الحَدِيث الْعَاشِر زكاة الأقط
الحَدِيث الْعَاشِر (حَدِيث) أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فِي الأقط . هُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَقد فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَذكر عَن أبي إِسْحَاق أَن الشَّافِعِي (علق) القَوْل فِي جَوَاز إِخْرَاجه بِصِحَّة الحَدِيث ، فَلَمَّا صَحَّ قَالَ بِهِ ، وَقَالَ فِي تذنيبه عقيب هَذِه القولة بعد أَن أخرجه من رِوَايَة الشَّافِعِي عَن مَالك ، والشيخين : لَيْسَ فِي صِحَة الحَدِيث تردد .
قلت : وَأما ابْن حزم فضعفه فِي محلاه ، وَقد بيّنت وهمه فِيهِ فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط فَرَاجعه مِنْهُ . تَنْبِيهَانِ : أَحدهمَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : فَإِن جَوَّزنَا - يَعْنِي إِخْرَاج الأقط - فقد ذكر فِي الْكتاب أَن اللَّبن و(الْجُبْن) فِي مَعْنَاهُ . وَهَذَا أظهر الْوَجْهَيْنِ ، وَفِيه وَجه أَن الْإِخْرَاج مِنْهُمَا لَا يُجزئ ؛ لِأَن الْخَبَر لم يرد بهما .
قلت : أما (الْجُبْن) فَهُوَ كَمَا (ذكر) ، وَأما اللَّبن فقد ورد الْخَبَر بِهِ ، لكنه ضَعِيف ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أَحْمد بن رشدين ، عَن سعيد بن عفير ، عَن الْفضل بن الْمُخْتَار ، حَدثنِي (عبيد الله) بن موهب ، عَن عصمَة بن مَالك ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي صَدَقَة الْفطر : مدان من قَمح ، أَو صَاع من شعير أَو تمر أَو زبيب ، فَمن لم يكن عِنْده أقط وَعِنْده لبن فصاعين من لبن . وَالْفضل (هَذَا) قَالَ أَبُو حَاتِم (فِي حَقه) : مَجْهُول يحدث بالأباطيل . الثَّانِي : قَالَ الرَّافِعِيّ : لَا يُجزئ الدَّقِيق وَلَا السويق وَلَا الْخبز ؛ لِأَن النَّص ورد بالحب ، فَإِنَّهُ يصلح (لما لَا تصلح) لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء ، فَوَجَبَ اتِّبَاع مورد النَّص .
قلت : قد ورد النَّص فِي الدَّقِيق (والسويق) ، أما الدَّقِيق فمرويٌّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ، أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة ، من حَدِيث نصر بن عَلّي ، عَن عبد الْأَعْلَى ، عَن هِشَام ، (عَن) مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَنهُ قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نُؤَدِّي زَكَاة رَمَضَان ، صَاعا من طَعَام ، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر والمملوك ، من أَدَّى سلتًا - وَأَحْسبهُ قَالَ : من أَدَّى دَقِيقًا - قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى سويقًا قبل مِنْهُ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، من حَدِيث (الثَّقَفِيّ) ، عَن هِشَام ، وَلَفظه : أمرنَا أَن نعطي صَدَقَة رَمَضَان ، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر والمملوك ، صَاعا من طَعَام ، من أَدَّى برًّا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى شَعِيرًا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى زبيبًا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى سلتًا قَالَ : قبل مِنْهُ ، وَأَحْسبهُ قَالَ : وَمن أَدَّى دَقِيقًا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى سويقًا قبل مِنْهُ . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ نصر بن عَلّي فَذكره كَمَا سَاقه ابْن خُزَيْمَة ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر .
ولعلَّ ابْن خُزَيْمَة اعْتبر عَدَالَة الروَاة ، وهم كَذَلِك ، وَلم يلْتَفت إِلَى غرابته ، نعم هُوَ مُنْقَطع فِيمَا بَين مُحَمَّد بن سِيرِين وَابْن عَبَّاس . قَالَ أَحْمد : لم يسمع مِنْهُ ، كلهَا يَقُول : نبئت عَن ابْن عَبَّاس . وَقَالَ خَالِد الْحذاء : كل شَيْء يَقُول : نبئت عَن ابْن عَبَّاس إِنَّمَا سَمعه من عِكْرِمَة أَيَّام الْمُخْتَار .
قيل : وَذَلِكَ فِي حَيَاة ابْن عَبَّاس . قلت : وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس أَيْضا ، رَوَاهُ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب ، نَا أَيُّوب ، عَن مُحَمَّد ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول : صَدَقَة رَمَضَان صَاعا من طَعَام من جَاءَ ببرٍّ قُبِل مِنْهُ ، وَمن جَاءَ بشعير قبل مِنْهُ ، وَمن جَاءَ بِتَمْر قبل (مِنْهُ) ، وَمن جَاءَ بسلتٍ قبل مِنْهُ ، وَمن جَاءَ بزبيب قبل مِنْهُ ، وَأَحْسبهُ قَالَ : وَمن جَاءَ بسويق أَو دَقِيق قبل مِنْهُ . وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، من حَدِيث ابْن عجلَان ، عَن عِيَاض ، عَنهُ : لَا أخرج أبدا إِلَّا صَاعا ، إنَّا كُنَّا نخرج عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَاع تمر أَو شعير أَو أقط أَو زبيب : زَاد (سُفْيَان) فِيهِ : أَو صَاعا من دَقِيق .
قَالَ حَامِد بن يَحْيَى : فأنكروا عَلَيْهِ فَتَركه سُفْيَان . قَالَ أَبُو دَاوُد : فَهَذِهِ الزِّيَادَة وهم من ابْن عُيَيْنَة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا أعلم أحدا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث دَقِيق غير ابْن عُيَيْنَة ، وَلَفظ النَّسَائِيّ فِيهِ : أَو صَاعا من سلت .
قَالَ : ثمَّ شكّ سُفْيَان فَقَالَ : دَقِيق أَو سلت . وَأما السويق فمرويٌّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس كَمَا عَلمته . تَنْبِيه ثَالِث : رَوَى أَبُو دَاوُد مُعَلّقا ، وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلا ، (من) حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ : أَو صَاعا من حِنْطَة .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ . وَخَالف الْحَاكِم فَقَالَ : صَحِيح . وأخرجها ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ، وَقَالَ : ذكر الْحِنْطَة غير مَحْفُوظ وَلَا أَدْرِي مِمَّن الْوَهم .
وأخرجها ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِسَنَد ابْن خُزَيْمَة ، ثمَّ قَالَ : فِيهِ بَيَان أَن قَول أبي سعيد فِي الحَدِيث (الآخر) : صَاعا من طَعَام أَرَادَ : صَاع حِنْطَة . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : نصف صَاع من بر ثمَّ قَالَ : وَهُوَ وهم . وللحاكم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي رواد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : كَانَ النَّاس يخرجُون [ صَدَقَة الْفطر ] عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من شعير ، أَو سلت ، أَو زبيب .
ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَعبد الْعَزِيز ثِقَة عَابِد . وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فِي تَصْحِيحه . وَلابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : صَدَقَة الْفطر صَاعا من شعير ، أَو صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من سلت .
خَاتِمَة : اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَن الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث فَقَط بِنَقْل أهل الْمَدِينَة خلفا عَن سلف ، ثمَّ قَالَ : ولمالك مَعَ أبي يُوسُف - رحمهمَا الله - فِيهِ قصَّة مَشْهُورَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي أَحْمد (بن) مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب ، قَالَ : سَمِعت أبي يَقُول : سَأَلَ أَبُو يُوسُف مَالِكًا عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الصَّاع كم هُوَ رطلا ؟ قَالَ : السّنة عندنَا أَن الصَّاع لَا يُرطَل . ففحمه .
قَالَ أَبُو أَحْمد : سَمِعت الْحُسَيْن بن الْوَلِيد يَقُول : (قَالَ أَبُو يُوسُف) : فَقدمت الْمَدِينَة فجمعنا (أَبنَاء) أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ودعوت بصاعاتهم ، فَكل (حَدثنِي) عَن آبَائِهِم ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن هَذَا (صاعه فقدرتها) فَوَجَدتهَا مستوية ، فَتركت قَول أبي حنيفَة وَرجعت إِلَى هَذَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحُسَيْن بن الْوَلِيد قَالَ : قدم علينا أَبُو يُوسُف من الْحَج ، فأتيناه ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيد أَن أفتح عَلَيْكُم بَابا من الْعلم همني ففحصت (عَنهُ) ، فَقدمت الْمَدِينَة ، فَسَأَلت عَن الصَّاع فَقَالُوا : [ صاعنا ] هَذَا صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قلت لَهُم : مَا حجتكم فِي ذَلِك ؟ فَقَالُوا : نَأْتِيك بِالْحجَّةِ غَدا .
فَلَمَّا أَصبَحت أَتَانِي نَحْو من خمسين شَيخا من أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ، مَعَ كل رجل مِنْهُم الصَّاع تَحت رِدَائه ، كل رجل مِنْهُم يخبر عَن أَبِيه أَو أهل بَيته أَن هَذَا صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَنَظَرت فَإِذا هِيَ سَوَاء ، قَالَ : فَعَيَّرْته فَإِذا هُوَ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، ينقصان مَعَه يَسِيرا ، فَرَأَيْت أمرا قويًّا فقد تركت قَول أبي حنيفَة فِي الصَّاع ، وَأخذت بقول أهل الْمَدِينَة . قَالَ الْحُسَيْن : فحججت من عَامي ذَلِك فَلَقِيت مَالك بن أنس فَسَأَلته عَن الصَّاع ، فَقَالَ : صاعنا هَذَا صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَقلت : كم رطلا (هُوَ) ؟ قَالَ : إِن الْمِكْيَال لَا يرطل ، هُوَ هَذَا .
قَالَ الْحُسَيْن : فَلَقِيت عبد الله بن زيد بن أسلم فَقَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن جدي ، أَن هَذَا صَاع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي مَعْنَاهُ أَيْضا من حَدِيث إِسْحَاق بن سُلَيْمَان ، ورد مَالك عَلَى أبي حنيفَة فِي قَوْله . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه : فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قيل لَهُ : إِن صاعنا أَصْغَر الصيعان ، فَدَعَا لَهُم بِالْبركَةِ .
بَيَان وَاضح أَن صَاع الْمَدِينَة أَصْغَر الصيعان ، وَلم يخْتَلف أهل الْعلم من لدن الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا فِي الصَّاع وَقدره ، إِلَّا مَا قَالَه الحجازيون من أَنه خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، والعراقيون من أَنه ثَمَانِيَة ، (فَكَمَا) لم نجد بَين أهل الْعلم خلافًا فِي قدر الصَّاع إِلَّا مَا وَصفنَا ، صَحَّ أَن صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، إِذْ هُوَ أَصْغَر الصيعان ، وَبَطل قَول من زعم أَن الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال من غير دَلِيل يثبت لَهُ عَلَى صِحَّته . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : وجدنَا أهل الْمَدِينَة لَا يخْتَلف مِنْهُم اثْنَان فِي أَن مُدَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الَّذِي يُؤدى بِهِ الصَّدقَات لَيْسَ أَكثر من رَطْل وَنصف وَلَا أقل من رَطْل وَربع . وَقَالَ بَعضهم : رَطْل وَثلث ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافا وَلكنه عَلَى حسب (رزانة) الْمكيل من التَّمْر وَالْبر وَالشعِير .
وَصَاع ابْن أبي ذِئْب خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، [ قَالَ أَبُو دَاوُد : ] وَهُوَ صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .