِن لم تدعوا (أَو تَجدوا) الثُّلُث فدعوا الرّبع . وللنسائي أَيْضا وَالْحَاكِم : فَإِن لم تَأْخُذُوا أَو تدعوا - شكّ (شُعْبَة) - فدعوا الرّبع . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم فِي الْخرص ، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق .
وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قَالَ : وَله شَاهد بِإِسْنَاد مُتَّفق عَلَى صِحَّته ؛ أَن عمر بن الْخطاب أَمر بِهِ . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى سهل بن أبي حثْمَة أَن عمر بن الْخطاب بَعثه عَلَى خرص التَّمْر ، وَقَالَ : إِذا أتيت أَرضًا فاخرصها ودع لَهُم قدر مَا يَأْكُلُون .
وَأما ابْن الْقطَّان فَقَالَ : فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود بن (نيار ) ، قَالَ الْبَزَّار : لم يروه عَن سهل إِلَّا هُوَ ، وَهُوَ مَعْرُوف . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا غير كَاف فِيمَا يَنْبَغِي من عَدَالَته فكم من مَعْرُوف غير ثِقَة ، وَالرجل لَا يعرف لَهُ حَال وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا ، وَلم يزدْ ذاكروه عَلَى مَا أخذُوا من هَذَا الْإِسْنَاد من رِوَايَته عَن سهل وَرِوَايَة خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ ، وَلم يتَعَرَّض التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث بقولٍ ، لَا تَصْحِيح وَلَا تَحْسِين ، وَلَا تسقيم ذَلِك . قَالَ : وَسَهل لَا يبعد أَن يكون سمع هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ لَيْسَ من يضْبط ، وَلَعَلَّه سمع ذَلِك آخر حَيَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُوله لِأَبِيهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ خارص رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَو لغيره ، وَقد جَاءَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ أَنه بَعثه خارصًا لَكِن بسندٍ فِيهِ مَجَاهِيل ، أَو أَنه تَصْحِيف وَصَوَابه (أَنه) بعث أَبَاهُ .
قلت : عبد الرَّحْمَن هَذَا وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان ، فَإِنَّهُ ذكره فِي ثقاته ، وَأخرج الحَدِيث فِي صَحِيحه من جِهَته ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم صحّح إِسْنَاده ، فقد عرف حَاله كَمَا قَالَه الْبَزَّار ، وَللَّه الْحَمد . وَقَول النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود بن نيار الرَّاوِي عَن سهل بن أبي حثْمَة ، فَلم يتكلموا فِيهِ بِجرح وَلَا تَعْدِيل ، وَلَا هُوَ مَشْهُور ، وَلم (يُضعفهُ) أَبُو دَاوُد . فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من كَونه ثِقَة .
وَقَول صَاحب الْإِلْمَام بعد أَن نقل تَصْحِيحه عَن الْحَاكِم : فِيمَا قَالَ نظر . مُرَاده بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ عَن ابْن الْقطَّان ، فَإِنَّهُ نَقله عَنهُ فِي كتاب الإِمَام وَأقرهُ عَلَيْهِ ، وَقد عرفت مَا فِيهِ . فَائِدَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : لهَذَا الحَدِيث مَعْنيانِ : أَحدهمَا : أَن يتْرك الثُّلُث أَو الرّبع من الْعشْر .
وَثَانِيهمَا : أَن يتْرك ذَلِك من نَفْس التَّمْر قبل أَن يعشر إِذا كَانَ ذَلِك حَائِطا كَبِيرا يحْتَملهُ . وَقَالَ الشَّافِعِي : مَعْنَاهُ يدع ثلث الزَّكَاة أَو ربعهَا ليفرقها هُوَ بِنَفسِهِ عَلَى أَقَاربه وجيرانه . وَقَالَ فِي الْأُم : (مَعْنَاهُ) يدع لَهُ ولأهله قدر مَا يَأْكُلُون وَلَا يخرصه .
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنه إِذا احْتَاجَ وَأَهله إِلَى الْجَمِيع أَنه يتْرك الْجَمِيع . وَقد حَكَاهُ كَذَلِك الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه . (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه) .