آثار الباب
وَأما آثاره فثمانية : أَولهَا : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا قَالَت : " لَا زَكَاة فِي اللُّؤْلُؤ " .
وَهَذَا (الْأَثر) لَا يحضرني من خرجه عَنْهَا ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" عَن سعيد بن جُبَير ، أَنه قَالَ : "لَيْسَ فِي حجر زَكَاة إِلَّا مَا كَانَ لتِجَارَة من جوهرٍ ، وَلَا ياقوت وَلَا لُؤْلُؤ وَلَا غَيره إِلَّا الذَّهَب وَالْفِضَّة " . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن الحكم ، عَن عَلّي قَالَ : " لَيْسَ فِي جَوْهَر زَكَاة " . ثمَّ قَالَ : هَذَا مُنْقَطع وَمَوْقُوف . قَالَ : وروينا نَحْو هَذَا عَن عَطاء وَسليمَان بن يسَار وَعِكْرِمَة وَالزهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَمَكْحُول .
فَائِدَة : اللُّؤْلُؤ (فِيهِ) أَربع لُغَات ، قُرِئَ بهنَّ فِي السَّبع ، بهمزتين ، ودونهما ، وبهمز (أَوله) دون ثَانِيه ، وَعَكسه .
قَالَ جُمْهُور أهل اللُّغَة : اللُّؤْلُؤ : الْكِبَار ، والمرجان : الصغار ، وَقيل عَكسه .
ثَانِيهَا : عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : " لَا شَيْء فِي العنبر " .
وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" عَنهُ ، تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم ، وَهَذَا لَفظه : قَالَ ابْن عَبَّاس : " لَيْسَ العنبر بركاز ، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر " .
وأسنده الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" عَنهُ صَحِيحا ، بِلَفْظ : "لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة ، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر " . وَفِي لَفْظَة لَهُ كَلَفْظِ البُخَارِيّ ، وَفِي آخر لَهُ : " أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن العنبر ؛ فَقَالَ : إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس " . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَابْن عَبَّاس علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة ، وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِيهِ فِي الرِّوَايَة الأولَى ، وَالْقطع أولَى . ودسره (الْبَحْر) - بدال وسين مهملتين مفتوحتين - أَي : قذفه وَدفعه .
ثَالِثهَا ، وَرَابِعهَا ، وخامسها : عَن عمر ، وَابْن عَبَّاس ، وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم " أَنهم أوجبوا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح " .
أما أثر عمر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مساور الْوراق ، عَن شُعَيْب بْن يسَار قَالَ : " كتب عمر إِلَى أبي مُوسَى أَن مُر مَن قِبلك من نسَاء (الْمُسلمين) أَن (يصدقن) من حليهن " ثمَّ قَالَ : هَذَا مرسلٌ
(شُعَيْب) بن يسَار لم يدْرك عمر ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن مساور ، عَن شُعَيْب " أَن عمر بن الْخطاب (كتب) أَن يزكَّى الْحلِيّ " . قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا مُرْسل .
وَأما أثر ابْن عَبَّاس ؛ فحكاه ابْن الْمُنْذر عَنهُ ، عَلَى مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ . قَالَ الشَّافِعِي : (وَيروَى) عَن ابْن عَبَّاس وَأنس بن مَالك ، وَلَا أَدْرِي (أيثبت) عَنْهُمَا أَنه لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة .
وَأما أثر (ابْن مَسْعُود) ؛ فحكاه ابْن الْمُنْذر ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، وأسنده الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث حجاج بن منهال ، نَا حَمَّاد بن سَلمَة ، [ عَن حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ] عَن ابْن مَسْعُود " أَن امْرَأَته (أَتَتْهُ) فَقَالَت : يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ، هَل من حليي زَكَاة ؟ قَالَ : نعم . قَالَت : فَإِن بني أخي أَيْتَام أفأجعله فيهم ؟ قَالَ : اجعليه فيهم " .
وأسنده الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ، من حَدِيث سُفْيَان ، (عَن) حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة " أَن امْرَأَة عبد الله - يَعْنِي ابْن مَسْعُود - سَأَلته عَن
حُلِيٍّ لَهَا ؟ فَقَالَ : إِذا بلغ مِائَتي دِرْهَم فَفِيهِ الزَّكَاة . قَالَت : أضعها فِي بني أَخ لي فِي حجري ؟ قَالَ : نعم " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَلَيْسَ بِشَيْء . (قلت) أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث قبيصَة ، عَن سُفْيَان ، عَن حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة ، عَن عبد الله " أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : إِن لي حليًّا وَإِن زَوجي خَفِيف ذَات الْيَد ، وَإِن لي بني أَخ ، أفيجزئ (عني) أَن أجعَل زَكَاة الْحلِيّ فِيهِ ؟ قَالَ : نعم " . ثمَّ قَالَ : هَذَا وهم ، وَالصَّوَاب عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عبد الله ، مُرْسل مَوْقُوف .
الْأَثر السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن : عَن ابْن عمر وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم " أَنهم لم يوجبوا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح " .
أما أثر ابْن عمر فَصَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر " أَنه كَانَ يحلي بَنَاته وجواريه بِالذَّهَب فَلَا يخرج مِنْهُ الزَّكَاة " .
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَنهُ : "إِنَّه كَانَ يحلي بَنَاته بأربعمائة دِينَار وَلَا يخرج زَكَاته " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " لَيْسَ فِي (الْحلِيّ زَكَاة) " . وَفِي رِوَايَة لَهُ : " زَكَاة الْحلِيّ عاريته " .
وَأما أثر جَابر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (بِإِسْنَادِهِ) الصَّحِيح ، عَن
الشَّافِعِي ، قَالَ : أَنا سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ : " سَمِعت رجلا يسْأَل جَابر بن عبد الله عَن الْحلِيّ : أفيه زَكَاة ؟ فَقَالَ جَابر : لَا . فَقَالَ : وَإِن كَانَ يبلغ ألف دِينَار ؟ فَقَالَ جَابر : كثير " . وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن جَابر " أَنه سُئِلَ عَن زَكَاة الْحلِيّ فَقَالَ : زَكَاته عاريته " .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، من حَدِيث أبي حَمْزَة ، عَن الشّعبِيّ ، عَن جَابر : " لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة " . ثمَّ قَالَ : أَبُو حَمْزَة هَذَا ضَعِيف الحَدِيث .
وَأما أثر عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَصَحِيح ؛ رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، وَهُوَ فِي "الْمُوَطَّأ" ، عَن [ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ] ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة " أَنَّهَا كَانَت تلِي بَنَات (أَخِيهَا) - يتامى فِي حجرها لَهُنَّ الْحلِيّ ، فَلَا تخرج مِنْهُ الزَّكَاة " .
لَكِن فِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب ، أَنا حُسَيْن الْمعلم ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : "لَا بَأْس بِلبْس الْحلِيّ إِذا أعطي زَكَاته " .
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح .
قلت : وَرُوِيَ مثل مقالتهم عَن أنس بن مَالك وَأَسْمَاء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
أما أثر أنس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (و) الْبَيْهَقِيّ ؛ بِإِسْنَاد جيد ، من حَدِيث عَلّي بن سليم (قَالَ) : " سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْحلِيّ فَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ زَكَاة " .
وَأما أثر أَسمَاء (فروياه) أَيْضا ، بإسنادٍ جيد ، عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ، عَن أَسمَاء بنت أبي بكر " أَنَّهَا كَانَت تحلي بناتها الذَّهَب وَلَا تزكيه ، نَحْو من خمسين ألف " .
قَالَ الْأَثْرَم : سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول فِي زَكَاة الْحلِيّ عَن خَمْسَة من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يرَوْنَ فِيهِ زَكَاة ، وهم أنس وَجَابِر وَابْن عمر وَعَائِشَة وَأَسْمَاء .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" : وَمن قَالَ : لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ زعم أَن الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَارِدَة فِي وجوب الزَّكَاة فِيهِ حِين كَانَ التحلي بِالذَّهَب حَرَامًا عَلَى النِّسَاء ، فَلَمَّا أُبِيح لَهُنَّ سَقَطت زَكَاته . قَالَ : وَكَيف يَصح هَذَا القَوْل مَعَ حَدِيث عَائِشَة - إِن كَانَ ذكر الْوَرق فِيهِ مَحْفُوظًا - وَهُوَ مَا رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَنْهَا " أَنَّهَا دخلت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَرَأَى فِي يَدهَا صخابًا من ورق ، فَقَالَ : (مَا هَذَا يَا عَائِشَة ؟ فَقَالَت : صنعتهن أتزين لَك بهنَّ يَا رَسُول الله . قَالَ :) أتؤدين زكاتهن ؟ قَالَت : لَا ، قَالَ : هُوَ حَسبك من النَّار " .
وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ مَجْهُول . (وَتَبعهُ ابْن الْجَوْزِيّ) ، وَخَالفهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْقطَّان (فَقَالَا) : هُوَ مَعْرُوف . وَهُوَ الصَّوَاب ، فَهُوَ من رجال "الصَّحِيحَيْنِ " .
وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ أعلَّه بِيَحْيَى بن أَيُّوب الغافقي ، وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى فِي رِوَايَة ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، لَا جرم قَالَ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : غير أَن رِوَايَة الْقَاسِم وَابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة
فِي تَركهَا إِخْرَاج زَكَاة الْحلِيّ ، مَعَ مَا ثَبت من مَذْهَبهمَا من إِخْرَاج [ الزَّكَاة عَن ] أَمْوَال الْيَتَامَى ، فَوَقع رِيبَة فِي هَذِه الرِّوَايَة المرفوعة ، فَهِيَ لَا تخَالف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيمَا ترويه إِلَّا فِيمَا عَلمته مَنْسُوخا .